على أطراف خطى البريه - الفصل 25 | روايتك

اسم الرواية: على أطراف خطى البريه
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 25

الفصل 25

الفصل الخامس والعشرون: "وقت الفجر، وانكشاف الغبار" الرياض – الحديقة الخلفية، الساعة ٥:١٢ فجراً النسيم بارد، يحاكي سكون المدينة قبل صحوتها. والضوء الفجراني ناثر نفسه على أطراف الحوش الخلفي، يلامس الورد والزعفران اللي زرعتهم الجدة حصة بيدينها قبل كم سنة. الهنوف كانت جالسة على الكرسي الخشبي اللي دايم تلجأ له إذا خانها صدر البيت. لابسة شيلة خفيفة فوق راسها، وعينها تلاحق حركة ورق الشجر، لكن قلبها… يركض بعيد، حيث ظل سالم ما يفارق بالها. حست بخطوات وراها، خفيفة، ما فيها تهديد… لكن فيها هيبة. استدارت ببطء…وشافت عبد الرحمن واقف وراها، يده بجيبه، وابتسامة هادئة على طرف فمه. قال بصوته المعتاد، النصف نجدي، نصف حجازي: كل يوم تسبقين الشمس يا الهنوف؟ ردّت وهي تحاول تتحاشى عيونه: المكان أهدأ بالفجر… يخلّي الواحد يسمع نفسه. قرب منها شوي، جلس على طرف الطاولة اللي جنبها، وسأل بنبرة فيها جدية مغطّاة بهدوء: تحسين إنك بخطر؟ ناظرت فيه، وفي عيونها ذعر محبوس: أنا… أنا شفت شي. بس ماني متأكدة إذا لازم أقوله. عبد الرحمن رفع حاجبه وقال وهو يبتسم بخفة: لو تبين أسمع، أنا موجود. سكتت لحظة، ثم قالت: الرجال اللي يشتغل عندنا… سالم. ابتسم عبد الرحمن، وكأنه سمع شي قديم: سالم؟ تعرفين إنه خويي من كنا بزران؟ شهقت الهنوف بخفة: إنت؟ تعرفه؟ كنتوا صحاب؟ عبد الرحمن: كنا نلعب سوى، نسرح نطارد الغنم ونسبح بالساقية، كان طيب، رزين، ويضحك دايم. الهنوف هزّت راسها ببطء، وقالت: ما عاد فيه شي من هالكلام، الرجال هذا… هو شرارة اللي حصل لقبيلتي. عبد الرحمن نظر لها فجأة، واختفت ابتسامته: وش تقصدين؟ الهنوف بعيونها المليانة خوف، حكت له بصوت منخفض، تتكلم وهي تطالع الأرض: يوم الهجوم صار على ديرتنا، كنت شايفة رجال ملامحه ما راحت عن بالي… كان سالم. شفته وهو يتعدى حدود قبيلة سهول،شافني وأنا مصدومه، بس ما صدق أحدني يوم حاولت أقول. عبد الرحمن شد على يد الكرسي، وهمس: معقولة؟ سالم؟! لكن ليه ما قلتي لي قبل؟ الهنوف بنبرة فيها ألم: ظنيت يمكن أني غلطانة، بس من شفته هنا… قلبي صاح. وصوته، خطواته، حتى عيونه… نفس اللي وقفت فيها دموعي. سكتوا لحظة. نظراتهم تشابكت. هي تبغى تفهم إذا كانت بأمان، وهو يبغى يفهم ليه الزمن يحطهم بهالموقف. عبد الرحمن قال وهو يطالعها بنظرة مزيج بين إعجاب وأسى: يمكن الدنيا تغيرت، ويمكن إحنا بعد تغيرنا،بس الشي الوحيد اللي ودي أضمنه… إنك ما تبقين لحالك مع الخوف. نزلت عيونها، بس خدودها احمرّت خفيف. رفعت راسها، وقالت بابتسامة قصيرة: وأنا ودي أصدق إنك ما تشبهه… وإن الطيب ما راح من الدنيا. ابتسم عبد الرحمن بهدوء، وهمس: جربي. وفي لحظة، سكون الفجر اتكسر… من بعيد، عند سور الحديقة الخلفي، خلف شجرة النخل سالم كان واقف، عيونه تصب نيران، يناظرهم من مسافة، كأنه ذئب يشوف فريسته تُخطف من بين أنيابه. شد فكه، وتراجع للخلف، همس بصوت مبحوح: ما راح أسمح لشي يضيع مني مرتين. الحديقة الخلفية – بعد دقائق من صمت الحديث السابق النسيم لا زال يمرّ بهدوء، وشعاع الشمس بدأ يلامس أطراف الزرع. عبد الرحمن كان لسه يناظر، لكنه حرك الكرسي الثاني وسحب نفسه وجلس جنبهّا. قريب… بس بهدوء يحفظ المسافة. ناظرها مطوّل، وهي سكتت، بس ما بعدت عينها. السكوت بينهم ما كان ثقيل، لا… كان زي الماي الدافي، يلفّ القلب بلطافة. عبد الرحمن بنبرة خفيفة، وهو يطالع السماء الرمادية: الهنوف… انتي تعرفين شي عن الحب؟ التفتت له بسرعة، عيونها فيها استغراب، وضحكة صغيرة: وش قصدك؟ ليه تسأل؟ هو ما التفت لها، بس ابتسامته توسعت شوي، وقال بصوت مستهزئ، بس فيه لمعة خجل: لا… ما أقصد شي، بس يعني…فيه بنت، من الجامعة…شدّتني، عاجبتني،بس مدري وشلون أقرّب منها، ولا كيف أوقعها بشباكي زي ما يقولون. الهنوف رمشت بسرعة، وعيونها نزلت، حاولت تخفي الضيقة اللي لمعت بداخلها فجأة، لكنها رفعت حاجبها وضحكت بخفة: وأنا شعرفني؟ أنا حتى ما قد جربت الحب، ولا عرفت له طريق. عبد الرحمن التفت لها كامل، وناظرها مباشرة، ابتسامته خفيفة… لكن عينه تقول شي أعمق. قال بنغمة ناعمة، ونص حجازي نص نجدي: أُفًّا! ما تعرفين؟! الهنوف ابتسمت، بس بسرعة اختفت الابتسامة…ناظرت فيه، وصوتها صار أهدأ، وأقرب: لو عرفت…كان قلت لك. للحظة…سكتوا. كل شي حولهم كأنه اختفى. الجو، الشجر، وحتى همسات الطيور، تراجعت شوي. نظراتهم التقت…هو يطالعها كأنها شي ما ينوصف، وهي عيونها تهرب بس ترجع له بدون ما تدري. يدها كانت على الطاولة، ويده قريبة منها، بس ما لمسها،قرب إصبعه شوي…ما لمس، بس يكفي قربه علشان قلبها يدق، وتشدّ نفس الشيلة على كتفها. هو تنفس وقال بهدوء: أحيان الواحد ما يحتاج يسمع "أحبك"،يكفي يشوفها بنظراته. الهنوف تمتمت، بصوت ما ينوصف: وانت نظرتك…ما تخلي مجال للنكران. ضحك بخفة، وقال: لا تحرجيني، لحين أرجع أقولك إن البنت ما تدري إني أحبها… الهنوف رمقته من طرف عينها وقالت وهي تضحك: وأنت متأكد إنك تحب؟ ولا بس تحاول تختبر؟ قال: إذا عيوني كذبت، علّمني وش اللي يصدق. ضحكت، ولفت وجهها عنه، تحاول تخفي الخجل،وهو ما تكلم بعدها، بس جلس يطالعها…نظرة طويلة، ساكنة… فيها كل الإجابات اللي ما قالها. [ردة فعل سالم – من بعيد] سالم كان واقف، بعيد عنهم، ورا سور الحديقة، متخفي بين ظل الجدار والنخلة اللي جنب الممر. شافها تبتسم له، وشافه يقرب منها، وشاف… النظرات،مو محتاج يسمع… يكفيه يشوف. عيونه توسعت، وعض على شفته من القهر. صوت داخله، جافّ، ناخر: "هذي كانت لي… أو المفروض تكون." شد شماغه، ولعن تحت أنفاسه: خذوا مني كل شي… واللي باقي، بيخذونه بعد؟! ضرب الجدار بكفه، وهو يهمس بغيظ: لا يا عبد الرحمن… ما راح أخلّيك تكسبها بسهولة. ثم اختفى في ظل الجدار، بس قلبه مشى وهو يغلي… "ما راح أسمح لشي يضيع مني مرتين." --- [الملحق – الهنوف وحدها] الليل نزل، والهواء ساكن. الملحق هادي، بس الهنوف ما تنام. تتقلب، تعض شفتها، وعيونها تلمع في الظلمة. تحط يدها على قلبها، كأنه يدوّر طريقة يهدأ فيها. "وش يقصد؟ وش يعني؟ كان يضحك؟ ولا..." تتذكر نظرته، وصوته، وابتسامته اللي ما قدرت تنساها ."البنت اللي من الجامعة…" قالها كأنها لعبة، بس في صوته شي ثاني. همست لنفسها، وهي تلف وجهها للحيط: وأنا… وش أكون؟ ثم سكتت… ونزلت دمعة خفيفة على خدها، وهي تحاول تتنفس بصعوبة، كأن قلبها ثقيل. رفعت الشيلة، وغطّت وجهها. بس ما قدرت تهرب من فكرة إنه…"قريب." قريب منها، بكلامه… وبنظرته. [غرفة عبد الرحمن – بعد الفجر] عبد الرحمن فرش سجادته، وأتم صلاته بهدوء. ركع، وسجد، ثم جلس يدعي. صوته خافت، بس فيه دفء خاص. "اللهم إنك تعلم ما في قلبي…" أنهى دعاءه، ومسح وجهه بكفه. بقى جالس، عيونه مسكرة، وابتسامة على طرف شفته. ثم فتح عيونه، وناظر السقف، كأن بينه وبين ربه سرّ، وهمس: أي، يا رب… أنا أحبها. قالها وكأنها اعتراف أول الحب،ما فيه تردد، ولا محاولة إنكار. بس فيه خوف ناعم…وإيمان إن الله سامع. *يتبع.....*