على أطراف خطى البريه - الفصل 21 | روايتك

اسم الرواية: على أطراف خطى البريه
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 21

الفصل 21

بسم الله الرحمن الرحيم. استغفر الله العظيم من كل ذنب أذنبته. *للكاتبة فرح فواز🖋️📚* 〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️ الفصل الحادي والعشرون: "وابتدا يدفى البرد" الساعة قرابة الواحدة صباحا: الغرفة كانت ساكنة، والظلمة تغطّي كل الزوايا إلا ذاك الركن اللي فيه سجادة صلاة مفروشة، وعبد الرحمن ساجد عليها. كان يصلي قيام الليل، مثل كل مرة يحاول يصفّي قلبه، بس الليلة… كان فيه شعور مختلف. بعد ما سلّم، جلس مكانه، يديه على ركبته، ووجهه مرفوع شوي للسماء. ابتسم، ابتسامة ما يعرف لها سبب واضح، بس فيها طمأنينة. كان صوته داخلي وهو يدعي…لكن، بدون ما ينتبه، طلع اسمها. "اللهم فرّج عن الهنوف، ووسّع صدرها، وقرّب لها اللي فيه خير لها…" سكت، وبعدها ابتسم أكثر،ألين بينت أسنانه. كأنّه تفاجأ من نفسه، بس ما ندم. كان يدري إنها طيبة، وكلامها الليلة لمس شي ما يعرف يشرحه. "أحد يفهمني بدون ما أشرح، ويصدقني حتى لو سكت." رجع صوتها في ذهنه، صافي، بسيط… حقيقي. تنهد، وقال بهمس: يارب، خلها تلقى أحد يشوفها مثل ما تستحق. وسكت لحظة… ثم همس بصوت أهدأ: وإذا كنت أنا… فاجعلني قدّها. قام بعدها، وطوى السجادة، وقلبه مرتاح، كأن شي داخله بدأ يلتئم. ________________ الصباح – المطبخ الضوء كان ذهبي، يتسرّب من شبابيك المطبخ، وريحة القهوة تمشي في البيت. الهنوف كانت واقفة قدام الطاولة، لافّة شالها الطويل، وتحاول تقطّع الخضار بهدوء. سمعت خطوات وراها. ما التفتت، لكن توقعتها من الخفّة. "وش تطبخين؟" صوته كان قريب، دافي، فيه نغمة جديدة ما قد سمعتها منه. رفعت راسها، لمّحت عبد الرحمن واقف عند الباب، لابس ثوب نظيف، شعره مرتب، وابتسامة خفيفة على وجهه. ما فيها مزح، ولا رسميّة… بس كأنّه مبسوط يشوفها هنا. قالت بابتسامة هادئة، وهي تكمّل تقطيعها: غداء بدري، دجاج وخضار. قال وهو يقرب شوي، بس وقف عند الثلاجة: تدرين؟ حسيت اليوم إن الجو يفتح النفس… حتى الطبخ له طعم ثاني. نظرت له، نظرة قصيرة لكنها دافئة،قالت: الجو ما تغيّر… يمكن اللي فينا تغيّر. ابتسم، ابتسامة عرف فيها إنه فعلاً تغيّر. ما صار يشوفها نقطة ضعف مثل ماكان يشوفها اول يوم وصلت للبيت،صار يشوفها… راحة. قال وهو يفتح الثلاجة: تبيني أساعدك؟ ولا أخربها؟ ضحكت بخفة، وقالت: إذا بتقشّر بطاطس بدون لا تذبح نفسك، تفضل. مد يده وأخذ السكين، وجلس جنبها على الطاولة،وكان أول صباح… يطبخون فيه سوا، بدون ما يقول أحدهم أي كلمة كبيرة، لكن كل شي فيهم قال: "بدينا نرتاح." مرّت دقائق وهم يشتغلون بهدوء، سكينة تقطع، وسكينة تقشّر. لكنه كان يسمع في قلبه صوت غير صوت المطبخ… صوتها، يوم قالت بصوت متكسر: أحيانًا، أحسّ إني غريبة حتى وأنا وسط الناس اللي أعرفهم. لفّت عليه بعينها، كأنها حست بالسكوت الغريب. قال وهو ما يرفع راسه من البطاطس: صرت أفهمك أكثر من أول… ويمكن أكثر من اللي حولك. نظرتها له كانت طويلة هالمرة، ما فيها استغراب، بس كأنها تقرا شي بين سطوره. قالت بهدوء: وأنا بعد… صرت ما أحتاج أشرح، مدري كيف، بس كأنك صرت تسمع الأشياء اللي ما تنقال. ابتسم، ويده مستمرة تقشّر، بس قلبه؟