الفصل الاول
في إحدى الليالي الباردة من فصل الشتاء، كنت أجلس في قصرٍ بعيد، حيث تسابق قطرات المطر بعضها على زجاج النافذة المغلق، يصنع صوتًا وحيدًا يتردد في الصمت المطلق.
لا صوت سوى صوت المطر… لا همسات، لا خطوات، لا أنفاس… فقد سافر إخوتي منذ سنوات، وتركوني هنا وحيدة، مع غرف القصر الفارغة وجدرانها التي تهمس بأسرار الأيام الماضية.
أمسكت بفنجان قهوتي الدافئ، والدفء ينساب إلى يدي المرتعشتين، وحمّلني صمت الليل على أن أفكر، أن أعيش أفكاري، أن أكون وحدي حقًا. أمامي دفتر قديم، صفحاتها البيضاء تنتظر مني أن أكتب، أن أفرغ ما يعتصر قلبي من حزن ووحدة.
كتبت:
"أحيانًا أشعر أن قلبي يتجمد مع برد الشتاء… أن كل شيء حولي يسير بلا روح. الغرف صامتة، والجدران تراقب صمتي، لكن لا أحد يسمعني… إلا أنا وأفكاري وكلماتي."
المطر يهمس على الزجاج، وكل قطرة كأنها صدى لأفكاري، لمسية هادئة تذكرني بأنني موجودة… وأن الكتابة هي النافذة الوحيدة التي تسمح لي بالهروب من صمت هذا العالم القاسي.
وبينما أنا أكتب، قد غلبني النوم…
غلبني كفارسٍ شجاعٍ يهزم خصمه بضربةٍ واحدة، فأسلّم له رايتي بلا مقاومة.
صعدتُ إلى غرفتي العلوية لأنام، منهكةً من كثرة التفكير…
ولكنني، كالعادة، أسمعُ همساتٍ خافتة تتسلل من الخارج، همساتٌ لا أعرف مصدرها.
منذ فترةٍ طويلة وأنا أسمع تلك الهمسات، تعانق جدران القصر كصدى بعيد،
ولكنني أردت النوم بشدة، فقررت تجاهلها كأنها مجرد خيالٍ صنعه الإرهاق…
لم أدرِ حينها أنّ تجاهلي لها لن يطفئها… بل سيوقظ شيئًا آخر.