غرفة النهايه
في غرفةٍ مظلمةٍ داخل القصر البائس، جلست فاتنة في زاوية الغرفة وهي تُربّع قدميها بقوة وغضب، ممسكةً هاتفها تحاول نسيان ضيقها ولو لدقيقة من هذا المكان الخانق، تتمنى من أعماق قلبها لو تختفي عن كل هذا الثقل.
لكن الاختفاء كان حلماً بعيداً عنها.
وفي زاوية أخرى، كان أزار واقفاً ببذلته السوداء كسواد الليلة التي وُلد فيها.
كانت ملامحه باردة كبرود الرياح التي تتراقص مع خصلات شعره بنغمة هادئة. همس بصوته الرجولي لخادمه الواقف قرب الدرج، المرتعد خوفاً، قائلاً:
"خذ لها حقائبها حالاً… وقل لها أن تتوقف عن هذه التصرفات الطفولية."
حمل الخادم الأمتعة وهو يتنهّد بتعب، متجها نحو الدرج المؤدي للطابق الثالث. كان الإرهاق واضحًا على ملامحه، وشيء من الخوف يثقل خطواته.
التف عبر الممرات بترقّب، متوجها إلى غرفة في آخر الرواق. خطا خطواته الأخيرة ببطء، ثم طرق الباب باحترام، وكأنه ينتظر أسوأ ما يمكن أن يحدث.
قال بنبرة رزينة تحاول إخفاء خوفه، بعد أن ابتلع ريقه بصعوبة:
"سيدتي الشابة… السيد آزار طلب مني إيصال الأمتعة التي اشتريتها. هل يمكنك رجاءً فتح الباب… من فضلك؟"
أنهى كلماته الأخيرة بصوت مرتجف.
.
أجابت بنبرة باردة وهي غير مهتمة:
"ضعها عند الباب واذهب حالًا."
سمعها الخادم بهدوء وهو يحاول إخفاء خوفه. حدّق في الباب بتمعّن وكأنه يتخيّل مصيره المحتوم بعد هذه الجملة. ثم قال بصوت متردد:
"سيدتي الشابة… السيد آزار طلب مني أن أقول لك إن…"
بدأ يتلعثم بإحراج، ثم نطق الجملة بسرعة قبل أن يغيّر رأيه:
"السيد آزار قال لك أن تتوقفي عن هذه التصرفات الطفولية."
قالها بسرعة، لكن لم يُكمل، لأنها فتحت الباب بقوة، فتصادم صوت الباب مع جدران القلعة . صرخت في وجهه بغضب:
"اذهب وقل لسيّدك اللعين إنه مجرد حشرة تافهة، وليس له أي دخل في تصرفاتي!"
أخذت الأمتعة من يده وأغلقت الباب بعصبية، ثم مشت بخطوات ثقيلة نحو سريرها، وصوت كعبها العالي يتردد في المكان.
رمت الأمتعة على السرير، ثم ألقت نفسها فوقها، مغلقة عينيها بتعب شديد.
في أحد الممرات، وتحديدًا في المطبخ، كان الخدم المكلّفون بالطبخ مجتمعين وهم يهيّئون العشاء.
قالت إحداهن بسخرية:
"ألم تروا السيد اليوم؟ كان مشتعل غضبًا لاختفائها! يا لهول ما ينتظرنا."
ردّت أخرى بغيرة مكشوفة:
"وما السبب أصلًا؟ إنها مجرد فتاة جميلة… كلها عمليات تجميل."
قاطعتها خادمة ثالثة بنبرة ساخرة:
"عمليات تجميل؟ لا يا عزيزتي… هذه جينات. لو كنتِ غنية، كنتِ ستفهمين الفرق."
تدخل الطباخ الرئيسي بنبرة عالية وحازمة:
"أيها الثرثارات! ألا تعرفن كيف تربطن أفواهكنّ؟ لو سمعكنّ السيد لكانت ليلتكنّ أظلم من وجوهكن! هيا… عُدن للعمل حالًا!"
قال ذلك وهو يحمل الأطباق ويغادر المطبخ، متجهًا نحو طاولة الطعام الفاخرة، يرصّها بعناية لتبدو متناسقة وجذابة.