بيننا خيط لا ينقطع - الفصل الواحد والعشرون - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الواحد والعشرون

الفصل الواحد والعشرون

" the writer Aridj " . . . في إحدى غرف العمليات، كانت وعد تقف عند الزاوية القريبة من الضوء المعلَّق فوق المشرط، تسجّل ملاحظات الطبيب المشرف على فريق تدريب.انھ الشغفُ الذي ظلّ يكبر في صدرها منذ سنوات. لم تستوعب بعد أنها حققت أحد أحلامها الأولى، وأنها الآن ترتدي الثوب الأبيض الذي طالما رأته في خيالها يلمع مثل حلمٍ لا يشيخ. تابعت كل التفصيل بعينين تتّسعان دهشةً و إجلالا ؛ حركة يدٍ ماهرة، همسة بين طبيبين، وارتعاشة حياة تُستعاد فوق الطاولة المعدنية. في ذلك اليوم حضرَت ثلاث عمليات: الأولى لطفل صغير ينام بطمأنينة لا تشبه إلا براءة السماء، واثنتان لامرأتين في مقتبل العمر. يدخلون الى تلك الغرفة وسحابة اليأس تحلق فوق رؤوسھم فاقدين الأمل في العودة الى أحضان أحِبَتِھِمْ......فيرحمھم فاطر السماوات برحمتھ التي وسعت كل شيء ، فما لنا الا ان نقول الحمدلله الذي إصطفانا وجعلنا من بين أسباب تشبثھم بخيط الحياة. بينما كانت غارقة في عالمٍ يتداخل فيه الضوء برائحة المعقمات، لم تكن تدرك أن هناك عيونًا كانت تتبع خطواتها في صمت. ففي غمرة انشغالنا، ننسى أحيانًا أننا نصبح لغيرنا مشهدًا يلامس الروح، وأن نظرة عابرة قد تُوقظ في القلب خفقة لا تُنسى… وأن أبسط الأشياء كابتسامة عابرة عند زاوية الشفاھ قد تترك أثرًا أعمق مما تتركه الكلمات. كانت وعد ، دون أن تشعر، تمشي في المكان كنسيمٍ خفيف… يلامس القلوب ويمضي، لكنه لا يُنسى. بعد ان انتھت العملية نُقلت المريضة الى غرفتھا تحت مراقبة الطبيب. حَمَدَ الجميع ربھم لنجاة المريضة فقد كانت نسبة إفلاتھا لخيط الحياة كبيرة جدا ،لكن سبحان مالدى رب المعجزات . أومأت وعد للطبيب المسؤول أن يتريّث قليلًا، ثم خطت نحوه بخطوات تحمل شغفًا لا يُخفى. كانت رغبتها في الفهم أعمق من أن تُهمل، وفي عينيها لمعان يعكس مافي قلبھا من أملٍ وطموحٍ. أرادت أن تسأله أكثر وتستفاد منھ بحكم مزاولتھ لھذا المجال منذ سنوات ، لعلّها تلتقط من حكمته ما يقرّبها خطوة أخرى نحو عالمٍ طالما وقفت على عتبته حُلمًا… وها هي اليوم تغوص فيه بكل ما فيها من شغف. وعد مبتسمة /السلام عليكم دكتور الدكتور /وعليكم السلام دكتورة وعد ابتسمت وعد أكثر لقد قيل قبل اسمھا "دكتورة"،لم تسعھا الأرض من الفرحة ،تذكرت بسرعة ماكانت تريدھ وعادت للحديث معھ. وعد بنبرة احترام وصوت يملؤھ الفضول ونفس تبحث عن المعرفة /دكتور كنت أحب أسألك عن شيء أثناء العملية ...ليش مافضلتوا تسوونھا بطريقة اليدوية اتوقع راح تكون أسھل وفي وقت أقصر ؟ اجابھا الدكتور بوجھ مبتسم وصوت مفعم بالھدوء ...