الفصل 8
الفصل الثامن:"على حافة التعب... يبتدي القدر"
الظهر، حر الشمس يشوي
على الرصيف المقابل لبوابة جامعة الملك سعود – الرياض
وسط الزحمة والضوضاء، وقفت سيارة قديمة، ترابية، كأنها قطعت البر كله، واستقرت هنا، ما بين المارة والمباني العالية.
كانت الهنوف جالسة داخلها، ساكتة.
وجهها تعبان، وسمرته باهتة من السهر، وعيونها حمراء، لكن ما نزلت دمعة.
رجعت راسها للمرتبة، وأغمضت عيونها، كأنها تقول للعالم: أنا وصلت... بس ما أدري وين.
ما كانت تدري وين تروح... بس كانت عارفة اسم واحد فقط:
"جاسم بن سليم"
اسم يردده قلبها من آخر نفس في أبوها.
ما تدري عنه شيء، لا شكله، لا بيته، لا حتى هل يقبلها ولا يردها.
بس ما معها غيره.
مر الوقت، والناس بدت تنتبه.
طالبة: وش ذي؟ نايمة داخل السيارة؟
شاب: سيارتها ما تبين من هالرياض... شكلها من أهل البر.
طالبة ثانية: والله كأنها طالعة من حرب.
وفي وسط الزحمة، طلع عبد الرحمن من بوابة الجامعة، لابس ثوبه المكوي بدقة، شنطته على كتفه، وملامحه الهادية دايمًا تشيل شي داخلي ما يبوح فيه.
كان يبي يركب سيارته، لكن لمحت عينه المشهد.
سيارة قديمة، وبنت غريبة، نائمة وسط الزحمة.
وقف شوي، وتأمل.
ما يعرف ليه مشى لها، بس قلبه دق،مشاها على هدوء، وطق على الشباك.
الهنوف فتحت عيونها بسرعة، ارتبكت، وشالت يدها عن مقود السيارة، كأنها تنتبه إنها مكشوفة.
قال بلطافة: أنتِ بخير؟ السيارة خربانة؟
هزّت راسها: لا... كل شي تمام.
قال: طيب، تبين مساعدة؟ شكلك ضايعة.
ردت بحدة مغلفة بتعب: أنا ما طلبت أحد يساعدني... خلني.
نزلت عيونها، وكأنها تكره ضعفها قدامه.
قال: ما قصدت أزعجك... بس مكانك غلط، والناس ملتفّين، خفت عليك.
رجعت تطالع قدام، وقالت بصوت مبحوح:
أنا أدور واحد... جاسم بن سليم.
وقف عبد الرحمن لحظة... الكلمة ضربت قلبه.
جاسم بن سليم؟!
هز راسه، وقال: هذا أبوي.
شهقت، وطاحت عينها عليه مره ثانية، باستغراب، صدمة، وخوف: أبوك؟
قال بهدوء: إيه، أنا عبد الرحمن... ووش تكونين له؟
سكتت.
للحظة، الدنيا كلها سكتت.
قالت بصوت مهزوز: أنا... بنت عواض... قال لي أروح أطلب رحمته.
انشد وجه عبد الرحمن، اتسعت عيونه، واهتز صوته: بنت الشيخ عواض؟
هزت راسها، وتمّت ساكتة.
تروح فيه الذكريات،يوم ماكان عايش بالقبيلة،وتذكر المهاوشة يلي صارت مع أبوه وعمه،وكيف أبوه قرر يعيش بالمدينة.
قال بنبرة اختلفت، فيها دفء غريب، وفيها مسؤولية ما توقّعها: تعالي معاي… أنتي وصلت للمكان الصح. أنتي... بنت عمي.
داخل السيارة، قبل الوصول لبيت جاسم:
الهدوء طاغي، بس داخله ضجيج.
عبد الرحمن يطالع الطريق، يحاول يلقى كلمات يقولها... بس كل كلمة تختنق.
الهنوف ساكته، متكئة براسها عالشباك، عيونها مطفية، وجسمها كأنه من تعب سنين.
قال أخيرًا، بصوت منخفض: ما توقعت يوم أقابلك بهالشكل... ولا في هالظرف.
ردت بنبرة باردة: أنا بعد... ما توقعت أنجبر أجيكم... بس القدر يمشي ما يسأل أحد.
تنهّد، وقال: بس... تعرفين عمي؟ أعني أبوي؟ ترى هو وأبوك ما بينهم طيب.
قالت وهي ترفع راسها: أدري... ومو جاية أطلب طيب... جاية أعيش. بس كذا.
وقف عند البيت.
بيت كبير، تصميمه حديث، باب حديدي ثقيل، وحديقة مرتبة.
الهنوف نزلت، خطاها ثقيلة، وعيونها تدور على المكان.
فتح الباب... دخلوا.
في المجلس، كانت نورة (زوجة جاسم) جالسة، ومعها عيالها.
أول ما دخلت الهنوف، ساد الصمت.
عيونهم على لبسها، على شعرها المربوط بشيلة متغبرة، على جزمتها القديمة، على عيونها المطفية.
نورة بسخرية : وش ذا؟ من ذي؟
بدر: "عبد الرحمن، أنت جايب أحد من البر؟"
طلال وهو على اللابتوب: ذي شكلها من اللي يربون غنم!
بدأت الهمسات، والضحك الخفيف.
عبد الرحمن وقف بجنب الهنوف، وقال بنبرة ثابتة: هذي بنت عمي... بنت عواض بن سليم... أخو أبوي.
جاسم دخل في اللحظة هذي، ووقف.
نظر لها، نظرته فيها بُعد قديم... فيها وجع ماله ملامح، وشي من المرارة.
قالت الهنوف بثبات، رغم صوتها الضعيف: أنا بنت عواض... اللي كنتوا تحقدون عليه، واللي مات، وانتهت قبيلته،أنا آخر شي منه... وهو أوصاني أجيك، قال: لا تروحين لأحد، غير أخوي.
نورة شهقت: عواض؟! بنت عواض تجي تطرق بابنا؟ بعد كل اللي سوّاه؟
جاسم ظل ساكت.
ما تكلم. بس نظراته تقلبت، من صدمة، لحزن، لشي ثاني... ما له اسم.
الهنوف نزلت راسها، وقالت: ما طلبت عزّ، ولا فضل،بس بيت يحطني من المطر... والباقي على الله.
سكت المجلس كله.
الهواء ثقيل... والعيون متعلقة بجاسم.
*يتبع......*