كان من زمان ما حسّ بشي حي كذا. ردّ بعد لحظة: بعض الناس يدخلون حياتك ما تدري ليه، بس يصير وجودهم مثل الضوء… ما تصيح له، بس إذا اختفى، تفتقده بدون ما تقول. صمت… هي ما ردّت، لكن يدها وقفت عن التقطيع شوي، كأن الكلام دخل قلبها بدون استئذان. رجعت تشتغل، لكن المطبخ صار أهدأ. مو لأنهم ما يتكلمون، بس لأن كل شي بينهم صار… واضح بدون كلام. مرت الشيخة حصة عند باب المطبخ، شافتهم، وابتسمت ابتسامة صغيرة. قالت وهي تمشي: الحمد لله… حتى البيوت، تطيب لما القلوب تتصافى. ما علّق أحدهم، بس عبد الرحمن نظر للهنوف، وقال بنظراته: "أنا هنا، ولا ناوي أختفي." كانت الأمور ماشية بسلاسة… ضحكة خفيفة، حركة يدين، وكأن المطبخ لأول مرة يحس بنبض عائلة. لكن فجأة… انفتح باب المطبخ بقوة: "وش ذا اللي أشوفه؟! صوت نورة، أم عبد الرحمن، قطع اللحظة مثل سكين تنغرز في قلب هدوءهم. الهنوف رفعت راسها بسرعة، وعبد الرحمن وقف ببطء وهو لا زال ماسك سكين البطاطس. نورة دخلت بخطاها السريعة، ووجهها مشدود: يا بنت، وشلون تسمحين له؟! عبد الرحمن ولدنا، مو شغّال عندك! يقشر بطاط؟! وش بقى؟!يطبخ الأكل وانت رجل على رجل شرايك؟ الهنوف فتحت فمها بتردد تبغى ترد، بس الكلمات وقفت بحلقها، مو من خوف… من قهر. لكن قبل لا تطلع منها كلمة،عبد الرحمن قال بصوت ثابت: أنا اللي قلت لها إني بقشر. نورة انصدمت شوي، وبان التردد بعينها، لكنها بسرعة رفعت حاجبها: وانت بعد! لهالدرجة صرت ما تفرّق بين مكانك ومكانها؟ بنت جايه من برا، تقعد تسوي نفسها هادية، وانت تطيح بيدها! الهنوف طأطأت رأسها للحظة، بس ما كانت مكسورة،كانت تمسك نفسها… لا تنفجر. لكن قبل لا تتكلم، سمعوا خطوات الجدة "حصّة"، تدخل وهي حاطة شالها على كتفها، ونظرتها ثاقبة: وش السالفة؟ ردّت نورة بسرعة: الهنوف مو عاجبها شي، الحين قامت تخلي عبد الرحمن يقشر بطاط، تبغاه يشتغل عندها؟ الجدة رفعت يدها، بإشارة خفيفة: بس يا نورة… ما شفنا بنت طغت، ولا ولد انذل، الولد بخاطره يساعد، والبنت ما قالت شي. سكتت نورة، لكن نظرتها راحت مباشرة للهنوف، نظرة ما فيها إلا شيء واحد: أنتِ ما تستحقين تكونين هنا. الهنوف حسّت فيها، وعرفت إن هالبيت فيه ناس تشبه الدفا… وناس تبغى تطفّيه. بس يوم رفعت عيونها لعبد الرحمن… لقته يطالع أمه، وقال بهدوء: يمّه، لو سمحتي، لا ترفعين صوتك عليها مره ثانية. نورة شهقت، ما توقعت يسمعها هالكلمة منه. بس هو كمّل: اللي بيننا أكبر من تقشير بطاط، وأنتِ عارفة. سكتت الجدة حصة، لكنها ابتسمت بخفة، وحطّت يدها على كتف الهنوف وقالت: اللي يلقى له حُسن عشرة، يتمسّك فيها… لا تضيّعون بعض. نورة طلعت من المطبخ بنظرة غضب وإشمئزاز. لكن الهنوف؟ وقفت، وكأن الموقف علّمها إن وجودها له ثقل، حتى لو فيه من يرفضه. *يتبع......*