الفصل 24
الفصل الرابع والعشرون: "عين ما تنام"
الرياض – داخل البيت، الساعة 1:44 صباحًا
الصمت يلفّ المكان، وكل الغرف ساكنة كأنها تنفّست ووقفت.
لكن عبد الرحمن؟ما كان نايم.
واقف عند شباك غرفته، ثوبه مفكوك من عند الرقبة، وشماغه مرمي على الكرسي.
يحمل كوب قهوة ما برد، بس ما شرب منه شي.
عينه تسرح على الظلام برا…وتوقّفت فجأة على زاوية الحوش الخلفي.
شاف ظلين.
ما قدر يميز ملامحهم، بس وقفتهم… حركة اليد… طريقة الرجوع… كلّها كانت تقول إن فيه شي مو عادي صار.
شرب من الكوب، بدون لا يبعد نظره همس: أرجع؟ … أو لسا؟
رجع لكرسيه، جلس، وفتح درج الطاولة الصغيرة.
أخذ ظرف بني، قديم، داخله صورة باهتة… صورة ولد واقف جنب بعير، وولد يضحك وهو يمسك زمام الحبل.
الصورة كانت قديمة، بس العيون نفسها.
نفس اللي شافها قبل شوي، في الظل.
سالم.
ضغط على الصورة بين أصابعه، وهمس: يا حيّ يا ميت… ما تطلع فجأة كذا.
---
الصباح – غرفة الجدة حصة
الجدة تصب القهوة وتقرأ وردها، لكن يدها وقفت فجأة.
رفعت راسها، نظرت صوب الباب، وقالت لنفسها: فيه شي تحرّك… والهواء تبدّل.
دخلت عليها الهنوف، وجهها شاحب، لكن ساكتة.
حصة لمّت عيونها عليها وقالت: قولي لي… شفتِ شبح، ولا إنسان؟
الهنوف ما ردّت، بس نظرتها كانت مليانة.
قالت الجدة وهي تقرّب فنجان القهوة لها: الأرواح ما تطيح فجأة، إلا إذا شيّالها رجع.
الهنوف تأكدت من يلي شافته بالليل ماكان وهم،هو حقيقي،رجع.......عشان يطالعها بنفس نظرات يلي كانت بالبر،والخوف؟صار أكبر..وأكبر
---
الدوام – مكتب عبد الرحمن، بعد الظهر
جالس على مكتبه، يتابع مشاريع ما تنتهي، لكن عقله… مو هنا.
عيونه كانت تطالع الشاشة، بس فكره رجع لليلة البارح.
دخل عليه بدر، متأفف: شفت وجهها؟ منسدح مثل الورق، كأنها شافت عفريت.
عبد الرحمن لفّ عليه بهدوء: منو؟
بدر بسخرية : في غيرها يعني الشغّالة… الهنوف،قابلتها عند المطبخ الصبح، ما ردّت علي يوم طلبتها تجيب قهوة.
عبد الرحمن سكت شوي، ثم قال: ماتقول عليها شغالة،هي بنت عمك وبتبقى كذا،بعدين .....يمكن شافت شي… تعرف البرّ ما ينسى ماضيه، حتى لو دفنوه تحت ألف مبنى.
بدر ضحك ساخر: يا رجال، يمكن حلمت حلم، وقامت تتخيّل.
عبد الرحمن ابتسم ابتسامة ما توصل عيونه، ثم تمتم: لا يا بدر… فيه شي رجع، وأظنّه مو جاي يسكت.
---
الرياض – شارع قدام بيت جاسم، العصر
سالم طالع من عمارة، ماسك بيده حقيبة صغيرة، ويدور على شغل.
وقف قدام بيت كبير، الباب مفتوح، والناس داخلة طالعة.
شاف رجالٍ كبير، قاعد قدام البيت على كرسي، لابس ثوبٍ نظيف وغطى راسه شماغ بطريقة تقليدية، وجهه فيه وقار وحزم.
هالرجّال هو جاسم.
سالم قرر يوقف عنده، ونطق بصوت ودي: السلام عليكم يا عم جاسم.
جاسم رفع راسه ونظر له ببطء،بعدها تفاجأ من يلي شافه،بس حب أنه يسوي نفسه مايعرفه ثم رد: وعليكم السلام، يا ولدي. وش جابك لهنا؟
سالم بابتسامة مرّة: والله يا عم، جاي أدور شغل. سمعت إنك ممكن تحتاج لبواب أو حد يراقب الدار.
جاسم عبس شوي، وقال بنبرة حازمة: الله يسهل. بس يا ولدي، الشغل عندنا مو سهل، واللي يشتغل لازم يكون أمين وحريص.
سالم بحزم: أبشر، يا عم. أنا قديم بالموضوع، وما أحب المشاكل.
جاسم حب يسأله،عشان يتأكد ناظر فيه بتردد، وسأل: أنت من وين؟
سالم بتردد بسيط: من البر، بس عشت بالمدينة فترة.
جاسم تأكد من شكّه،بس أردف وقال وهو يضحك بخفة: الله يحييك. البر والمدينة، الحين صارت الدنيا صغيرة.
