عزلاء الهتان - الفصل الثالث عشر : حرب لاجلها - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: عزلاء الهتان
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث عشر : حرب لاجلها

الفصل الثالث عشر : حرب لاجلها

كانت ميس محاصرة بين فرسان المرجان، تتلفت يمنة ويسرة بيأس. أبلج يقف أمامها بضخامته على حصانه، بينما بن ناصر قد ترجّل، وبقية رجاله لا يزالون على أحصنتهم، يغلقون دائرة الحصار. لم تدرِ ماذا تفعل. بدأت تفكر في أي مقاومة أخيرة، لكن سرعان ما قبض عليها بن ناصر من ذراعها بقوة شديدة، لدرجة أن أصابعه غرزت في جلد ذراعها، فآلمها ذلك. حاولت ميس سحب ذراعها منه بقوة، لكنه صفعها بقوة هائلة. فسقطت على الأرض الموحلة والمبتلة، فتلطخ فستانها الأسود بالطين من جديد ، وانسدل شعرها ليغطي وجهها، وتشققت شفتها السفلى بفعل الضربة. كان شعرها لا يزال منسدلاً يغطي عينيها. لكن ما إن سحبها بن ناصر من جديد، حتى ظهرت عيناها حادتين كالسيف، تشعان وكأنها لا تخاف أبداً، بل مليئة بالاشمئزاز والتحدي. هذا المظهر جعل بن ناصر نفسه يستنكر: هل هذه ابنته ثريا فعلاً؟ كان سيهم بضربها من جديد عندما حاولت الفرار منه ومقاومته، لكن أبلج نهاه. قفز أبلج من على حصانه، وهبطت قدماه على الأرض لتجعلها تهتز بينما كان يحمل سيفه في يده. و قال بصوتٍ حازم: "هذا أصبح حقي في أخذ الشرف يا بن ناصر، لم يعد لك سلطان عليها بعد الآن." نظرت ميس إلى أبلج بكره شديد. كانت تنظر إلى الجميع بكراهية، خصوصاً عندما سحبها أبلج بقوة هائلة. لقد وقفت رغماً عنها، فقد كانت مجرد ريشة بالنسبة لقوته الغاشمة. حاولت سحب ذراعها منه بعنف. ما جعل بن ناصر يصرخ باسمها بصدمة: "ثريا!" كان لا مزال لا يُصدق في أعماقه: هل هذه ابنته فعلاً؟ لكن تلك النظرة المليئة بالاشمئزاز والشجاعة؟ من أين أتت ثريا بكل هذه الجرأة؟ ______ كانت يداها مقيدتين بقوة بسلاسل حديدية ثقيلة، مما أفقدهما أي قدرة على الحركة أو المقاومة. ملابسها  كانت الآن ممزقة وملوثة بالطين، وشعرها مبعثر. وجهها كان يعكس التعب والإرهاق، لكن عينيها كانتا تحملان نظرة عنيدة، نظرة لا تقبل الهزيمة. سارت ميس مقيدة من خلفهم، بينما هم يركبون أحصنتهم، يحرسها رجلان من الخلف، سيوفهم تتأرجح في غمدها. يقودون طريقهم القسري نحو المرجان، لتواجه ميس مصيراً مجهولاً. _______ كانت قدماها تؤلمانها بشدة؛ فقد سارت خارج الدهّام كلها على الأقدام، مسافة طويلة وموحلة، وسلاسل القيود الحديدية ثقيلة على معصميها. لكنها مع ذلك لم تشكُ، ولم يصدر لها أي صوت. فهي لن تظهر ضعفها لهؤلاء الوحوش أبداً. كان كبرياؤها وتحديها أكبر من أي ألم جسدي. توقفوا أخيراً عندما وجدوا نهراً يقطع طريقهم. نزل الفرسان ليروون عطشهم، وجعلوا الخيل تفعل المثل. بينما هي ظلت على حالها، تُريح قدميها المنهكتين، ويداها مقيدتان بتلك السلاسل الثقيلة، كالأسيرة التي لا تملك من أمرها شيئاً. عندما شعرت فجأة بجسد ضخم يقترب منها، كان ذلك أبلج. الذي سألها بصوتٍ خشن:  "هل أنتِ عطشى؟" ضحكة ساخرة اطلقتها ميس بمرارة، وصوت ضحكتها