الموت على بابك شيطاني - الوجه الغامض.... - بقلم nada mustafa | روايتك

اسم الرواية: الموت على بابك شيطاني
المؤلف / الكاتب: nada mustafa
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الوجه الغامض....

الوجه الغامض....

إنَّ النصرَ مع الصبر، والفَرَجَ مع الكرب، وإنَّ مع العُسرِ يُسراً" — رواه أحمد 🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂 بخطوات محسوبة، انسل إلى قسم الطوارئ. ظل مفترس، عيناه تقدحان بريقًا مظلمًا. في ذهنه، سيناريوهات لا تُحصى. طرق... كثيرة. كلها تنتهي بنفس النتيجة. الموت. أو ما هو أسوأ منه. فتح بـاب الغـرفة بهـدوء جليـدي.عيناه مسحتا المكان بدقة قاتلة، تلتهمان كل تفصيلة.الفوضى تملأ القسم.أطباء وممرضون يهرعون بعجالة  أسرّة مليئة بالمصابين تُنقل من كل جانب.صراخ مكتوم، أنين، رائحة دمـاء ومعقـمات. ابتسم ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه. "عدد كبير." توقف للحظة، وعيناه تلمعان بشيء... شيطاني. "مثالي." اقترب من سرير فارغ، ووقف بجواره.رمقه بنظرة خالية من أي رحمة—نظرة من يرى أداة، لا مكانًا.عيناه الرماديتان انتقلتا على الممرض الذي أُغلق للتو.الباب الذي يفصله عن هدفه. بدأ العد التنازلي في رأسه. صامت. بارد. مميت. ـــ 5 ـــ 4 ـــ 3 ـــ 2 توقف. تركَ الرقم الأخير معلقًا، كوعد لم يُنطق بعد. عيناه ثابتتان على الباب.باردتان كالجليد. قاتمتان كالليل.مرعبتان... كالموت نفسه. ينتظر. ✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧ في نفس الوقت... توقفت سيارات الإسعـاف أمام بوابة المشفى بحركة مفاجئة.صرير الإطارات عـلى الأسـفلت أصم الآذان. انفتحت الأبواب بعنف، واندفع الممرضون يسحبون النقالات بسرعة، يصيحون: ـــ تنحوا! ـــ ابتعدوا من الطريق! عجلات النقالات تصرخ على الأرض، تسابق الزمن لإنقاذ أرواح معلقة بين الحياة والموت. ضحايا مجهولون، قصصهم محفورة على وجوههم الشاحبة. في زاوية الاستقبال، وقفت إيفلين.عيناها الفيروزيتان اتسعتا بذهـول مما يحدث أمامها. لفت انتباهها رجل ضخـم على إحدى النقالات. عريض المنكـبين، رأسـه الأصلـع يلمع تحت الأضواء، ولحية كثيفة تغطي وجـهه. لكن ما صدمها حقًا... كان ذلك الجرح الغائر في عنقه. فتحة حمراء قبيحة تنزف ببطء أغمضت عينيها بقوة للحظة. ــــ يا إلهي، ما الذي يحدث هنا؟ بدأت الهمسات تتناقل بين الحاضرين: ــــ انفجار في البنك. ــــ يا إلهي! ــــ تأذى الكثيرون. فجأة، قطعت أصوات التلفزيونات المثبتة على الجدران تلك الهمسات. شاشة عرض كبيرة تومض بصورة مروعة: واجهة بنك محطمة، ألسنة اللهب ترتفع في السماء، رجال الإنقاذ يهرعـون وسط الدخـان، والشرطة تطوق المكان. صوت المذيع يعلن بنبرة جادة: ــــ نعلن الآن عن وقوع انفجار ضخم في البنك الوطني. الأسئلة تتصاعد: هل هو عمل إرهابي أم حادث؟ ابقوا معنا لمتابعة التطورات. وسط هذه الفوضى، اخترق صوت حاد أذني إيفلين: ــــ آنسة، هل ستدفعين؟ التفتت نحو موظفة الاستقبال ببطء. عيناها خاليتان من أي تعبير. ــــ أجل. صوتها كان خافتًا، مكسورًا.دمعة خلف جفنيها ترفض السقوط. انزلقت الفاتورة من يد الموظفة. التقطتها إيفلين بأنامل مرتجفة، وعيناها مسحتا الأرقام المطبـ وعة. "جراحة المخ والأعصاب." ثم وقع بصرها على قيمة المبلغ المطلوب. اتسعت عيناها. همست بصوت مخنوق: ــــ هذا... جنون. قالت الموظفة. ــــ عفوًا؟ رفعت إيفلين رأسها بحرج، وعيناها تلمعان بدموع مكبوتة: ـــ لا شيء. الفاتورة كانت مثقلة بأصفار. رقم يفوق كل ما تملك. بصوت مرتجف، سألت: ــــ هل يمكنني الدفع بالتقسيط؟ أجابتها الموظفة بنبرة عملية: ــــ على كم شهر؟ ابتسمت إيفلين ابتسامة باهتة. لكن سرعان ما خبـت حين تذكرت كلمات الطبيب: "إن خضعتِ للجراحة، ستعيـشين سنة أو أكثر. بدونها، لن يتبقى لكِ إلا ثلاثة أو أربعة أشهر." كل كلمة كانت سكينًا في قلبها. قالت بصوت مليء بالألم: ــــ على شهرين، لو سمحتِ. أجابتها الموظفة بهدوء: ــــ حسنًا. امضي هنا. وقّعت إيفلين بيد مرتجفة. ثم خرجت من المشفى، وقلبها مثقل بالحزن. عزمت على إبقاء ما حدث اليوم سرًا. سرًا لا يعلمه أحد سواها. ✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧ في تلك اللحظة... ــــ 1 انفتح الباب بعنف.اندفع ممرض يجر نقالة معدنية بسرعة محمومة، عليها جسد منهك ملطخ بالدماء. بحركة سـريعة لكـن، متقنة حمل الممرض الجسد ووضعه عـلى السرير الأبيض. استقر الجسـد بهدوء غريب، كأنه جثة طافية على سطح ماء ساكن. هو خطا نحو السرير بخطوات محسوبة. عيناه الرماديتان تفحصان الفريسة الراقدة أمامه. أشار للممرض بالانصراف.إيماءة واحدة، حاسمة لا تقبل الجدال.هز الممرض رأسه بخضوع تام وانسحب إلى الوراء.أغلق الباب خلفه بهدوء. بقي وحيدًا مع ضحيته. وقف أمام السرير، عيناه مثبتتان على الجسد الممدد. ابتسامة باردة ارتسمت على شفتيه. ثم انطلق صوته الأجش، البارد: ــــ حان وقت الاستيقاظ. توقف للحظة، ثم أضاف بسخرية: ــــ فهناك أمور... علينا مناقشتها. دنا منه بخطوة، ورفع رأس الضحية بقسوة. همس في أذنه بنبرة جليدية: ــــ إلى أين كنت تظن نفسك هاربًا؟ أدار رأس الضحية بعنف، ناظرًا إلى الجرح الذي يزين عنقه. ثم همس بنفس النبرة: ــــ افتح عينيك. لم تمضِ ثوانٍ حتى انفتحت عينا الرجل المستلقي. عادت الروح إلى جسده بشهقات حادة، كغريق يُقذف به إلى السطح. لم يرَ شيئًا بوضوح سوى تلك العينين الرماديتين. عينان تحدقان بقتامة، تخترقان روحه.ارتجف جسده رعبًا.حاول أن يحرك ذراعيه،ساقيه لكن جسده خانه.ظل أسيرًا في قفص لحمه وعظامه. ابتسم بازدراء، وارتفعت زوايا فمه ببطء، قائلاً بانزعاج مزيف: ــــ لقد أزعجتني كثيرًا... ما الذي جعلك تستغرق كل هذا الوقت؟ هل تظن نفسك مهمًا؟ ثم تحولت نبرته فجأة. أصبح صوته أخشن، أكثر قتامة: ــــ أنت لا شيء... أنا المسيطر هنا. أنت مجرد أداة قذرة. اقترب أكثر، وهمس: ــــ تظن أن ما فعلته سيُطوى كأن لم يكن؟ صمت قصير. ثقيل. ثم انفجر صوته فجأة: ــــ دماء الأبرياء! انحنى حتى أصبح وجهه قريبًا من وجه الضحية: ــــ كل صرخة استغاثة منهم ما زالت ترن في أذني. أمسك بكتفي الرجل بقوة: ــــ صوت الطفل الذي تمزق بين الأنقاض. ــــ أنين الأم التي فقدت أولادها. ــــ صرخات من احترقوا أحياء. عيناه اشتعلتا: ــــ كل هذا... بسببك. توقف، وتنفس بعمق، كأنه يكبح غضبًا هائلًا. ثم تابع بنبرة أكثر هدوءًا، لكنها أكثر رعبًا: ــــ لم آتِ اليوم لتحقيق العدالة. ابتسم ابتسامة مرعبة: ــــ بل لأجسد كوابيسهم فيك. اقترب أكثر، وهمس في أذنه: ــــ سأجعلك تسمع صراخهم... كل ليلة. توقف، ثم أضاف بنبرة نهائية: ــــ لأني سأكون قاضيك... وجلادك. اخترقت الكلمات مسامع الضحية كصواعق. فجأة، انطلقت يديه كأفعى.التفت حول عنق الضحية النازف.أصابعه ضغطت على الجرح بقسوة ــــ استغلال ضعف البشر... هو ما يفعله الشيطان. صمت للحظة، ثم تابع: ــــ وأنت فعلته.وهذا أزعجني كثيرًا. أحكم قبضته أكثر: ــــ لذا... لن تواجه الموت الذي تستحقه. انعصر الحلق تحت الضغط.توسعت عينا الرجل ذعرًا.حاول الصراخ، لكن صوته احتُبس. ثم حدث ما لم يتوقعه. بدأ الجرح العميق... يلتئم.أمام عينيه المرعوبتين.لم يكن شفاءً طبيعيًا. كان خياليًا. كأن جلدًا جديدًا يتشكل من العدم، ينسج نفسه، ليملأ الفراغ.عاد العنق إلى ما كان عليه.كأن الجرح... لم يكن.أبعد هو يده، بكل بساطة.لم يعد هناك أثر للجرح لا دم. لا ألم. انحنى، وهمس في أذن الرجل: ـــ لا تقلق. ابتسم ابتسامة ملتوية: ـــ عندما يحين الوقت المناسب... ستموت. توقف، ثم أضاف بنبرة شيطانية: ـــ لكن قبل ذلك... ستكتشف أن هناك أمورًا أسوأ من الموت. صمت قصير. ــــ تُسمى... الحياة. شعر الرجل المستلقي بلحظة فرح مجنون. لقد عاد من الموت!لكن ذلك الشعور لم يدم.الكلمات التي سمعها، واللمعة في عيني ذلك الكائن، بدلت الفرح برعدة. أدرك أن هذا ليس رجلاً عاديًا. إنه يمتلك سيطرة كاملة... على حياته وموته. هذا الإدراك جعله يرتجف خوفًا.كأن يدًا قد انتشلته من أحضان الموت... لا لتنقذه. بل لترميه إلى جحيم آخر. جحيم حيث الحياة نفسها... عقاب أبدي. أخيرًا، انسلت من بين شفتيه همسة ميتة: ــــ مَن... أنت؟ انفجرت ضحكة جوفاء من أعماق هو. ضحكة خالية من أي فرح.ثم تجمدت الضحكة. أطلق كلماته الباردة: ــــ حقًا؟ بعد كل هذا... ما زلت تجهل من أكون؟ اقترب منه ببطء، حتى اختلست أنفاسه الباردة دفء عنق الرجل. همس في أذنه: ــــ من الآن فصاعدًا... أنا ملاك موتك الشخصي. ارتسمت على شفتيه ابتسامة متعالية: ــــ وحارس لحظاتك الأخيرة. دماء الضحية تجمدت في عروقه. وفجأة...