الفصل 15
الفصل الخامس عشر: "وقفة المهموم للمقهور"
للكـاتبة فرح فواز 🖊️.
مرّ شهر، وكل يوم في بيت عمها كان يحفر داخلها ذكرى… بعضها مالح، وبعضها مرّ، وبعضها كأنه طيف حنين ما له اسم.
كانت الهنوف تقطّع خضار للمرة الثالثة ذاك اليوم، ويدها تعبت، حتى سكينها خانها وجرحت إصبعها.
دخل عبد الرحمن وقتها، وكان راجع من الجامعة، شنطته على كتفه، وعيونه على الجرح أول ما شاف الدم: وش فيك؟!
قالها بسرعة، قرب وسحب يدها بخفة.
قالت بهدوء: ما صار شي، بس تعوّدت.
ردّت وهي تحاول تخفي ألمها.
قال وهو يفتش في درج الإسعافات: مو طبيعي الإنسان يتعوّد على الألم، يا الهنوف.
حطّ على إصبعها لصقة طبية، كانت أول مرة تلمس يده يدها… بس ما طالوا بعض، كان كل شي محتشم.
أبتسم لها وراح،وبدأت تناظر فيه وتقول
بقلبها: ليه؟
ليه كل مرّة أطيح... ألاقيه واقف؟
ليه يمد يده قبل لا أطلب؟ ليه عيونه تشوف الجرح قبل لا أحس فيه؟
ما أبغى أرتاح له... ما أبغى أصدق إن في أحد ممكن يلمّ شتاتي بلا مصلحة.
بس عبد الرحمن؟
مو طبيعي... لا كلامه، لا صمته، لا نظرته، حتى لمسته وهي ما لمستني... حسيتها.
حسيتها تقول: "أنا معك، حتى لو ما قلتها."
بس ليه؟
أنا شغالة عندهم، دخيلة على حياتهم، بنظر أمه وسلايفه "بنت البر"... بنت ما تشبههم.
بس هو... كأنه يسمع نبضي قبل صوتي.
نزلت عيونها على إصبعها، شافت اللصقة، وراحت تمسكها بخفة كأنها ما تبغى تنفك.
يمكن ما تهمه، ويمكن يهمه أكثر مما يقول.
بس أنا وش أسوي بقلبي اللي بدا يدوّر في ملامحه أمان؟
ما أبغى أضعف... بس كل مرّة يجي، أنسى إنّي جيت هالبيت أهرب، وأذكر إني يمكن... لقيت فيه شي ضيّعته من سنين.
المساء، قبل أذان المغرب بشوي.
كانت الهنوف جالسة على طرف سريرها في الملحق، لابسة ثوبها البسيط، تحاول تريح جسمها شوي بعد يوم متعب من شغل المطبخ والكنس، وفجأة… الباب انفتح بدون لا يُدق.
دخلت أم عبد الرحمن، واقفة عند العتبة، بعبايتها وغطاها، وبيدها جوالها.
قالت بنبرة حازمة، وهي تشوفها من فوق لتحت: قومي… جهزي الديوان، خوياتي بيجون.
الهنوف اعتدلت بسرعة، مستغربة التوقيت: الحين؟
ردّت أم عبد الرحمن بحدة: أي الحين! وش فيك تناظرين؟ مو عندنا ناس بكرة، عندنا اليوم… جهزي المكان، ونظّفيه، وجهزي القهوة والحلا، ولا تنسين تبخّرين قبل ما يدخلون.
الهنوف وقفت، تحاول تتماسك: بس باقي نص ساعة على المغرب، و…
قاطعتها بعين تضرب: وش يعني؟ ما انتي قاعدة طول اليوم؟ ومو أنتي قلتي تبغين مكان؟ هاذي فزعة بسيطة، تبين تبقين عندنا؟ سوي اللي يليق فيك.
سكتت الهنوف، غصّة في حلقها، بس ما قالت ولا كلمة.
ومع خروج أم عبد الرحمن من الباب، سمع صوتها من بعيد وهي تقول: ولا تسوين نفسك ما تفهمين… أنا ما أحب أغراضي تتّوسخ، نظفي الكنب زين، وخلي الحلا مرتب، مو شغل بنات البر!
بعد العشاء بوقت قصير، الديوان مضيء، مبخر، وكل شي مرتب.
الهنوف واقفة عند الباب، تتأكد إن الحلا موزع تمام، وإن القهوة حارة في الدلّة.
دخلوا خويّات أم عبد الرحمن وحدة ورى الثانية، عطرهم يسبقهم، وضحكهم عالي.
أول ما شافوها، وقفت واحدة منهم، حرّكت حواجبها: ذي مين؟
قالت الثانية وهي تناظرها من فوق لتحت:
شكلها من البر… باين على لبسها ولهجتها.
أم عبد الرحمن ردّت بضحكة مصطنعة: ذي… بنت ناس حبت تعيش عندنا شوي. تساعدني، وتتعلم شلون تعيش في المدينة.
ضحكوا بصوت خفيف، وفيه سخرية.
الهنوف ما ردّت، كانت ساكتة، بس قلبها يتفجّر. نظراتهم تحفر في جلدها، وكأنهم يشوفونها مو بشر، كأنها شي غريب بينهم.
مرت دقايق، وهي تقدّم القهوة، تمشي بخطى هادئة، وكل شوي تسمع همسة أو ضحكة وراها.
عبد الرحمن دخل فجأة، من باب الديوان، كأن القدر اختار اللحظة الصح.
كان راجع من مشوار، ومو متوقع وجود أحد.
عيونه لفّت عالديوان… وشافها، شاف وقفتها المنكسرة، شاف كفّها اللي ترجّ وهي تمسك الفنجال، وعيونها اللي تحاول ما تدمع.
صوت أم عبد الرحمن ارتفع، تنبّهت: عبد الرحمن! حي الله ولدي، تعال سلّم على خالاتك.
سلّم باحترام، لكن عيونه ما فارقت الهنوف.
بعدها مشت الهنوف للداخل، ترجع للمطبخ، لكن لحظة… سمع صوت وحده من النسوان تقول بصوت واضح: يا زين بنات المدينة، ينعرفون من أول نظرة… غير اللي جايين من رمال البر، ما يدرون وين يحطّون رجلهم.
عبد الرحمن وقف. قلبه ما سكت.
قال بهدوء، بس صوته فيه شي غير: الزين ما هو بثوب، ولا لهجة… الزين بالأصل، والتربية، والمعادن.
سكت الديوان.
أم عبد الرحمن قالت بصوت خفيف: عبد الرحمن، لا تسوي لنا إحراج قدّام الناس…
قال: الإحراج الحقيقي لما نجرح اللي جاينا مستجير، ونضحك على ضعف ما اختارته بنفسه.
لف وطلع من الديوان.
وهنوف، في المطبخ، وقفت تمسك كاسة الشاي، وشعورها لأول مرّة مو حزن… كان فيه شي يشبه "الكرامة ترجع شوي شوي".
المساء هدي، والبيت رجع لسكونه المعتاد.
*يتبع.......*