يا شعاع بعد العتمة - الفصل 1 - بقلم عابرة القارات | روايتك

اسم الرواية: يا شعاع بعد العتمة
المؤلف / الكاتب: عابرة القارات
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 1

الفصل 1

كانت الرياض في تلك الليلة مزدحمة كعادتها… شوارع طويلة تمتد تحت أضواء صفراء، وسيارات تتزاحم وكأنها تعكس صخب المدينة وهدوء الناس اللي بداخلها. في أحد أركان المدينة، تحديدًا في الملز، وقف سعود بن إبراهيم أمام سيارته الرسمية، يسحب نفسًا عميقًا من الهواء، وكأن اليوم كان أطول مما يحتمل كان عمره ثلاثين سنة، ضابط حازم، معروف في قسمه بأنه "الماسك كل شيء"، لا يتردد، لا يتراجع. لكن خلف القسوة اللي في وجهه… كان فيه رجل يخاف على أهله، يحبهم بصدق، ويقدّر كل أحد يدخل حياته بوفاء. سعود ما كان يضحك كثير… لكن لو أحب، يحب بقلب كامل. دخل سيارته، فتح درج صغير وسحب صورة قديمة… صورة تجمعه مع أبوه وأخوه الأكبر في مزرعتهم قبل الوفاة. تمتم بصوت منخفض: "الله يرحمك يا يبه… الدنيا من بعدك ما تغيّرت، بس أنا تغيّرت." رجّع الصورة، وساق ببطء باتجاه منزله. كان يحس بهدوء غريب داخله… كأنه مقدمة لشيء أكبر ينتظره. --- على الطرف الثاني من المدينة، في بيت قديم نوعًا ما في حي شعبي… جلست شعاع بنت ناصر في غرفتها الصغيرة. عمرها 22 سنة، ملامحها هادئة، جميلة بعفوية، شعرها الأسود الطويل مربوط خلف رأسها بعشوائية، وعينين تثبت فيهم قوة الشخصية رغم الخوف اللي تخبيه. كانت يتيمة من عمر 12… وأقرب الناس لها هو عمها فهد… أقسى رجل عرفته. يرفع صوته بدون سبب، يحمّلها شغل البيت كله، ويعاملها وكأنها "ضيفة ثقيلة"، وليس بنت أخوه. لكن شعاع ما كانت ضعيفة… بالعكس، كانت قوية، صبورة، تعرف توقف نفسها بنفسها. بس… قدّام عمها؟ الخوف يغلب كل قوتها. كانت تنظف المطبخ لما سمعته ينادي بصوت عالي: "شعاع! تعالي هنا!" جفلت، وطلعت بسرعة: "نعم عمّي؟" نظر لها بنظرة قاسية: "ليش الغداء تأخّر؟ أخوانك جايين وتوّك تسوين شي!" خفضت عيونها لكنها ردت بهدوء: "كنت مخلّصة، بس سخّنت قبل شوي." رفع صوته أكثر: "ما أبي أعذار! بكرة بشوف شغلك من بدري، فهمتي؟" هزّت رأسها: "تم…" في داخلها: "لو أقدر أطلع من هذا البيت… لو يكون لي مكان آمن… بس وين؟" --- في اليوم التالي، تلقّى سعود اتصالًا مهمًا أثناء دوامه. ضابط في القسم قال: "سعود… عندنا بلاغ من بنت اسمها شعاع… بلاغ عن تعنيف من قريب لها." سعود رفع حاجبه: "يعني قضية عنف أسري؟" "إيه… بس هي ترددت، وسكرت الخط. واضح إنها خايفة." سعود جلس على كرسيه، بصوت جاد: "جيب لي رقمها… وبسجّل البلاغ، وحتى لو ما اشتكت رسمي، بنرسل أحد للمكان." لكن قبل يكمل إجراءات البلاغ… دخل ضابط ثاني وقال: "البلاغ انسحب. البنت قالت كان بالغلط." سعود سكت لحظات طويلة… كان عنده إحساس غريب… "الغلط؟ ولا خايفة؟" --- كانت شعاع طالعة السوق القريب تمشي بسرعة، ناوية تشتري بعض الأغراض. عمّها كان في البيت، وطلب منها تروح وتجي بسرعة، وإلا… كانت تمشي وهي شايلة همّ: "بس لو ما قلت اسمي بالبلاغ… ليه قلت اسمي لهم؟ ليه خفت؟" وعند أحد ممرات السوق… كان سعود خارج من محل رجالي بعد ما استلم طلب بسيط. كان لابس ثوبه الرسمي… واقف يعدّل ساعته. وباللحظة اللي التفت فيها… مرت شعاع قدامه… وجهها كان فيه أثر خوف، وعيونها تهرب من نظرات الناس. سعود ما يعرفها… لكن إحساسه قال: "هذي البنت… شفتها وين؟" وبعد لحظات… عرف. "اسمها… شعاع." --- ما كل القصص تبدأ بابتسامة… في قصص تبدأ بوجع واحد… يحسّ فيه الثاني بدون ما يتكلم. سعود توقف لحظات يراقبها وهي تمشي. خالها: "البنت هذي… خايفة. نفس الصوت اللي تكلم بالبلاغ." أما شعاع… فكانت تمشي بسرعة، قلبها يدق لأنها تحس أنّ عمها لو تأخرّت بيثور عليها. ومع أنها ما شافت سعود… لكن كان فيه شيء غريب بين الاثنين: خيط هادئ… خفيف… يبدأ الآن. --- عاد سعود لسيارته، جلس يفكّر: "لو كانت هي اللي بلّغت… معناته الوضع خطير. ما راح أتجاهل الشي هذا." أما شعاع… دخلت بيت عمها، وخافت من صوته اللي جاء من المجلس: "تأخرتي! وين كنتِ؟" لكن لأول مرة… حسّت شعاع بشيء صغير يشبه الأمل… بدون ما تعرف ليه. وكأن عيون شخص ما… لحقت معها للحظة… وقرأت خوفها. -