الفصل 27
الفصل السابع والعشرون : "ملامح تنكشف"
الرياض – شقة بدر الخاصة
الساعة: 8:52 مساءً
المدينة هادية، والجو برّد شوي.
بدر فتح باب شقته، دخل وهو يهز مفاتيحه بيده، كعادته.
من أول ما دخل، شم ريحة عطر خفيفة،مع ريحة قهوة…وموسيقى هادية تمشي من السماعة اللي بجنب النافذة.
هي كانت هناك. جود.
جالسة على الكنبة، لابسة بلوزة بسيطة بلون سكري، وشعرها مفكوك…وفيه خصل طايحة على خدها بطريقة ما تشبه العادة.
رفع حاجبه وقال: من متى تصيرين أول وحدة توصل؟
ردّت بهدوء، وهي ترفع كوبها من الطاولة: من يوم صرت أنطر.
قالتها ببرود بسيط، لكن بدر حس فيها شي ثقيل…شي يحاول يجرّبه… يفهمه.
هو جلس على الكرسي المقابل، ونظر لها مطوّل:
تنتظرين؟ غريبة.
قالها وهو يحاول يخفي شيء داخله بدأ يتحرّك.
جود ما ردّت،بس شربت رشفة، وابتسمت، كأنها تعرف إنه فهم،هو اتكأ على الكرسي، وسألها: وش مسوية اليوم؟
قالت: ولا شي…غير إني فكّرت.
تفكّرين؟!قولي قسم!
قالها وهو يضحك، لكنها نظرت له نظرة هادية…ما فيها مزح: فكّرت، وش يعني إن الإنسان يتعوّد على وجود أحد…لين يصير غيابه مزعج، حتى لو ما قاله بصوت.
بدر سكت.
الكلام دخل في صدره بطريقة ما توقعها.
قال بصوت أخفض: تتكلمين عنّي؟
هي نزلت عيونها،ولأول مرّة، كانت جود خجولة.
قالت وهي تعدل جلستها: ما قلت شي.
هو جلس يطالعها، صمت بينهم كان دافي،
بعدين قال: أنا صرت أجي لهالمكان وأحس فيه أمان…بس يمكن السبب مو الجدران.
رفعت نظرها له، وهمست: وأنا…ما أكره الأماكن اللي تكون فيها.
لحظة،نفسهم تعلّق شوي،عيونهم تقابلت، وكل واحد فيهم حس إن الثاني نطق بأكثر من اللي قاله.
بدر قام، مشى عند طاولة القهوة، صب له كوب، وسألها وهو يعطيها نظرة جانبية: جود…وش أنا لك؟
هي ناظرت فيه، مدت يدها وأخذت الكوب منه، بهدوء، كأنها تعترف من غير ما تنطق.
قالت: شي…ما تعلّمت أتخطّاه.
هو سكت،ابتسم، وناظرها، ثم قال بصوته العميق: ذا أول اعتراف منك؟يعني رسمي؟نسجله؟
قالتها بنظرة واثقة، بس فيها حياء جميل: سجّله بقلبك… لو تقدر تحفظه.
بدر ضحك، بس مو ضحكة مزح…ضحكة واحد… صدّق أخيرًا.
الشقة لا زالت هادية، والموسيقى تهمس فـ الزاوية،جود أخذت الكوب من بدر، وشربت منه بهدوء…هو واقف قدامها، بس مو بدر اللي تمزح معه وتتناقر كل شوي.
هذا بدر اللي تناظر فيه وتقول لنفسها: "وشلون كان قريب كذا… وأنا ما قلت شي؟"
هو مشى شوي، جلس جنبها…قريب، بس ما لمسها.
كأن بينه وبينها حذر حلو، خوف من كسر لحظة ما تنعاد.
قال بصوت واطي: جود…
هي ما التفتت، بس عيونها تمعنت بالكوب.
كأنها تشتت نفسها عن الخفق اللي زاد بدون إذن.
هو كمل: أنا ما أعرف وش سويتِ،
بس خليتيني أرجع أفكر مرتين قبل أقول إنك "حبيبتي قدام الناس".
سكت شوي، ثم قال بهمس: يمكن من اليوم…
أنا اللي صرت "أحد الناس قدام حبيبتك"..
جود حركت راسها بخفة، ضحكة صغيرة طلعت،
بس كانت ترتجف من جوّا.
قالت: تدري…أصعب شي إنك تحاول تكون قوي،بس كل ما قربت، تنهز القوة هذي.
هو التفت لها، ناظر ملامحها، وشاف شي ما شافه من قبل.
رِقّة… وكبرياء… وشي يشبه الارتباك الحلو.
مد يده، بهدوء…مو علشان يلمسها،بس علشان يقرّب منها نقطة…ويشوف، هل تسمح له؟
وهي… ما تراجعت،ولا رمشت.
ناظرت له، بعين فيها سؤال: ليش تأخرت؟
وهو رد بنظرة: كنت أستوعب… إنك تستاهلين أكثر من كل الهزل اللي قلته قبل.
