الفصل 22
بسم الله الرحمن الرحيم.
استغفر الله العظيم من كل ذنب أذنبته.
*للكاتبة فرح فواز🖋️📚*
〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️
الفصل الثاني والعشرون: "دخول الماضي الأليم"
الرياض – أطراف المدينة، الساعة 10:15 صباحًا
الجو كان غبار خفيف، والشمس بدأت تعلو، لكنها للحين ما وصلت حرّها المعتاد.
السيارة تمشي بهدوء على الخط، سوداء اللون، تلمع تحت نور النهار.
السواق لابس ثوب نظيف ناصع، مشدود على جسم طويل عريض، وشماغ أحمر مربّع مربوط برتبة وكأنّه داخل على مجلس أو معركة، ما يفرق.
وجهه فيه ندبة على طرف الحاجب، وعينه اليمنى فيها بقايا كدمة راحت مع الوقت… بس نظراته؟ ما راحت منها القسوة ولا الحذر.
كان يضغط على الطارة بإصبعه، وكل شوي يرفع عينه للمراية، وكأنّه يراقب نفسه أكثر من الطريق.
سالم بن راشد… حي.
بعد ما الكل حسبه مات مع اللي انقتلوا في الهجوم على ديار قبيلة الهنوف،
اختفى عن العيون، بس قلبه؟
ما فارق صورة وحده…الهنوف.
شافها قبل شهر، لمحة سريعة من شباك السيارة وهي تطلع من بوابة مرفق الرياض.
ومن وقتها، قلبه ما هدأ.
همس لنفسه بصوت مبحوح: يا الهنوف… ما تركتك يوم، ولا ناوي أتركك الحين.
فتح درج سيارته، صورة باهتة لها محفوظة من قبل،كانت تضحك فيها وهي مع مجموعة من الرعيان.
غمض عيونه لحظة، ثم قال: إذا بعيش… بعيش واللي لي يرجع لي. وإذا بواجه… فبواجه كلّهم، عشانك.
السيارة انعطفت يمين، ودخلت أحد أحياء الرياض الجديدة.
كان يعرف من رجال قبيلته إن بيت عمّها قريب من هالمنطقة…
بس هو ما ناوي يطق الباب ويسأل،ناوي يراقب…يقرّب بهدوء…ثم ياخذ قراره.
بس اللي ما يدريه سالم،إن دخوله للرياض…
بيفتح باب ماضي، وصدمة… وجمر تحت رماد، ما بعد برد.
الجدة حصة دخلت من المطبخ وهي ماسكة صحن تمر، تمدّ لها الصحن،قالت لها بصوت هادئ: كلي شوي،شوفي شلون وجهك شاحب يا بنيتي.
الهنوف ابتسمت بخفة، ومدّت يدها للتمر، لكنها قبل لا تلمسه…وقفت يدها في النص.
صمت،نظرت للجدة، ثم للباب…
كأن قلبها التقط صوت ما انقال، أو حسّ بشي مو واضح.
الجدة انتبهت لشرودها: وش فيك؟
الهنوف تمتمت: ما أدري… بس كأن أحد يراقبني.
الجدة شاحت بصرها للباب: منو؟ ما أحد دخل ولا أحد طقّ الباب.
الهنوف هزّت راسها: مو بالضرورة أحد دخل… بس حسيت.
الجدة سكّت شوي، ثم قالت بصوت هادي: بعض الأرواح تعرف الأرواح اللي تمّت معلّقة فيها… حتى لو غابت، تردّ تحوم حولها.
الهنوف غمضت عيونها، وداخلها شعور ثقيل…
فيه شي جاي… ومهو سهل.
--------------
الرياض – الحي نفسه، زاوية الشارع:
سالم كان واقف عند محل تموينات قديم، يناظر من خلف الزجاج الناس تمرّ.
شاف رجال كبير يوقف سيارة توصيل، ويبدأ ينزل أغراض.
ركب سيارته، ومشى ببطء، لين وقف قريب من عمارة لها شرفات ضيقة، وعلم فوق الباب محفور فيه اسم العائلة: "الفلاني"
شدّ على الطارة، وقال بصوت منخفض: هنا…؟ والله لو كنت هنا، يا الهنوف… ما بيني وبينك إلا خطوة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
المطبخ – ظهر اليوم:
الهنوف كانت تقطع خضار على الطاولة، صوت السكين يقطع بشكل منتظم، لكن عينيها ما كانت على القطع، كانت مركزة بشي أكبر.
دخل بدر فجأة، قاعد على الكرسي قدامها، نظراته قاسية، وكأنه يوزن كل كلمة حتقولها.
قال وهو يتنهد: ما توقعت ألقاك هنا، بعد كل اللي صار.
رفعت رأسها، نظرت له مباشرة، بدون تردد: ليه دخلت؟ هذا المطبخ ما فيه مكان للطقطقة.
ابتسم ابتسامة مُرة، بس فيها تحدي: أنتِ تعرفين إنك تروحين من هنا، ولا نقدر نكمل كذا.
تركت السكين، وقفت بطولها، قالت: أنا ما جايه أتكلم معاك، ولا مع أحد. جايه أشتغل وأعيش حياتي.
بدر وقف، مشى صوب الطاولة، قرب منها أكثر: الحياة اللي تفكرين فيها؟ الحياة اللي تهربين منها؟
نظرت له بحدة: هربت عشان أعيش، مو عشان أندمج في عالم ما لي فيه.
سكت بدر شوي، كأنه يفكر، وبعدين قال: بس يوم ترجعين، لازم تواجهين، سواء معانا أو مع نفسك.
الهنوف ردت ببرودة: أنا ما أحتاج نصايح من واحد ما يعرفني ولا يعرف شنو مر عليّ.
الصمت لحظة، بعدها بدر قال بصوت منخفض لكنه قاطع: يمكن ما أعرفك، بس أعرف إنك ما تقدر تمسكي شي بدون ما تحطين فيه روحك كلها.
ابتسمت ابتسامة قصيرة: وهذا سبب إني ما أقدر أسمح لك أو لأي حد يقرر لي.
وقف بدر، وخذ نفس عميق: لا أبي أكون عدوك، بس ما أقدر أسكت.
الهنوف نظرت له، وقالت: وأنا ما أبيك تكون خويي بس لازم تعرف، أنا هنا… بس لسبب واحد: أني أجيت لأهلي،عشان أكون قوية، وما أتراجع،حتى لو كنت ماأنشاف.
ناظر فيها بنظرة مختلفة نوعاً ما،وأنسحب بدون مايرد لها بكلمة.
*يتبع......*