انفتح الباب بعنف. دخلت مجموعة من رجال الشرطة، أسلحتهم جاهزة. على رأسهم، النقيب.خطواته ثقيلة، واثقة توقف أمام الرجل الممدد.ثم أطلق حكمه بصوت جاف: ــــ أنت رهن الاعتقال. توقف للحظة، ثم أكمل: ــــ بتهمة السرقة، والتسبب في الانفجار الذي أزهق أرواح أبرياء. انهار السقف فوق رأس الضحية.أدرك المغزى الحقيقي لكل كلمة.انحدرت عيناه، المليئتان بالحقد، نحو هو.ورأى.  ما كان يخشاه ابتسامة ساخرة. ابتسامة تقول دون أن تنطق: ــــ أرأيت؟ هذا هو الأسوأ من الموت. بينما هو، تألقت عيناه بوميـض شريـر. نظرة شامتة اخترقت الهواء.استـدار بحركة متقنة.دس يديه في جيـوب معطفه الأبيض.أغلق الباب خلفه بنـعومة. على شفتيه ارتسمت ابتسامة ماكرة. ابتسامة تنبئ بفصول قادمة... لم تُكتب بـعد. ✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧ في بقعة أخرى... مكان لم يُذكر من قبل. توقفت السيارة السوداء الفارهة أمام الفندق، ذلك الصرح الذي يقف شامخًا في قلب لندن. واجهته الزجاجية تعكس ضوء الصباح الخافت، بينما تصطف أعمدته الرخامية كحراس صامتين على جانبي المدخل. انسل السائق من مقعده بخفة، وسار بخطوات سريعة نحو الباب الخلفي ففتحه على مصراعيه. ثم... أطل منه بهيبته الطاغية. أغلق زر سترته السوداء بحركة آلية وهو يستقيم واقفًا، ثم دخل إلى بهو الفندق بخطوات ثابتة تُحدث صدى خافتًا على الرخام المصقول.قامته منتصبة ورأسه مرفوع بثقة من يعرف قيمة نفسه جيدًا. من خلف نظارته الداكنة، راحت عيناه تجولان في المكان بنظرة سريعة فاحصة، تلتقط التفاصيل دون أن تستقر على شيء. الموظفون منهمكون في عملهم، كل في موقعه، والحركة تسير بانسياب منظم.ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، بالكاد ملحوظة، ابتسامة رضا صامت. ملامحه حادة ومنحوتة بدقة، فك بارز وحاجبان كثيفان يؤطران وجهًا توحي كل زاوية فيه بالصرامة والوسامة معًا. شعره الأسود مصفف بعناية، تتمايل خصلات منه بخفة مع كل خطوة. جسده الرياضي يبدو واضحًا تحت قماش البذلة الفاخرة، كتفان عريضان وقوام متناسق. كان من ذلك النوع من الرجال الذي يملأ المكان بحضوره قبل أن ينطق بكلمة. استقبلته سكرتيرته الخاصة عند مدخل الجناح الإداري، ابتسامتها المهنية الهادئة مرسومة على وجهها كعادتها كل صباح: ــــ صباح الخير، سيد جيكوب. نزع نظارته في حركة بطيئة، فانكشفت عيناه الزرقاوان، صافيتان وحادتان. نظر إليها بهدوء: ــــ صباح النور، كاميليا. ثم سألها وهو يستأنف سيره نحو مكتبه: ــــ ماذا لديّ اليوم؟ سارت بجانبه، تفتح دفتر جدوله وتقرأ منه بصوت واضح: ـــ لديك اجتماع مع المستثمرين الساعة الثانية عشرة... ثم مكالمة مع الفرع الآسيوي الساعة الثالثة... ومراجعة تقارير الربع الأخير قبل المساء... ظل يسير بجانبها، يهز رأسه بين الحين والآخر بإيماءات قصيرة. حين وصلا إلى باب مكتبه، أنهت كلامها: ـــ وآخر شيء... عشاء عمل مع السيد ريان بلال في مطعم ذا ليدبري الساعة السابعة مساءً. أومأ لها بإعجاب صامت على دقتها المعهودة، ثم لاحظ شيئًا في تعبير وجهها، ترددًا خفيفًا. توقف قبل أن يدفع الباب، والتفت إليها: ــــ هل هناك شيء آخر؟ تنهدت بهدوء: ــــ أجل... وأظنك نسيت أيضًا. عقد حاجبيه: ــــ ماذا؟ ــــ المقابلات... لاختيار سكرتيرة تحل مكاني. صمتت لحظة، ثم أكملت: ــــ زفافي في نهاية هذا الشهر، سيد جيكوب. وكما تعلم، لن أستطيع الاستمرار في العمل بعده. خلال هذا الأسبوع يجب أن تختار أحدًا، حتى يتسنى لي الوقت لتدريبها. نقر بإبهامه على جبهته، وأغمض عينيه لثانية: ــــ آه، صحيح... كيف غاب عني أمر بهذه الأهمية؟ رفع رأسه ونظر إليها بجدية: ــــ حسنًا، كاميليا. راجعي جدولي وحددي الوقت المناسب للمقابلات. هل من شيء آخر؟ ابتسمت ابتسامة خفيفة: ــــ فقط... أردت أن أشكرك. رفع حاجبًا منتظرًا. ــــ أشكرك لأنك وافقت على تركي العمل في هذا التوقيت، رغم انشغالك الكبير. وأيضًا... لأنك أصررت على منحي راتبي كاملًا حتى آخر يوم. هذا كرم لم أكن أتوقعه. شكرًا جزيلًا. هز رأسه بهدوء، ولمحت في عينيه نظرة دافئة نادرًا ما تظهر: ــــ لا شكر على واجب، كاميليا. أنتِ تستحقين هذا وأكثر. طوال هذه السنوات، كنتِ مثالًا للإخلاص والتنظيم. صدقًا... أتمنى أن أجد سكرتيرة بنصف كفاءتك. ضحكت ضحكة رقيقة: ــــ إن شاء الله ستجد من هي أفضل مني بكثير. لم يعلق، لكن نظرته قالت إنه يشك في ذلك. ثم استدار نحو باب مكتبه: ــــ الآن... أحضري لي قهوتي. دفع الباب ودخل، وسمع صوتها من خلفه بنبرتها العملية المعتادة: ــــ حاضر، سيدي. دقائق وستجدها على مكتبك. ✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧ كانت إيفلين جالسة على أحد مقاعد انتظار الحافلات، تحدق بعينيها الفيروزيتين في الفراغ. لا شيء سوى الفراغ. كأن العالم من حولها قد تلاشى، وغدت هي مجرد جسد ملقى على هامش الوقت. صوت الطبيب وحده كان يتردد في رأسها، يرتطم بجدران عقلها مرة تلو الأخرى، بلا رحمة: "آنسة إيفلين... يؤسفني حقًا أن أخبرك. أنتِ مصابة بورم أرومي دبقي. قد لا يتبقى لكِ... أكثر من بضعة أشهر." أغمضت عينيها بقوة، علها تسكت ذلك الصدى اللعيـن ولو لثـوان معـدودة.لكنه أبى إلا أن يتشبث بها.فقدت الرغبة في كل شيء. لن تذهب إلى العمل اليوم.ليغضب مديرها إن شاء، فهو متقلب المزاج على أي حال يوبخها حتى حين لا ترتكب خطأ. ماذا يهم الآن؟ ماذا يهم أي شيء بعد اليوم؟ كل ما تريده هو العودة إلى المنزل... إلى غرفتها الصغيرة. تلك الغرفة التي  تعرف كل دمعة. ذرفتها بصمت، وكل صرخة كتمتها في وسادتها.