على أطراف خطى البريه - الفصل 16 | روايتك

اسم الرواية: على أطراف خطى البريه
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 16

الفصل 16

الفصل السادس عشر: "لمسة حنين ومساندة" للكـاتبة فرح فواز 🖊️. عبد الرحمن كان جالس بالصالة، لحاله، الإنارة خافته، وتعب اليوم باين على ملامحه. دخلت أمه نورة، تمسك منديل بيدها، ووجهها متغير من القهر. قالت بصوت عالي وهي توقف قدامه: أنت وش فيك؟ من متى الولد يوقف مع وحدة جايه من البر، ويكسر كلام أمه؟! ما رد. هي قربت، وعيونها تلمع من الغضب: صاير تتكلم وتتصرف كأنك كبير علي؟! منت ناسي إنك أصغر عيالي؟! الهنوف كانت بالممر، ماسكة صينية فاضية، وتوقفت لما سمعت الصوت… قلبها صار يدق، وعيونها تحاول تهرب، بس أذنها تسمع كل كلمة. قالت نورة بحدة: بدر أحسن منك، رجال، يعرف كيف يوقف مع أمه، ما ينحني عشان وحدة مجهولة النسب! أنت صاير ضعيف… ضعيف قدام وحدة جابت لنا العار! عبد الرحمن عضّ شفته، عيونه نزلت للأرض، وكفه شدّه من القهر، بس ما نطق ولا حرف. قالت نورة وهي تصرخ: ردّ علي! تكلم! ولا عاجبك الوضع؟ عاجبك البنات يناظرونك ويقولون عبد الرحمن صار يرقق قلبه على البرّية؟! وقف بهدوء، مسك مفاتيحه، وطلع من الصالة من غير كلمة. فتح باب الحوش، وخرج للحديقة، كانت لمبات الجدار منورة زوايا بسيطة، والهواء بارد، بس قلبه حار. جلس على كرسي حديد، ورفع راسه للسماء… كان واضح إنه يحاول يبلع كل الكلام، يدفنه، لا يرد ولا يطيح هيبته قدام أمه. بعد لحظات، الباب انفتح، وطلعت نورة ورا، بس بصوت أخف: ردّ علي، لا تخليني أتكلم مع نفسي. لف لها ظهره، وقال بهمس: أنا ساكت عشانك… مو عشانك على حق. تجمّدت بمكانها. قال: الضعف مو إني أحترم الناس… الضعف إنّا نظلمهم وما نحس. سكت… ثم قال: بدر رجال؟ لا هو رجال ولا أنا طفل… بس أنا إنسان، وما أرضى أذل أحد حتى لو سكت لي. دخل بعدها للبيت من الباب الخلفي، وتركها واقفه في وسط الحوش، للحظة كأنها أول مرة تسمع ولدها يتكلم من قلبه. والهنوف؟ واقفة ورا الستارة… دموعها نازلة، ما تعرف هي حزينة عليه؟ ولا على نفسها؟ بس الأكيد… إنها مو وحدها في الألم. الهواء بالحديقة كان ساكن، بس صدورهم ما كانت ساكنة. عبد الرحمن جلس على نفس الكرسي، ممدّد رجوله قدامه، وعيونه ما زالت معلقة بالسماء، وكأنّه يحاول يلقى فيها راحة ما وجدها بالأرض. خطوات ناعمة قطعت السكون… صوت خفيف من باب الحوش انفتح، وتردد في خطوات تقترب. الهنوف واقفة عند طرف الحديقة، ترددها ظاهر بعيونها… لكنها مشّت رجولها، شوي شوي. قالت بصوت ما ارتفع، بس وصل له: عبد الرحمن… لف راسه، وشافها واقفة قدامه، بثوبها البسيط، وعيونها اللي تعبت من كتم الكلام. ما رد، بس نظراته صارت أهدى. قالت وهي تقرب شوي، وجلست على الطاولة اللي قدامه، على الطرف: ليش تسكت لهم؟ ليش تخليهم يقولوا اللي يقولوه، وتتحمل؟ رفع عيونه فيها، وصوته نازل: عشان أمي. قالت وهي تهزّ راسها: بس هي ما ترحمك… ولا ترحمني. كل يوم تسمّ بدني بكلمة… وأنا ساكته، بس أنت؟ تسكت وتعض شفايفك، وكأنك ما لك حق تزعل. سكت، وبعدين قال: أنا ما تعودت أشتكي… ولا أحب أرفع صوتي. بس تعبت، والله تعبت. نزلت عيونها على يده، كانت ترتجف شوي، فمدّت يدها بهدوء، وغطّت يده بيدها الثانية، بدون أي حركة… لمسة خفيفة، فيها حنيّة ما قالها لسانها. قالت بصوت ناعم: ما فيه رجال يطيح لما يحس، ولا تنقص رجولته إذا دافع عن اللي حوله… أنا أشوفك رجال، مو لأنك ساكت… لا، لأنك محترم. لأنك نظيف من جوّاك. عبد الرحمن طالعها، للحظة عيونه هدت… كأنّ كلامها لمسه في مكان ما وصله أحد. قال بهمس: كنت أحسبك جايه تنكسرين… بس كل يوم تكسريني بصبرك. ابتسمت بخفة، وقالت: لا تكسر، ولا تنكسر… حنا نوقف، ونسند بعض، غصب عن الدنيا. ولأول مرة… ما كان فيه عتاب، ولا خوف، ولا صوت عالي. بس كانت فيه لحظة حقيقية. *يتبع.....*