قال بصوته العميق، وهو يمرر أصابعه على طرف الطاولة قدامهم: تخيلي كل اللي بينا،يبدأ من الليلة…بس بـ هدوء، بدون صياح ولا وعود كبيرة،بس نظرات، ووقت صادق.
جود التفتت له، عيونها فيها دفا غريب، وقالت:
إذا نويت تبدأ…لا تبدأني كأنك تمشي،ابدأني كأنك واقف.
هو ابتسم، ومرّر أصابعه على يدها، بهدوء…
مجرد لمسة، بس كان فيها: "أنا هنا، وماراح أروح".
وهم كذا…ظلّوا جالسين،بدون كلام زايد،بس كل قلب… يفهم الثاني.
“هو سأل… وهي ما قدرت تكذب”
الحديقة الخلفية – قبيل الفجر
الأرض مبلولة بندى،ورائحة الزرع مخلوطة بنفَس الليل.
الهنوف كانت جالسة على الكرسي الخشبي، شيلتها منزاحة شوي، عيونها على الأرض، وكتوفها مضمومة على نفسها، كأنها خايفة من نفسها.
صوت خطواته ما أعلن نفسه…بس شعورها به، كان أسرع من أي صوت.
وقف عند طرف الطاولة، وسأل بصوت واطي: ليه جيتي بدري؟
رفعت عيونها له، ببطء، وقالت: ما نمت.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:وأنا بعد… يمكن لنفس السبب.
ما ردّت، بس عيونها كانت تقول: "وش السبب؟"
قعد قدامها، ما لمس شي، بس جلس بطريقة تقابل عيونها،وقال، وهو يحاول يكون طبيعي: تفكرين كثير؟
هزّت راسها: يمكن أكثر من اللازم.
قال: وأنا أفكر… فيك.
شهقت، بس خبّتها بين رمشها وسكوتها.
هو كمل: من يوم ما جيتي، وأنا أقول "بنت البر… هالساكتة، وش فيها؟ وش سرّها؟"
بس يوم قعدت معك، وسمعتك، وشفتك تتحملين، وتكابرين، وتضحكين وانتي تعبين…
صرت أقول: لا، هذي مو ساكتة،هذي تصرخ… بس بصمت.
الهنوف عضّت شفتها، وعيونها تغرق شوي شوي.
هو مد يده وسحب ورقة ذابلة من على الطاولة، وبدأ يفتتها بهدوء، كأنه يلهي يده عن رعشة قلبه، وقال: سألت نفسي كثير… وش تشوفين فيني؟أنا مجرد شخص يمرّ… بس كل مرّة أشوفك، أحسني ثابت،ما أتحرك،وإذا تحركت، أتحرك حولك.
رفع عينه وناظرها،بنظره ثابتة ناعسة وقال بصوت أهدأ، أقرب، أصدق: انتي تحسين فيني؟
يعني تحسين إذا جيت؟ إذا رحت؟إذا ناظرتك وسكت، تحسين؟ولا أنا أتوهّم؟
الهنوف فتحت فمها، بس ترددت… بعدين همست: أحس فيك من قبل تجي.
ابتسم. ابتسامة مفجوع عرف الحقيقة: يعني مو بس أنا؟مو بس قلبي اللي يدق إذا شافك؟مو بس أنا اللي… كل مرّة ترفعين عيونك، أنسى اسمي؟
سكتت… ودموعها قربت، بس بعدّتها.
قال، بنبرة مكسورة الحنين: أنا مو جاي أقول كلام يعجبك…ولا أبيك تردين علي بشي،أنا جاي أقول…إني ما قدرت أخبّي أكثر.
ناظرها نظرة صريحة، مليانة رجفة: الهنوف…
وجودك علمني إن السكوت أحيانًا أعلى من الصوت،وإنك إذا مرّيتي على القلب،ما تتركينه زي ما كان.
نزلت دمعة من عينها، وهي تمسحها بسرعة، وتهمس: عبد الرحمن…
قال، بصوت طالع من عمق روحه: عيونههه.
سكتت وهي تنزل رأسها وكأنه سمعت شي بعمرها ماسمعته من حد.
كمل بهدوء: ما أقدر أوصفك،ولا أقدر أختصرك، بس أقدر أقول إن قلبي… ما عاد يعترف إلا فيك.
وقبل لا ترد، قبل لا تعترف، قبل لا تخاف…
صوت انفجر من خلف الشجرة الكبيرة، زي صوت جبل ينهار: لااااا.
استداروا الاثنين، ولقيوا سالم واقف، ملامحه محترقة، ويده مشدودة على طرف الطاولة.
قال بصوت يقطّع:ما راح أسمح لك،ما راح أخليك تاخذها قدّامي،ولا تخطفها منّي… مرتين!
الهنوف قامت بسرعة، وقالت: سالم! لا تدخل…
بس سالم كان خلاص، ما يسمع، قلبه سبق سمعه.
*يتبع.....*