بداية العاصفة
كانت أسيل تحدّق في يدها اليمنى تحت مكتبها…
السواد الذي كان لا يتجاوز أطراف الأصابع قبل أيام…
امتدّ الآن حتى منتصف يدها تمامًا.
اتسعت عيناها برعب شديد.
شعرت بدقات قلبها تتضاعف، وكأن شيئًا في داخل صدرها يُطرق بعنف.
شهقت بصوت خافت، ورفعت رأسها بسرعة تنظر حولها:
الأستاذة تشرح الدرس بشكل عادي،
التلاميذ يكتبون،
الهمس منتشر كما كل يوم…
ولا أحد ينتبه لارتباكها.
لا أحد يرى يدها.
ولا أحد يعرف ما يحدث داخلها.
غير أنها هي…
كانت ترى الكابوس يكبر فوق جلدها.
أغلقت كمّ معطفها بسرعة على يدها، ثم ضغطته بقوة حتى لا تتحرك الأصابع السوداء أمام عينيها.
لكن الحرارة تحت الجلد كانت مؤلمة، ساخنة، وكأن نارًا تتحرك من العروق إلى الكفّ.
بدأ حاتم بالسؤال مابك اريني كنت تريدين ان تريني يدك مابك الآن لماذا لا تريدين ان تريني يدك
هزّت رأسها نافية، لكنها لم تستطع إخفاء رعشة يدها اليسرى.
حاولت التقاط قلمها فسقط على الأرض.
انحنى حاتم، أخذه لها ووضعه على الطاولة.
ثم لمح شيئًا تحت كمها…
أسود صغير عند المعصم.
رفعت يدها بسرعة تخفيه، ولكن فوات الأوان…
هو رآه.
قال بصوت منخفض:
"هذا… ليس جرحًا عاديًّا. صحيح؟"
ارتجفت.
لم تستطع حتى الكلام.
همس من جديد:
"أسيل… أنا رأيتُ يوم الحادث. رأيتُ عينيك حين تغيّر لونهما. ورأيتُ قوة لم تكن عادية."
بلعت ريقها بصعوبة، وعيونها تمتلئ بالرعب.
الهواء في القسم صار ثقيلًا، خانقًا.
ثم—وفي لحظة—شعرت بحرقة شديدة في يدها اليمنى.
كأن نارًا اشتعلت داخل الجلد.
كأن الدم نفسه تحوّل إلى شيء آخر.
وصل السواد إلى منتصف يدها.
صرخت بداخلها دون صوت:
لا… لا… مستحيل…
لماذا يكبر؟ لماذا الآن؟
جمعت كتبها بسرعة، نهضت فجأة، وخرجت من القسم دون أن تطلب إذنًا.
الأستاذة نادت من خلفها:
"أسيل! إلى أين؟"
لكن أسيل لم تسمع شيئًا…
كانت تركض في الممر كأن شيئًا يطاردها.
حاتم وقف من مكانه بخوف، ثم قال للأستاذة:
"أستاذة… سأذهب لأطمئن عليها، إنها مريضة جدًا.
هزّت الأستاذة رأسها بالسماح.
ولكن سأقوم بتسجيلك غائب انت وهي
حاتم : حسنا شكرا لك
وخرج هو خلفها.
---
أمّا أسيل…
فكانت تركض في الشارع
والدموع تنهمر بلا وعي.
كل خطوة كانت تزيد ألم يدها…
كل نبضة في داخلها تشعر بها تهدد بأن تتحول إلى شيء آخر…
وصلت إلى المنزل، فتحت الباب بعنف،
صعدت السلالم بسرعة،
وما إن دخلت غرفتها حتى أغلقت الباب بالمفتاح، وانهارت على الأرض.
ارتعشت وهي ترفع كمّ معطفها ببطء…
البطء الذي يشبه رفع ستار عن شيء مرعب.
وهناك…
تحت الكمّ…
كان السواد قد زحف حتى منتصف يدها وكأنه ازداد قليلا بعض الشيء
العروق صارت داكنة، ملتوية، ممتلئة بشيء ليس بشريًّا.
وفي وسط كل ذلك…
كانت هناك نقطة صغيرة زرقاء،
تبرق ولكن كان شيء جميلا رغم ذالك
غطّت أسيل فمها من كثرة الصدمة كي لا تصرخ.
وقالت بصوت ينهار:
"أرجوك… توقّف… أرجوك…
لا أريد أن يتحوّل جسدي…"
ثم…
جاء ذلك الصوت من أعماقها،
هادئًا… ولكن مرعبًا:
"أسيل…
لم يعد لديكِ وقت كثير."