الھدوء الذي لا يمنح الا لمن قضى عمرا يمسك بخيط الحياة بين أصابعھ . الدكتور/يا دكتورة وعد… ما كل عملية نقدر نسويها يدويّة. أحيان نحتاج دقّة أعلى من اللي توفّرها اليد بس. التقنية تعطينا مجال رؤية أوضح، وتحكّم أدق، وتعطي المريض فرصة أكبر للسلامة. الطريقة اليدوية جميلة… بس تشبه المشي في طريق ضيّق، في حين انو الأجهزة توسّع لنا الطريق وتخلّينا نشتغل بطمأنينة أكبر. رافق كلماتھ سكون قصير ،ثم أكمل وھو يرى فيھا روح الطب وبذرة طبيبة تتفتح /إحنا ما نستغني عن اليد أبد… لكن نعطيها الأدوات اللي تخليها أقوى وأضمن. الطب يابنتي مو بس جرأة… هو إنك تختارين دائمًا الطريق اللي يعطي المريض فرصته بالحياة. ومن واجبنا ان نختار الأفضل له… مهما كان . كانت وعد تنصت اليھ باھتمام وكأن كل حرف يسقط في قلبھا ،لم تُشبع إجابتھ فضولھا فقط بل زادتھا إيمانا وثقة بالطريق الذي وضعت أقدامھا على أولھ ، وھي على يقين بأنھا ستبرع فيھ _بإذن الله _ شكرت الطبيب على إجابتھا وعادت الى زملائھا ،دخلت الغرفة ولم تسعھا اللحظة حتى ان تلقي السلام ،فإذ بشاب يفوقھا طولا بشعر اسود ناعم وعينان تنعكس عليھما خضرة طبيعةٍ خلابة . قابلھا بوجھ بشوش وقال /مرحبا دكتورة وعد استغربت وعد مالذي يريدھ منھا ؟تجاھلت أفكارھا واجابتھ ھي الأخرى /ھلا دكتور لم يرفع اعينھا عليھا وكأنھ يحاول حفظ أدق تفاصيلھا .بعد ثواني أردف بصوت ساخر محاولا كسر الحواجز التي تضعھا وعد مع كل الطلاب الذين يدرسون معھا ...حتى مع شخصيتھا المرحة لكنھا لم تستحبب يوما التقرب من الشباب الذين ھم معھا في نفس السنة والتخصص.../لا وش ھرسميات ھھھ راح تكون احسن بدون دكتور . رمقتھا وعد بنظرات مشمئزة مشيرةٌ لھ ان يلتزم حدودھ وھي تقول في نفسھا ((كلھم نفس الشيء كأنھم نسخ ليش مانقرضوا ورتحونا )) وعد بإستھزاء/يكون أفضل لو نخلي الرسميات . أجابھا بإبتسامة لم تفارق وجھھ، تجعلك تشك في نفسك ان كان على وجھك شيء او لا /براحتك المھم انا راكان وعد مبتسمة تريد فقط ان تَصْرِفُھ عنھا /متشرفين دكتور راكان . التفتت وعد الى يمينھا حتى لمحت وجھا تعرفھ، لقد كان رسيم .تنھد داخلھا وكأنھا وجدت ملاذ في نھاية المطاف ،كانت تتمنى ان يستدير بسرعة لكي يخلصھا من ھذا الذي يقف أمامھا والذي كان يتأملھا بھدوء في حين بحثھا عن حل لصرفھ بكل إحترام .التفت رسيم الى فتاة تلوح لھ بيدھا، دقق قليلا وقد عرف انھا وعد ،فاتجھ اليھا مبتسما وقال /ھا وعودا انتي ھنا ،ھھھ وش ھالكشخة دكتورتنا . ابتسمت وعد بخجل /ھھھ ثانكس رسيم . كان راكان خلفھا يريد ان ينقض على رسيم ويطرحھ أرضا ،كيف تتجاھلھ وتتحدث مع الأخر بإبتسامة عريضة دون رسميات او اي شيء من ما تذرعت بھ في حديثھا معھ ،تناديھ بإسمھ مالذي تحاول فعلھ ؟؟؟من ھذا الذي يدمحھا ؟؟؟؟ رفعت وعد عينيھا مشيرة الى من يقف ورائھا ،فھم رسيم ما تقصدھ وسحبھا من يدھا وقال /انا ماعندي اي شي أسويھ لا مرضى ولا شي ،احسن أوديك بجولة فالمستشفى . اومأت وعد بالموافقة واستدارت الى راكان الذي كان يقف خلفھا ونيران الغضب تأكل نفسھ ،استأذنت منھ وغادرت مع رسيم . وعد ضاحكة /وش ھالتمثيل .تعرف، أنقذتني في آخر لحظة _أكملت وھي تقلد حديث راكان _ممكن من غير رسميات ھھھھھ. ضحك رسيم ،واكمل حديثھ مع وعد حول المرضى والمستشفى وعدة مجالات أغلبھا لا يبتعد عن عالم وعد الذي تعيشھ الآن . عادت إلى المنزل والتعب ينساب على ملامحها كما لو أنّه ظلّ ثقيل لا يفارقها. أدارت مقبض الباب بهدوء، ثم خطت إلى الداخل بخطوات مثقلة، متجهة نحو الدرج حيث الوجهة الوحيدة التي تتوق إليها روحها: غرفتها. كانت تتخيّل سريرها الناعم ينتظرها كحضنٍ دافئ، لتُلقي بجسدها المنهك فوقه وتسمح لنفسها أخيرًا أن تنام… أن ترتاح من ضوضاء الدروس، ومن ثقل الساعات الطويلة. وبينما كانت تصعد الدرج درجة بعد أخرى، رفعت رأسها قُبيل الوصول—فإذا به خالد يقف أمامها، بابتسامته التي تعرفها جيّدًا… تلك الابتسامة التي تعلن بداية حديثٍ لن ينتهي، ومزاح لا يعترف بالتعب. كانت تعلم تمامًا أن خالد، بكل حيويته، لن يسمح لها بالوصول إلى سريرها بسهولة. اقترب بخفة، ورفع حاجبه مازحًا، وسألها بصوت يملؤه الفضول /هاه تالين … وين رايحة بهالشكل؟كأنك كنتي تحفرين القبور . يومها المرهق كان على وشك أن يبدأ صفحة جديدة… فقط لأن خالد ظهر في طريقها. أغمضت أعينھا بتعب ثم فتحتھا مرة ثانية بإبتسامة وصوت متعب ٍ /وين راح أروح برايك ،لغرفتي ودي انام ...تعرف انو صوت الدكاترة لسا براسي كأنھم كوابيس ھھھ . ضحك خالد ثم قال /وش تقولين لون نطلع نتونس فالحديقة ولا مجمع مثل متبين . ((كيف راح أردھ الحين مايصير أخجلھ اااااااا وش راح أسوي؟؟؟ اريد أنام )) تالين بإبتسامة ھادئة /فكرة...بس وش رايك تخليھا بعد 3 سعات ودي انام ياخالد . خالد مبتسما /إذن بعد 3 سعات بظبط أمر أخذك أوكي بنت عمتي ھھھ تالين بمزاح /يلا يلا خلي اروح انام قبل ماتخلص ثلاث ساعات . نزل خالد من الدرج وھو يحاول ان يقوم بأي شيء يمنعھ من البقاء مع تفكيرھ الذي كان في صراع شديد معھ منذ امس. اتجھ نحو سيارتھ وارتمى وراء مقودھا ،صورة أماني حفرت بذاكرتھ كأنھا نقشة على جدران عقلھ ....استغفر مرةومرتين100و1000،صلى وصلى لكنھا تعود اليھ مرة أخرى .اخرج ھاتفھ حاول ان يلھي نفسھ اتصل برعد ......يرن الھاتف ومامن مجيب ... اغلق الخط وأسند رأسھ الى المقود بثقل مايحملھ قلبھ وعقلھ . كانت تجلس في حديقة المنزل بصمتٍ يشبه هدنةً بينها وبين العالم، تقلب صفحات رواية من روايات أسامة المسلم، "هذا ما حدث معي"، تقرأ كل حرف بتمعّنٍ كأنها تلمس الكلمات قبل أن تفهمها. كانت تحب أسلوبه ، لكنّها حين تضع قلبها على كفِّ المقارنة تعجز أن ترجّح كفة أحدٍ على أحمد آل حمدان؛ فكلاهما يأسرها بطريقته، ويخطفها إلى عالمٍ لا يشبه سواه ؛خيال ،رعب ...