تريد أن تحتمي من هذا العالم القاسي الذي لا يكف عن صفعها كلما ظنت أنها استعادت توازنها. "اللعنة... أي حياة هذه؟" "ومن يرغب في أن يعيشها؟" خرجت من بين شفتيها الشاحبتين تنهيدة عميقة. مسحت وجهها بكفيها المرتجفتين قليلاً، ثم مررتهما على خصلات شعرها العسلي المنسابة على كتفيها. ابتلعت غصة شائكة استقرت في حلقها. "الحافلة تأخرت كثيرًا. لماذا علي أن أنتظر كل هذا الوقت؟" همست بتلك الكلمات في داخلها بنفاد صبر، وكأن الكون كله قد تآمر ليطيل عذابها. فجأة، صدح رنين هاتفها مفزعًا إياها من شرودها. تململت بانزعاج في مقعدها. ليست راغبة في الرد. لا تريد أن تحادث أحدًا، لا الآن، لا في هذه اللحظة التي تتشظى فيها من الداخل. لكن رنينه المتكرر أجبرها على الاستسلام.تناولت حقيبتها بتثاقل، والتقطت الهاتف بأصابع مرهقة. نظرت إلى الشاشة. ديفيد. خطيبها الذي يتذكر وجودها كلما فرغ من أشغاله الأهم — كالتنفس مثلاً، أو تصفح الإنترنت. ابتسمت ابتسامة باهتة ساخرة. الآن تذكرها إذن. ردت، مجاهدة أن يخرج صوتها طبيعيًا: ــــ ألو... مرحبًا عزيزي، كيف حالك؟ انتظرت. ثانية. اثنتان. ثم جاءها صوته متلعثمًا بشكل غريب: ــــ أنا بخير... بخير يا... أقصد، كيف حالكِ أنتِ؟ استغربت.ليس فقط من تلعثمه، بل من غياب تلك الكلمة: "يا قلبي".تلك الكلمة الصغيرة التي كانت تدفئها دائمًا.تجاهلت الأمر مقنعة نفسها بأنه ربما في العمل أو محاط بأشخاص. ـــ أنا... أنا بخير. ـــ هل أنتِ في العمل؟ أطبقت على شفتيها. كذبت: ـــ لا... أنا بالخارج. كنت ألتقي بكاتب... لماذا؟ جاءها رده بلهفة غريبة: ـــ حقًا؟ إذن هل يمكننا أن نلتقي الآن؟ زمت شفتيها بعبوس. ليست راغبة في رؤية أحد. ليس الآن. ـــ الآن؟ ـــ إيفلين... أنا بحاجة لرؤيتك. الآن. فورًا. شيء ما في نبرته جعل قلبها يتوقف للحظة. سألته بتوجس: ــــ ديفيد... ما الخطب؟ هل كل شيء على ما يرام؟ صمت قصير. ثم جاءها صوته بنبرة لم تُرحها أبدًا: ــــ من الأفضل أن نتحدث وجهًا لوجه. ثم أضاف بسرعة، قاطعًا عليها أي فرصة للرفض: ــــ تعالي إلى المقهى الذي نلتقي فيه دائمًا. حسنًا؟ ــــ مهلاً… لكن صوت قطع الاتصال قطع جملتها.تنهدت بمقت. حتى لحظات الوحدة التي كانت تتوق إليها حُرمت منها الآن.وضعت الهاتف في جيب معطفها الوردي ونهضت من مقعدها بثقل، تاركة المكان بخطوات بطيئة يشوبها القلق. شعور سيئ بدأ يتسلل إلى صدرها.شعور تعرفه جيدًا وتمقته حقًا. ذلك الإحساس الغامض الذي يسبق الصدمات، كإنذار صامت لا يخطئ أبدًا. "أرجوك يا الله... ليكن كل شيء على ما يرام." همست بذلك في سرها وهي تمشي. لكنها كانت تعلم، في أعماقها، أنها لا تملك القوة لتحمل صدمة أخرى. نبرته وحدها... كانت كافية لتجعل القلق يتسرب إلى قلبها. رويدًا... رويدًا. *********** يتبع.......