على أطراف خطى البريه - الفصل 26 | روايتك

اسم الرواية: على أطراف خطى البريه
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 26

الفصل 26

الفصل السادس والعشرون: "أعتراف غير مباشر" الصباح هادي، والبيت ساكن إلا من صوت أبريق القهوة وهو يغلّي على النار. الهنوف دخلت المطبخ بخطوات خفيفة، الشيلة نازلة على كتفها، وملامحها تشهد إنها ما نامت زين. كانت ناوية تاخذ فنجانها وتطلع، بس…صوته سبقها: دايمًا تسبقيني. التفتت. كان واقف عند طاولة الحوش، بيده فنجان، ونظراته عليها…هادية، بس فيها شي جديد. شي يبين وما ينوصف. قالت بدون ما تطالع فيه: ما نمت كثير. رد بهدوء: حتى أنا. سكتوا لحظة، كأن الكلام صار شي ثقيل، أو ما عاد له لزوم،هي صبّت فنجان، ووقفت جنب الباب. بس لما شافت إنه جلس وسحب كرسي ثاني، ترددت. جلس ينتظر، ما قال تعالي… بس عيونه كانت تقول،فجلست. بينهم مسافة قصيرة، لكن كأن بين كل واحد فيهم عالم،شرب من فنجانه، وناظر قدّامه، ثم قال بصوت خافت: تعرفين؟ بعض الكلام ما ينقال. رفعت عينها له، باستغراب. كمل، بنفس نبرة الصبح، ناعمة… صادقة: أحيان، نظرة… تكفي. هي التفتت له تبي ترد، لكن يوم شافت عيونه، نسيت الرد. نظرة ثابتة، ما تجرح، ما تكسر، بس تكشف. كأنها تقول أشياء كثيرة… وهو ساكت. هي نزلت نظرها، حركت الفنجان بين يدينها، وقالت بصوت ناعم: وإذا ما كانت النظرة مفهومة؟ ابتسم، وناظر فنجانه، ثم رفع عيونه لها: إذا كانت صادقة… توصّل، حتى لو ما انقالت. نظرتها ارتبكت، ووجهها مال للخجل، بس فيها ضحكة خفيفة… حقيقية. قالت، وهي تناظر الطاولة: بعض الناس… وجودهم يربك. رد، وصوته صار أقرب: والارتباك… مو دايم شي سيء. رجعت تطالعه، ولقته يطالعها،بهدوء، ما فيه استعجال، ولا لعب… بس حضور، يلف القلب بهدوء،كان فيه شي تغيّر. ما قاله، ولا سألته،بس واضح… في لمعة عيونه الناعسة ،وطريقة جلسته، وسكوته اللي صار أدفى من الكلام. صوت خطوات دخلت المطبخ فجأة، وقطعوا اللحظة. نورة. فاتحة الباب بقوة، وعينها تدور في المكان: يعني أنا أقوم على دوشة المطبخ، وألقاكم هنا تقهويون وتصفّون نسمات؟ما شاء الله، الصبح صار مخصص لطق الحنك؟ الهنوف بسرعة وقفت، كأنها انكشفت، وعيونها طاحت في الأرض. عبد الرحمن بقي جالس، فنجانه بيده، ونظراته ثابتة. قال بهدوء: صباح الخير يمه. نورة ما ردّت، راحت تفتش في الأدراج بقوة، واضح فيها الضيق، وقالت:كل شي فوق راسي، والمفروض هالبنت تساعدني، بس طالعة تقهوي معك؟ عبد الرحمن التفت للهنوف، بنظرة تحاول تهدّي رجفتها،ثم قام… وسحب كرسيه للورى شوي، بس ما بعد عنها كثير: يمه، أنا اللي طلبت منها تجلس. نورة رجعت بنظرة سريعة له:أنت؟ وش تبي منها بهالساعة؟ الهنوف وقفت تتلفت، تحس الأرض تحركت من تحتها،وودها تهرب… بس رجولها ثابتة. عبد الرحمن ما غيّر نبرته، ولا تردد، لكنه ناظر لأمه وقال بصوت واثق، هادي، لكن فيه عمق: اللي بيننا مو بس صباح وكلام قهوة،أنا أشوف شي فيها… ما شفته في أحد. نورة جمدت مكانها، عيونها راحت من ولدها للبنت الواقفة،والصمت لفّ المكان، كأنه برقع انشق في لحظة. الهنوف ما قدرت ترفع راسها، قلبها صار يدق وكأن صدرها صغير عليه. عبد الرحمن لفّ بصره للهنوف وقال: كنت أحاول أفهم نفسي، بس الحين عرفت…فيه وجود إذا غاب، يتركك ناقص. نورة بصوتها العالي: ما فهمت شي، تتكلمون بلغز؟ وش اللي شايفه فيها؟ هو، بنبرة أهدأ من العاصفة، بس أصدق من كل وضوح: شايف إنها تردّ الروح، من غير لا تحاول. سكت، وبعدين أضاف وهو يطالعها من طرف عينه: ويمكن… أكثر من كذا، بس ما يحتاج نقول كل شي. الهنوف حسّت صدرها ضاق واتسع في نفس اللحظة،صوت أمه ما عاد يوصل،ولا حتى خطواتها وهي تمشي وتقول شيء عن الغداء. كل اللي سمعته…"شايف إنها تردّ الروح". ولأول مرّة،تحس إن أحد شافها…بصدق. بعد ما طلعت نورة من المطبخ،وهي نظراتها تتواعد الهنوف. الهنوف ظلت واقفة مكانها، قلبها يضرب بخوف وفرح، ولا تقدر حتى تناظر فيه. هو ما قال شي بعدها…بس قام بهدوء، صبّ لها فنجان، وقرّبه عند طرف الطاولة. قال بصوته الخافت: ما عليك… خذيه. نظرت للفنجان، ثم له. كان يطالعها بنظرة ثابتة، دافئة، فيها كل شي… بس ما فيها ولا كلمة. هي مدّت يدها، وخذت الفنجان،أصابعهم ما لمست بعض، لكن حرارة قربه… وصلت. طلعت من المطبخ، بخطى سريعة. تخاف تبين نظرتها، أو يرجف صوتها، أو يشوف ابتسامتها اللي ما قدرت تكتمها. --- الملحق – الليل الهدوء يعم المكان، والستارة تتحرك مع المروحة،بس الهنوف ما قدرت تنام. تقلبت، غطت وجهها، قامت وجلست، رجعت تمددت… بس عيونها ترفض تغمض. تذكّرت صوته، يوم قال: "شايف إنها تردّ الروح، من غير لا تحاول…يمكن… أكثر من كذا، بس ما يحتاج نقول كل شي." لمست قلبها بيدها، كأنها تبي تهديه،بس هو كان يركض كأنه سمع اعتراف ما يتحمله. هل كان يقصدها؟هي حسّت فيه، من يوم طالعها أول مرّة بنظرة ما تشبه نظرة أحد،ومن يوم صار يجلس جنبها، بدون سبب واضح،ومن سكوته…ومن الكرسي اللي دايم يسحبه جنبها، بدون دعوة. غطت وجهها بالشيلة، وهمست لنفسها: لو كان صدق…ما راح أقدر أهرب. --- غرفة عبد الرحمن – آخر الليل كان راكع، ساجد، يطوّل بصلاته،كأنها refuge من كل شي داخله. بعد ما خلص، جلس على سجادته، مدّ يده لكأس موية، شرب بهدوء،ثم رفع يده بالدعاء. صوته كان ناعم… مو عالي، بس صادق: يا رب…سخّر لي الخير، واختر لي من بين كل هالدنيا، اللي تردّ فيني روحي. سكت،ابتسم. ثم قال، وهمسته تطلع كأنها جزء من تنفّسه: أيه… يمكن هي. وابتسامته توسعت شوي، وكأن قلبه لأول مرة يهدأ. *يتبع.....*