الفصل 2
كانت الرياض في هذا المساء أبرد من العادة… هواء خفيف يضرب الشبابيك، وصوت السيارات في الخارج ينساب مثل خلفية ثابتة للمدينة التي لا تنام.
شعاع كانت واقفة في المطبخ… يدينها تتحرك، لكنها ذهنيًا في مكان آخر.
كانت تعيد صوت البلاغ في راسها… لما قالت "اسمي… شعاع".
كانت لحظة ضعف، لكنها كانت أيضًا… أول مرة تنطق خوفها بصوت مسموع.
عمّها كان جالس قدام التلفزيون، وصوته يرتفع كل شوي، كأنه ينتظر سبب يزعل.
أخته — زوجته المتوفاة — كانت آخر من يعرف تهدّيه. وبعد موتها، صار البيت مثل غرفة ضيقة الهواء فيها خانق.
ناداها بصوت جاف:
"شعاع!"
ركضت له:
"نعم عمّي؟"
رفع حاجبه:
"هذا الضوء ليه شاب؟ مو قلنا نوفر كهرب؟"
ردّت برقة تحاول تخفي التوتر:
"كنت أجهز العشاء… و…"
قاطعها:
"ما أبي أعذار. طفّيه."
هزّت رأسها.
ودخلت غرفتها بعد ما خلصت شغلها…
جلست على طرف السرير، عيونها تهتزّ بخوف قديم، لكنها قالت لنفسها:
"أنا قوية… ما راح أنهار. بس وين الطريق؟ وين الباب اللي أطلع منه؟"
---
في المقابل، كان سعود في مكتبه بالمركز، يراجع ملفات اليوم.
لكن كل مرة يوصل عند ملف البلاغ… يتوقف.
فتح الملف، وقرأ:
"المبلّغة: شعاع ناصر."
"البلاغ: عنف أسري من العم."
"الحالة: الرغبة في التراجع."
سعود تمتم بصوت منخفض وهو يسند ظهره على الكرسي:
"ما تراجعت… خافت."
مرت لحظة طويلة قبل ما يقول لزميله:
"أبي عنوان البلاغ. بمرّ عليهم بكرة زيارة تفقدية… بدون ما أحسّسهم على شيء."
الضابط قال:
"أنت تدري إن الموضوع حساس…"
سعود ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها واضحة:
"وأنا حسّاسيتي للعنف ضد البنات أكثر. عطِني العنوان."
---
كانت شعاع تكنّس فناء البيت لما سمعت طرق الباب.
ركضت عمّة أولاد عمها الصغار — زوجة أخوه الأكبر — وفتحت.
ظهر في الباب رجل طويل، وقفته قوية، لبسه رسمي…
سعود.
رفعت المرأة حاجبها:
"نعم؟"
سعود ردّ بهدوء:
"صباح الخير. أنا من المركز… زيارة تفقدية للحي. نراجع بعض الملفات والإجراءات الروتينية."
ما قال "بلاغ"، ولا قال "عنف".
كان دقيقًا جدًا.
لكن لحظة ظهرت فيها شعاع من طرف الباب… نزلت يدها اللي ماسكة المكنسة، وعيونها اتسعت بخوف.
تعرفه؟ لا.
لكن في عين سعود… كان فيه شيء خلاها تنتبه.
عمّها فهد ظهر فجأة.
نظرة سعود انتقلت له مباشرة… نظرة ضابط عارف التفاصيل.
سعود ابتسم ابتسامة رسمية:
"تفضلوا معنا نراجع بيانات الساكنين."
فهد ضمّ حواجبه:
"وش قصدك؟"
سعود:
"الروتين المعتاد يا طويل العمر."
لكن تحت هذا الحوار الهادئ…
كان فيه اشتعال ما بين الرجلين.
شعاع كانت واقفة خلف الباب، تحاول تكون غير مرئية…
لكن سعود لمح أثر خوف واضح على وجهها.
--
بعد ما خلص سعود، وسجّل المعلومات، مدّ نظره للمكان، كأنه يقرأ تفاصيل البيت والحياة والمعاناة.
قبل يطلع، سأل بلطف موجه للجميع:
"لو احتجتوا شيء أو عندكم أي ملاحظة… الأبواب مفتوحة في المركز. لا تترددون."
الجملة كانت عامة…
لكن عين سعود كانت ثابتة على شعاع.
وشعاع حسّت قلبها يطيح…
كأن الجملة موجهة لها.
---
بمجرد ما أغلق الباب…
التفت فهد على شعاع.
"تعالي هنا!"
قربت بخوف:
"نعم عمّي…؟"
صوته ارتفع:
"ليش كنتِ ترجفين يوم شفتِه؟ صدقيني ما راح أعدّيها كذا!"
هزّت رأسها بقوة:
"ما… ما كنت أرجف. بس… تفاجأت."
رفع يده، لكنها تراجعت خطوة.
نظر لها بنظرة غضب… لكنه نزل يده وقال:
"من اليوم ورايح… ما تطلعين من البيت إلا بإذني. فهمتي؟"
هزّت رأسها وهي على وشك البكاء…
لكن دمعتها ما نزلت.
كانت مصرة إنها ما توري ضعفها.
---
ركب سعود سيارته… لكن ما مشى فورًا.
كان يفكر:
"نظرتها… وصوتها… واضح إنها مو بخير."
وبينما كان يراجع الأوراق في يده… لاحظ شيء:
رسمة صغيرة على هامش الورقة اللي أعطاهم يوقعون عليها…
خط خفيف جدًا.
كأن شعاع كانت تكتب بيدها بدون ما تنتبه:
"ساعدوني."
سعود رفع الورقة… ونبرة صوته تغيّرت.
"ما راح أتركها."
---
---