الفصل 10
الفصل العاشر: "غيمة في عز الشمس"
حرارة الشمس تنعكس على أرضية ساحة الجامعة، أصوات الطلاب ترتفع، والضحك يملأ المكان.
الكل عايش يومه، يتنقل بين القاعات، يشرب قهوة، يتكلم عن اختبار أو مشروع، أو حتى عن "منو حضر ومنو تأخر".
لكن عبد الرحمن؟
كان واقف جنب الجدار، متكّي على عمود الرواق، وعيونه تسرح في الفراغ.
صديقه تميم مرّ من وراه وربت على كتفه: هاااه، وش فيك؟ صار لك ساعة محدّث الجدار؟
ابتسم عبد الرحمن ابتسامة باهتة، وقال: ولا شي... بس... تفكير.
فيصل جلس جنبه على الحاجز الحجري، قال وهو يرشف من كوب القهوة: تفكير؟ ولا ذيك البنت اللي جبتها أمس؟ تراني ما نسيت، الكل يسأل: من ذي؟ بنت مين؟
عبد الرحمن سكت.
تنهد وقال: بنت عمي.
فيصل رفع حاجبه: من جدك؟ منين طلعت؟
هزّ عبد الرحمن راسه: ما أدري... حتى أنا للحين مو مستوعب طلعت من البر، من مصيبة، جاية تدور أهلها، تلقى أبوي، ويستقبلها كأنها شيء يندفن، مو إنسان ينشاف.
فيصل قال بهدوء: بس شكلها... كان فيه شي،حزن؟ ولا تحدي؟
عبد الرحمن لف وجهه للسماء: اثنينهم... فيه حزن بعيونها، بس فيها شي يقول: لا تطيح، حتى لو طحت.
رنة الجوال قطعت الحديث.
عبد الرحمن طالع الشاشة، طلعت له رسالة من أمه: "تعال البيت بدري، أبوك بيرتب مكان للهنوف في الملحق."
قلبه انقبض شوي.
رجع يحط الجوال في جيبه، وقال: لازم أروح... أحس إن ذي البنت بتقلب أشياء كثير... أكثر من اللي نتخيله.
كانت الساعة قرابة العصر، والشمس معلّقة في السما كأنها ما تبغى تغيب.
البيت ساكن، والهوى في الملحق خفيف، بس مو بارد، فيه حرارة غريبة... كأن الجدران تراقب.
هنوف جالسة على الفرشة الأرضية، ماتعوّدت على البلاط، بس وش تسوي؟
تضم رجلينها لصدرها، وتطالع السقف اللي فيه لمبة ترمش كأنها بتطفى وتختفي.
همست لنفسها: يا رب... بس مكان آم. ما أبغى شي ثاني لا أكل، لا نوم، لا كلمة حلوة... بس أمان.
سمعت صوت الباب الخارجي ينفتح، حست بخطوات على البلاط، قامت بسرعة، رتّبت شيلتها على راسها، وبدأت تمسح الطاولة الخشب اللي ما فيها غبار أصلاً.
انفتح باب الملحق فجأة، نورة واقفة، عيونها تفصفصها من راسها لرجولها: خلصتي تنظيف المجلس؟
قالت هنوف بهدوء، وهي تحاول تمسك أعصابها: ايوا... ونظفت المطبخ كمان.
نورة لفّت عيونها وقالت بنبرة فيها سمّ:
ترى عبد الرحمن بيرجع بعد شوي، لا تجلسي قدامه، ولا ترفعي صوتك، هو ما يحب يشوف بنات البر بهالهيئة.
ما قدرت هنوف ترد، ما كان فيه كلام ينقال.
نورة سكرت الباب، والسكوت رجع يغلف الغرفة.
هنوف جلست عالأرض من جديد، حطت خدّها على ركبتها، عيونها سرحت في الجدار قدامها، وبصوت واطي، كأنها تحاكي نفسها:
كل اللي أحبّهم ماتوا... وأنا ضايعة وسط ناس يشوفوني حمل تقيل.
فتحت شنطتها الصغيرة، طلعت صورة قديمة، أبوها يضحك فيها، وأمها تسند على كتفه...
فيه شي بالصورة موجع، حنين غريب يخنق القلب.
دمعتها نزلت بهدوء، مسحتها بسرعة، وقالت:
الله يرحمكم... ما توقعت يوم يصير فيه بيت عمي، هو الغربه بعيونها.
*يتبع......*