الرنان مزق هدوء النهر. وهي تسأله بتهكم:  "هل تسألني إذا كنتُ عطشى، كي لا يؤنّبك ضميرك عندما تقتلني لاحقاً؟" ثم أضافت بنبرة ملؤها الكره الشديد، بينما كانت عيناها تحدقان في أبلج بنظرة حادة وباردة، وكأنها تطلق سهاماً من الجليد الحارق: "مع أنني أشك أن رجالاً مثلكم قد يكون لديهم ضمير من الأساس." أبلج لم يُعلّق ولم يردّ على كلماتها الساخرة والمليئة بالكراهية. فقط اكتفى بالتحديق بها في صمت ثقيل. ثم استدار وعاد إلى النهر ليروي عطشه بشراهة، وكأن الماء سيُطفئ شيئاً من غضبه المشتعل. _____ كان هتّان قد خرج في الصباح الباكر برفقة واحد من رجاله على ظهر "برق"، بحثاً عن وعده لميس. لقد وعدها أنه سيُحضر لها الحصان الذي سيجعلها فارسة وسيكون لها سنداً في طريقها الطويل نحو بنو الرقاع. وبالفعل، عاد إلى الدهّام وبرفقته فرس ناصع البياض. كانت الفرس آية في الجمال: شعرها أبيض كالحرير، ينسدل على رقبتها النبيلة، وعيناها واسعتان وسوداوان، وحركتها كانت رشيقة وحذرة، توحي بالوفاء والقوة والسرعة. لكن ما إن وصل ، حتى أوقفه الفرسان على أطراف الدهّام، يزفون له آخر الأخبار الصادمة: المرجان جاءت في غيابه! نزل هتّان على الفور من "برق"، وكذلك فعل فارسه، بينما كانت نظرات هتّان تجمع بين الغضب والحيرة. بدأت ناس القبيلة يتجمعون، فقدوم المرجان إلى الدهّام دون سابق إنذار أمر لا يبشر بخير. طلب  من رجاله أن يهدؤوا، وأن يخبروه بمالذي جرى بالضبط. فشرح له أحد الفرسان ما حدث:  "كنا في صباح عادي عندما رأينا رجالاً من المرجان قد دخلوا عنوة إلى الدهّام، يبحثون عنك أيها الزعيم." سألهم هتّان عمّا يريدونه تحديداً، وما إذا كان قد بقي أحد من المرجان هنا. أخبره الفارس أنهم غادروا فجأة دون أن يقولوا شيئاً، ما عدا أنهم جاؤوا يبحثون عن امرأة. عقد هتّان حاجبيه بتساؤل:  "امرأة؟ اي امراة ؟ " أومأ الفارس، وأضاف:  "على حسب كلام أحدهم، هناك امرأة من قبيلتهم، أي من المرجان، هربت، وهم قالوا إنها هنا. لكن أي امرأة من المرجان قد تدخل إلى الدهّام دون أن نعلم، خصوصاً أن حراستنا قوية؟" ثم أضاف فارس آخر بجدية:  "لقد سمعت أحدهم يصرخ، وكأنهم عثروا عليها، ثم انطلقوا خلفها بسرعة!" بدت على هتّان الحيرة. أي امرأة جاءت إلى الدهّام؟ وكيف لم يلاحظها أحد؟ لحظة... وكأن الأفكار بدأت تعود له، وكأن عقله بدأ يربط الأحداث معاً في ومضة خاطفة: امرأة غريبة... من المرجان... جمال خارق... ظهرت من العدم... تُريد دخول الدهّام... ثم كيف ستدخل... إلا لو... هتف هتّان بذلك في صوته الداخلي. لا! من المستحيل! ثم أسرع  يركب على "برق"، تاركاً الفرس الأبيض الجميل مع رجاله. انطلق بأقصى سرعة ممكنة نحو كوخ العجوز، وهو يدعو في قرارة نفسه أن يكون الأمر ليس كما يفكر به. _________ ترجّل هتّان من "برق" على عجل، وقبل أن يصل حتى إلى باب الكوخ، أخذ ينادي على الحكيمة بصوت عالٍ ومضطرب. عندما لم يكن هناك رد، تحوّل نداءه إلى اسم "ميس". فتحت له العجوز الباب باستغراب لرؤيته في هذه الحالة المتوترة والقلقة  "أيها الزعيم!"   