الفصل السادس
الفصل السادس
تقدّمتُ بين الأبواب العملاقة التي تصطفّ كأنها مدينة لا تنتهي. كلُّ بابٍ كان مصنوعًا من مادة مختلفة: بابٌ من خشب داكن منقوش عليه ريشة ذهبية، وآخر مطليّ بالفضة تتلألأ فوقه حروفٌ لا أفهمها، وثالث يشعّ بضوءٍ أزرق كأنّ وراءه سماء جديدة تنتظر أن تُفتح.
كانت الأرض مرصوفة بحجارة بيضاء ناعمة، وبينها تتسلل خيوط من الضوء الذهبي، أمّا الهواء… فكان يحمل رائحة الكتب، رائحة ورق قديم دافئ، ممزوجة بلمسة سحرية لم أشمّها قط في عالمي.
وكلما تقدّمتُ، ظهرت مبانٍ ضخمة، قصور عالية ذات قمم لؤلؤية، متلألئة كأنها قُطِعت من نجمة. وبين القصور تنمو أشجار شاهقة، جذوعها بلون حبر داكن، وأوراقها تُصدر خريرًا خفيفًا يشبه تقليب صفحات كتاب.
ناس كثيرون يتحركون حولي… أشخاص بسطاء، يرتدون ثيابًا قريبة من القبعات والرداءات القديمة، ويحمِلون الكتب كما لو كانت كنوزًا. أحدهم كان يدفع عربة مليئة بكراتين كتب، وآخر يجلس على درجٍ حجري يقرأ بصوتٍ مهموس.
شعرتُ بالدوار.
هل أنا داخل… مكتبة؟ أم داخل… كون كامل مصنوع من القراءة؟
وفجأة توقّفت الأعين عليّ.
نظرات سريعة… همسات… كأنهم اكتشفوا أنني لا أنتمي إلى هنا.
وقبل أن أهرب بنظري، وقف أمامي شاب في أوائل العشرينات، شعره أسود فوضوي وعيناه بلون عسلٍ داكن. كان يحمل كتابًا سميكًا تحت ذراعه، وعندما اقترب بدت عليه الدهشة… والصدمة.
قال بصوت منخفض:
— «انتي… من أنتي؟ من أي حكاية خرجتي؟»
نظرتُ إليه مرتبكة:
— «أنا… لستُ من أي حكاية. أنا جئت من العالم الحقيقي. وجدتُ الكتاب في القصر… وفجأة استيقظت هنا.»
ظلّ يحدّق في وجهي لحظة طويلة، ثم قال:
— «إذن ليست وحدي…»
ارتفع حاجباي:
— «ماذا تقصد؟»
تنهد بخفوت، كأن سرًا كان ينتظر أن يُقال:
— «أنا أيضًا لست من هنا. أنا من العالم الحقيقي… ودخلت عبر كتاب منذ أشهر. ومنذها لم أعرف طريق العودة.»
تجمدت في مكاني.
كان هذا الاعتراف… أكبر مما استوعبه عقلي.
وقبل أن أتفوّه بأي كلمة، أشار لي أن أتبعَه، وقال:
— «تعالي. المكان هنا يراقب الغرباء. لا يجب أن يُلاحظ أحد أننا لسنا من إحدى الحكايات.»
وتبعته… وأنا أشعر أن خطواتي الأولى نحو حقيقة هذا العالم قد بدأت الآن فقط.
---
الفصل السابع – مدينة اللؤلؤ والكتب
قادني الشاب—الذي لم أعرف اسمه بعد—عبر ممر طويل يؤدّي إلى قلب المدينة. كلما اقتربنا، ظهرت روائع لم أكن أتخيل أنها موجودة إلا في الكتب.
مكتبةٌ شاهقة تمتد حتى آخر السماء، تُزيّنها نوافذ دائرية مضيئة. وعلى الجانبين، محلات صغيرة لنسّاخ الكتب، كتّاب يجلسون وراء طاولات من مرمر، يغمسون أقلامًا طويلة في أحبار متلونة ويعيدون كتابة الحكايات.
وفي الساحة الرئيسية… نافورة لؤلؤية تتدفق منها مياه على هيئة كلمات تتساقط وتتحوّل إلى ضوء قبل أن تلمس الأرض.
همستُ:
— «إنه… عالم خيالي تمامًا. كأنني داخل رواية.»
ابتسم بمرارة خفيفة:
— «هذا المكان اسمه مملكة الكتب. كل باب من الأبواب التي رأيتها يقود إلى حكاية… عالم كامل يعيش بداخله الأشخاص الذين ظهروا في الكتب. كل ما كُتِب يومًا… يسكن هنا.»
نظرتُ إليه بدهشة أكبر:
— «وأنت… كيف جئت؟»
قال وهو يسير بجانبي:
— «كنت أعمل في مكتبة قديمة، ووجدت كتابًا بلا عنوان… فتحته فابتلعني داخله. وعندما وصلت، أدركت أن هذا العالم لا يخرج منه أحد بسهولة.»
سكت قليلًا، ثم أكمل:
— «لكنني بحثت كثيرًا ووجدت شيئًا مهمًا… هذا العالم يسمح بالدخول من خلال الكتب، لكنه لا يسمح بالخروج إلا لمن يعرف ‘مفتاح العودة’. ولا أحد يعرف ما هو بالضبط.»
تساءلتُ:
— «إذن… نحن محبوسان؟»
— «ليس تمامًا… لكن كلما مكثتِ أطول، كلما أصبحتِ جزءًا من إحدى الحكايات. هذا العالم… يحاول كتابتك.»
وقفت في مكاني، شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
هذا المكان جميل… لكن خلف الجمال سرٌ خطير.
سألته:
— «ما اسمك؟»
ابتسم لأول مرة ابتسامة صغيرة دافئة:
— «اسمي رائد. وانتِ؟»
— «… أنا لُجين»
حين نطقتُ اسمي، بدا كأنه يرتّب شيئًا في رأسه.
ثم قال بهدوء:
— «إذن يا لُجين انتي وأنا… غرباء في عالمٍ من الكتب. وربما… علينا البحث معًا عن الطريق للخروج.»
حدّقتُ في المدينة من حولي…
في الأبواب الكثيرة…
في القصور اللؤلؤية…
وفي الكتب التي تلمع كأنها تناديني.
وأدركت أن رحلتي الحقيقية… بدأت الآن.