سالم: افاا يعم ماذكرتني، يعني ما أحد من الناس هنا إلا عبد الرحمن.؟
جاسم، بحزم: أي عرفتك من أول ماجيت،بس حبيت اتأكد ،وعبد الرحمن ولدي، وانا واثق فيه. بس لازم تثبت نفسك، يا ولدي. ما أبغى مشاكل ولا أحد يحس إننا جايين نسوي خراب.
سالم ابتسم بخفة: على الله، ما بتندم.
جاسم وقف وقال: تعال بكرة الصبح، تبتدي دوامك. وانتبه، الشغل مو بس مراقبة، أنت عيننا على الدار.
سالم مشى، وقبل لا يبعد، قال: الله يحفظكم، وأنا ما راح أخذلكم.
---
بعدها، عبد الرحمن دخل مكتب أبوه جاسم، ويسولفون عن سالم.
عبد الرحمن: أبوي، سالم رجع لنا يعني خلاص اشتغل بواب عندنا.
جاسم: حذرته، بس من زمان ما شفت فيه هالهدوء.
عبد الرحمن: هو الوحيد اللي أعرفه من زمان. وبيني وبينه ماضي ما نقدر ننساه.
جاسم: لا تنسى، الوضع حساس. لازم نراقب تحركاته.
عبد الرحمن: وأنا مستعد.
الرياض – بوابة العمارة، العصر
العمارة هادئة، والناس تمرّ في الشارع دون اهتمام بالغريب اللي وقف عند البوابة.
رجل طويل القامة، ثوبه مرتب، لكن وجهه مشحون بذكريات ثقيلة.
هذا هو سالم،صار بواب العمارة.
وظيفته؟ مراقبة يلي داخل ويلي خارج.
لكن الكل هنا ما يعرفه، ولا يعرفون من هو… إلا واحد.
داخل المكتب الصغير عند البوابة، ظهر عبد الرحمن فجأة.
لما شاف سالم، تعلّق نظره فيه لحظة، وكأن الزمن رجع بهم لعصر آخر.
سالم التفت ببطء، وبصوته الخشن قال: عبد الرحمن… ما توقعت أشوفك هنا.
عبد الرحمن بابتسامة باهتة: ما توقعتك بواب، لكن الدنيا غريبة.
سالم هز راسه: الحياة علمتنا نرتب أوراقنا بأي طريقة… المهم ما ننسى أصلنا.
عبد الرحمن نظر حواليه، ثم قال بنبرة منخفضة: شفتك من بعيد أمس، كنت واقف عند الحوش الخلفي… وش السالفة؟
سالم نظر له، عيونه ملتهبة، لكنه رد بحذر: أحيانا الماضي يطرق الباب، وأنت مجبور تفتح.
عبد الرحمن قرب من النافذة، وهمس: تدري إن فيه ناس تتساءل عنك… وأغلبهم ما يعرفون إنك هنا.
سالم بمرارة: ما جاي أظهر نفسي لهم،بس أنت… صديقي القديم. لازم تعرف… الوضع معقد أكثر مما تتصور.
عبد الرحمن بفضول: قاعد أسمع وأتوقع قصص أكثر من اللي أنت تبي تحكيه.
سالم ابتسم ابتسامة حزن، ثم قال: أنت الوحيد اللي يعرفني، وأنت الوحيد اللي لازم يكون معي لما الأمور تشتعل.
عبد الرحمن بتثاقل: يعني… الوضع صار بيننا وبينهم؟
سالم: بالضبط.
وطول الحوار،وعبد الرحمن عرف مقصد سالم"الهنوف"
ــــــــــــــــــــــــــــ
داخل العمارة – الممر
الهنوف تمشي بخطوات مترددة، تحس بعيون تراقبها من كل زاوية.
تمرّ من قدام بوابة العمارة، تتوقف للحظة، ثم تحس بيد تمسك ذراعها من الخلف.
دارت بسرعة، ووجها يصطدم بوجه سالم.
قالت بصرخة مكتومة: لاتلمسني
قال بصوت منخفض: ما كنت ناوي أضايقك… بس لازم تعرفين إنك مو لوحدك.
الهنوف بنظرة مليانة خوف وغضب: لا أعرفك، ولا أبي أعرفك.
سالم: عبد الرحمن هو اللي يعرفني، وأنا هنا… لأسباب أكثر مما تتصورين.
الهنوف تنسحب، وتقول بصوت متقطع: خذ طريقك… وأنا لي طريقي.
سالم وقف مكانه، وعيونه تقفل على ظهرها وهي تبتعد.
--
مكتب عبد الرحمن – المساء
عبد الرحمن قاعد، يفكر، ويناظر لصورة قديمة في يده، جواله رن.
رد بصوت متعب: هاا
رد بصوت عفوي: يهلا شحالك؟
عبد الرحمن بأبتسامة: يهلا يافيصل،والله زين والأمور زينة الحمدلله.
فيصل بملل: يخخي أنت وينك،ماشفتك في الجامعة اليوم،بحث عنك ألا وأدري أنك أردفت بسيارتك ومشيت؟
عبد الرحمن: أستعجلت شوي وكذا.
وكلام يجر كلام ألين مانام على مكتبه بهدوء.
*يتبع.......*