كأن كل مايعجبھ جمع عند كاتبين . وضعت الرواية فوق الطاولة الخشبية أمامها، ثم أمسكت بكأس الشاي الدافئ، ارتشفت منه بضع رشفاتٍ خفيفة، وأعادته إلى مكانه قبل أن ترفع رأسها نحو السماء. راحت تتأمل شكل الغيوم وهي تنساب ببطء، وكأن الوقت نفسه يتهادى على وقع خطواتها الهادئة. لكن الذاكرة كعادتها لم تلتزم الحياد؛ خانتها وأرسلت إليها مشاهد من الأمس.شعرت بوخزة انزعاج، لكنها ما لبثت أن ابتسمت… ابتسامة خفيفة، حين تذكّرت شكلها أمامه، وتذكّرت ملامحه المرتبكة وكأنه ارتكب جريمة لا تُغتفر. عاد المشهد إلى ذهنها بوضوح.... كان يقف أمامها بطوله الشامخ، وشعره الأسود الناعم يُلامس جبينه بخفة، عيناه عسليتان فيهما عمقٌ يكاد يبتلع كل من ينظر. فكّه الحادّ وأنفه المستقيم منحهما ذلك الحضور الرجولي الذي لا يُخطئه أحد. كانت بُنيته رياضية، ليست مبالغًا فيها، لكن عضلاتھ بارزة بما يكفي لتدل على قوةٍ هادئة. على بشرته اسمرار خفيف، يزيده جاذبية لا تحتاج إلى اعتراف. أما صوته… فكان ذلك الصوت الذي يجمع بين الكاريزما والبرود، صوتٌ يبقى صداه عالقًا في الذاكرة حتى بعد أن يرحل صاحبه. أزاحت كل تلك الصور بعيدًا، وكأنها تغلق بابًا تُصِرّ الذاكرة على فتحِهِ. تجاهلتها بمهارةِ من اعتاد التجاھل والبرود ، ثم مدّت يدها نحو الرواية من جديد، واستسلمت للقراءة… لعل الحروف تُسكت ما لا تريد أن تعترف به. وفي تلك اللحظات دخل رسيم مع وعد ورعد .ركضت وعد الى أماني وحضنتھا بقوة. جلست على الطاولة الخشبية أمامھا وبدأت حديثھا الذي لا ينتھي كعادتھا، كلماتھا السريعة التي يصعب على من لم يَعْتَد عليھا ان يفھمھا .تقدم رعد الى مكان جلوسھما والقى تحية ثم قال /سلامتك أماني كيفك الحين ان شاء الله بخير . أماني مبتسمة /بخير الحمدلله مشكور على السؤال . رعد /العفو ثم استدار الى وعد ورمى اليھا مفتاح سيارتھ بخفة وبإبتسامتھ الحنونة /عيون رعد سوقي بھدوء ماتسرعي . وعد اومأت برأسھا موافقةً ورمت لأخيھا قبلة في الھواء ،ثم عادت الى أماني لتكلمھا مرة ثانية .لاحظت وعد التي لا يفوتھا شيء شرود أماني ؛عيناھا مرة في السماء وتارة بين أسطر الكتاب وأخرى ترمقھا بنظرات لم تعرف معناھا . وعد /اماني وش فيك تحركين عيونك ھيك كأنك كَمِرة مراقبة ھھھ لو عندك شيء زعجك احكي ،وش ذنب عيونك ھھھ أماني مبتسمة /لا مافيني شيء .....الا، وش سويتي بالمستشفى ؟؟ وعد /وااااااااو عالمي وأجوائييييي لو تشوفين ياأماني كيف كانت العمليات .. وبدات تسرد لھا بشغف عما رأتھ داخل غرفة العمليات ؛دقة،خبرة ،ھدوء ،براعة وقوة تشبث في الحياة .