سألها هتّان على الفور، وعيناه تبحثان خلفها في دهليز الكوخ: "أين هي الحكيمة؟" لكن وكما كان يتوقع، وعلى عكس دعائه الذي كان يرجو أن يسمع أي إجابة أخرى، أخبرته العجوز بأسف:  "لقد غادرت هذا الصباح فجأة يا بني." سألها هتّان بلهفة متزايدة، مُتشبثاً بأي خيط أمل:  "هل قالت شيئاً؟ انها ستذهب إلى مكان ما؟ أو قالت إنها ستعود؟" نفت العجوز ذلك، وأخبرته أنها غادرت على عجل: "غادرت على عجل، حتى عندما نادينا عليها بالحكيمة، هي لم ترد." خرجت تنهيدة طويلة ومُحبطة من صدر هتّان. ثم شكر العجوز بهدوء، وبعد أن أغلقت الباب، لم يجد ما يقوله. بقي واقفاً في مكانه، صامتاً، مُحملاً بوزن اكتشاف صادم. إذاً... ميس... من المرجان. الحكيمة التي أنقذت حياته، المرأة التي أحضر لها ثياباً فاخرة، ووافق على مساعدتها... هي ابنة القبيلة المعادية.  العدو الذي قتل والده. كانت هذه هي الحقيقة المُرّة التي لم يستطع عقله و قلبه تصديقها، حتى وإن أكدتها الأحداث القادمة من الخارج: المرجان جاءوا بحثاً عنها. لقد كانت خدعة كاملة. ______ كانت قدما ميس تنزفان وتؤلمانها بشدة، فقد سارت مسافات طويلة خارج حدود الدهّام على الأقدام، بينما كان سلاسلها تئن مع كل خطوة. لكنها لم تشكُ، وظلت صامتة، لن تمنح لهؤلاء الوحوش متعة رؤية ضعفها. كانت عودتها إلى تلك القبيلة تشبه العودة إلى صحراء خالية من الألوان أو الروح؛ فالبيوت والأسوار كانت منسجمة مع لون التراب، يسودها جو ثقيل من الجدية والخشونة. وما إن دخلت ميس، وهي تُقاد على قدميها خلف الأحصنة، حتى تحولت جميع أنظار القبيلة إليها. لكنها لم تكن نظرات تعاطف تجاه فتاة لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، بل كانت نظرات كره وضيق وازدراء. فبالنسبة لهم، إنها "الخائنة" التي دنست شرف المرجان لأول مرة بعد سنين طويلة جداً من العزة. كانت همسات الناس تردد كلمة "العار" و "الخائنة". سمعت والدة ثريا صياح الناس وهم ينادون: "لقد أمسكوا الخائنة!" فخرجت  مع أخوات ثريا، يغطين شعورهن بلهفة، ووقع قلب الأم وهي ترى ابنتها (ميس في جسد ثريا) مقيدة بتلك السلاسل الحديدية الثقيلة. كانت حالتها سيئة للغاية: ملابسها مبللة وممزقة وملطخة بالطين بعد السقوط في الضباب. شعرها الأسود كان ملتصقاً بوجهها من المطر. قدماها كانتا قد جُرحتا، فحذاؤها  كان قد تآكل وتمزق. كانت تسير خلف الأحصنة كالأسيرة. في تلك اللحظة، نزل أبلج من حصانه، ومعه بن ناصر الذي بدا متعباً وغاضباً. صاح أبلج بأعلى صوته، مستدعياً ناس القبيلة بلهجة المنتصر الذي يطالب بحقه: "يا أهل المرجان! لقد جئناكم بشرفكم الذي سنغسله!" ______ صدر الأمر من أبلج، وتم إرسال ميس إلى حظيرة خاصة لتغتسل وتنظف نفسها، ثم تُترك هناك حتى يأتي اليوم التالي، حيث يتم إعدامها أو بالأحرى نحرها على يد أبلج كما تُنحر النعاج، لغسل ما يسمونه عار الشرف. وقبل أن تُقتاد، ركضت إليها أم ثريا، محيطةً وجنتيها بيديها، تتأوه بحزن عميق. كانت عيناها ذابلتين من البكاء المستمر منذ اليوم الذي رحلت فيه ابنتها. كانت تلومها بيأس على الذي فعلته بنفسها: "ما الذي كنتِ ستخسرينه لو تزوجتِ من أبلج؟ الآن ستخسرين حياتكِ!" لكن ميس، التي كانت نظراتها باردة ومجردة من العواطف، سألتها، وهي تسحب وجهها من يديها: "كيف عرف ذلك الرجل،" (تقصد والد ثريا)، "أنني كنت في الدهّام؟" بدا على الأم الارتباك والخوف الشديد، وكأنها تخفي سراً كبيراً. كررت ميس السؤال بنبرة أكثر حدة وبرود، حتى جاء الجواب من شخص آخر. كانت إحدى شقيقات ثريا (الفتاة التي كانت تعيش مع ثريا في الماضي) هي التي ظهرت في الواجهة، تخبرها ببرود يتخلله توتر خفي: "أنا من أخبرتُ عنكِ! ألستِ أنتِ من قال أن ناس الدهّام أفضل من المرجان، فظننت انك ستهربين إليهم " استنكرت ميس هذا التصرف وقوّست شفتها بتهكم. هي لم تكن تهتم سواء باعتها هي أم لا، لأن روحها سيتغادر هذا العالم قريباً على أي حال. لكنها أدركت الحقيقة: إن هذه الفتاة قد باعت جسد شقيقتها ثريا. سألتها بتهكم ساخر:  "هل بعتِ شقيقتكِ؟" تقدمت الأخت بخطوات متسارعة وصاحت بدفاع هستيري:  "ما الذي كنتِ تتوقعين مني أن أفعله؟ أنتِ تهربين وترفضين العادات والتقاليد، ونحن ننال العقاب بدلاً عنكِ! أتدرين أنهم كانوا سيقتلون واحدة منا لو لم يجدوكِ، كي يغسلوا الشرف؟" كانت ميس ستجادلها، لكنها صمتت، وهي تدرك منطق هذا العالم القاسي. هنا، قالت الأم باقتراح خائف:  "لو أنكِ تترجين والدكِ... لتخبريه أنكِ تريدين الزواج من أبلج لتفعلي شيئاً! ربما يصفح عنكِ!" قهقهت ميس بسخرية عالية، ثم أضافت ببرود شديد وبنبرة واضحة قاطعة: "من المستحيل أن أفعل شيئاً كهذا." في تلك اللحظة، جاء الرد من بن ناصر نفسه، بنبرته المرعبة التي جعلت زوجته وابنته ترتجفان خوفاً. نظر إليها بن ناصر بحدة وقسوة لاذعة: "إذاً، هي لن تفعل شيئاً كهذا!" ثم وقف قبالتها، فنظرت ميس في عينيه مباشرة، دون خوف أو تردد، مؤكدة قرارها بالموت بدلاً من الخضوع. واجه بن ناصر ابنته (جسد ثريا) بحدة بعد أن رفضت رفضاً قاطعاً التراجع أو الخضوع للزواج من أبلج لإنقاذ حياتها. وقف  قبالتها، مُثبتاً عينيه في عينيها المتحديتين. كرر عليها سؤاله بنبرة مرعبة جعلت زوجته وابنته ترتجفان اكثر :  "إذاً، أنتِ لا تُريدين حتى أن تعتذري على ما فعلتِه؟" هنا، ابتسمت ميس. كانت ابتسامتها ساخرة وباردة ومُحتقرة في آن واحد، ابتسامة لا تعرف الخوف، بل تحمل وعداً بالتحدي المستمر. كان الأمر أشبه بـتأكيد نهائي للاشمئزاز من كل ما يمثله هذا الرجل وهذه القبيلة. أخبرته بصوتٍ بارد وواضح، لا لبس فيه، وكأنها تلقي بآخر كلماتها قبل الموت: "بل سأقول أكثر من ذلك. حتى لو تكرر الأمر، أو حتى لو سنحت لي الفرصة... سأهرب من جديد." وقعت كلمات ميس كالصاعقة على مسامع الجميع. كانت صدمة الأم والأخت كبيرة، لكن صدمة بن ناصر كانت ممزوجة بالغضب الذي وصل إلى حد الجنون. رفع بن ناصر يده، وكان سيهم بصفعها بضربة قد تكون قاتلة، لكن يده ظلت معلقة في الهواء. كبح غضبه الأقصى، ليس رحمة، بل بسبب قانون العار الذي جعل "ثريا" الآن ملكاً لأبلج، ويجب أن يأخذ شرفه بالدم منها . قال لها بن ناصر من بين أسنانه، بصوتٍ مُهدد ومُخيف: "لو لم تكوني قد أصبحتِ حقّاً لأبلج في الشرف، لكنت قد دفنتك هنا حية!" ثم دفعها بعنف، فترنّح جسدها الهزيل، وهوت على الأرض فركضت إليها امها بينما ظلت اختها واقفة تنظر إليها من بعيد .  _______ عاد هتّان إلى القصر الذي يعيش فيه. وهو  لا يزال تحت تأثير الصدمة والاكتشاف المُر المتعلق بهوية ميس. لم يكد يخطو خطواته الأولى حتى نادت عليه جدته زبيدة، توقفه بصوتها الواضح والمسن. توقف هتّان، بينما تقدمت هي تضرب بعكازها الأرض، وكأنها تُثبّت كلمات القوانين القديمة. سألته بدون أي مقدمات أو لف أو دوران: "هل المرأة التي جاء رجال المرجان يبحثون عنها هي تلك الحكيمة؟" هنا صُدم هتّان، فهو لم يتوقع أن تعرف جدته هذا الاستنتاج بهذه السرعة. سألها بدهشة: "كيف... عرفتِ؟" أخبرته زبيدة بنبرة الواثق: "أخبرتكَ أنني أشعر بشيء غريب نحوها. ذلك الوجه، ذلك الجمال الساحر والمميز لن يكون إلا لنساء المرجان." ثم سألته مباشرة: "ما الذي تنوي فعله؟" عاد هتّان إلى وقفته المستقيمة، وكأنه عازم على أمر لا رجعة فيه. لكن عينيه ضاقت عندما قالت له جدته بوضوح لاذع: "لا تتدخل. فهذه مسألة تخلُّص للمرجان، ولا علاقة للدهّام بها." أخبرها هتّان بلهجة فيها الكثير من الانفعال: "يجب عليّ مساعدتها! فتلك هي الحكيمة التي أنقذت حياتي! ولولاها لما كنتُ واقفاً الآن أمامكِ!" صاحت فيه جدته، وقد علا صوتها قليلاً: "أعلم أنها أنقذتك، وأنا أشكرها على ذلك ولا أُنكره! لكن الأمر مختلف الآن؛ هي من المرجان، وهذا يقلب كل الموازين! يجب أن لا تنسى: بمجرد أن تتدخل في مسألة المرجان التي جاؤوا من أجلها، فإنك بذلك تخرق الاتفاقية، وتبدأ عصراً جديداً من الحرب!" كان هتّان يعلم أن ما تقوله جدته صحيح. لكنه في تلك اللحظة، لم يستطع التغاضي عن الأمر. كان يعرف جيداً رجال المرجان وطبيعة تفكيرهم الذي لا يرحم، ومهما بلغت ميس قوة وشجاعة، فلن تستطيع الوقوف أمامهم. أخبرها بقرار لا رجعة فيه: "مع ذلك، حتى لو قامت الحرب، حتى لو خرقنا القانون، أنا لا أستطيع التغاضي عن ذلك!" ثم أضاف، مؤكداً على مبدأ قبيلته: "مثلما عند المرجان قضية الشرف مهمة، أنا أيضاً لدي مبدئي. الدهّام لا ينسون الوعد ورد الجميل، حتى لو ماتوا! ومن لا يرد الجميل فهو يُعتبر ناكراً له! ومثلما تجاهلت ميس أمر كوني من الدهّام وأنقذت حياتي، أنا سأفعل المثل!" أخبرته الجدة بمرارة أنّه قد فعل ما يلزم؛ "لقد أدخلتها الدهّام، وأحضرتها حتى إلى القصر!" لكن هتّان رفض، وأخبر جدته بصوتٍ حاسم: "أنا آسف، ولكن هذا هو أمري. سأذهب لإنقاذ ميس." ثم استدار  على الفور منادياً على أحد المساعدين، وطلب منه بنبرة لا تقبل النقاش: "أخبر الفرسان أن يجهزوا أنفسهم. نحن ذاهبون إلى المرجان الآن!" بدا على المساعد التوتر فذهاب الزعيم الى المرجان بنفسه يعني وجود مشكلة كبيرة لكنه اسرع ونفذ الامر . بينما سألته الجدة زبيدة قبل أن يغادر، بصوتٍ هادئ وغامض، وكأنها تكشف الدافع الحقيقي خلف هذا الجنون: "هل وقعتَ في حب تلك المرأة يا هتّان؟" اكتفى هتّان بإلقاء نظرة أخيرة عليها، كانت نظرة عميقة لا تحمل إجابة واضحة، وغادر دون أن يجيب