على أطراف خطى البريه - الفصل 4 | روايتك

اسم الرواية: على أطراف خطى البريه
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

الفصل الرابع: "ظلّه يسبق حضوره" في قلب الرياض، وبالتحديد في كلية الهندسة، كان عبد الرحمن بن جاسم اسم له وزنه بين الطلاب والدكاترة. آخر سنة هندسة ميكانيكية، بس كأن كل شيء حوله يمشي على وتيرته الخاصة عيون كأنها تقول أسرار، ونظرة ثابتة وهادية، فيها وقار رجال ، ولد ناس،شعره مرتب دائمًا، ولابس كنه طالع من إعلان، نظيف، أنيق، بس بدون تكلف. يمشي بخطى واثقة، ما يحب يطول في الكلام، صوته هادي وواضح، ونبرة صوته فيها هيبة. الكل يعرفه، لكن هو ما يعطي نفسه فوق قدره البنات؟ كانوا يتمنون منه سلام، كلمة، حتى نظرة عابرة. بس عبد الرحمن ما كان من النوع اللي يطالع، ولا يتهاوش، ولا حتى يلفت، عنده نظام، وحياة، وأحلام أكبر من إنه يضيع وقته في توافه. كان أول من يدخل القاعة، وآخر من يطلع من ورقة الامتحان،دفاتره مرتبة، محاضراته كاملة، ومشاريعه دايم مثال يُحتذى،ومع هذا كله، طيبته كانت سرّ جاذبيته، إذا شاف طالب جديد تايه، دلّه، وإذا شاف أحد متضايق، وقف معه بكلمة طيبة. زملاءه يضحكون ويقولون: "عبد الرحمن؟ هالولد انخلق وبين كفّيه ميزان... لا يميل لا يمين ولا يسار." الدكاترة يحبونه لأنه يشتغل بصمت، وما يطلب شي، بس دايم يعطي فوق المتوقع. ومع إن وقته ضيّق بين الشغل والدراسة والمشاريع، إلا إن ابتسامته ما تفارقه. دايم يقول: اللي ما يخلي له وقت يضحك، بيتعب قلبه قبل ظهره. لكن رغم هالهدوء الظاهر... كان فيه شي داخله ما ينقال، شي ثقيل، ساكن جواته من سنين من سبة أهله يلي مايشوفوه. في الجامعة: كانت الشمس واقفة فوق الجامعة، وهدير الطلاب يملأ المكان، ضحك، خطوات مستعجلة، صدى أبواب تنفتح وتنقفل. عبد الرحمن يمشي في ممر الكلية، شنطته على كتفه، عيونه تراقب الأرض كأنها أخف عليه من نظرات الناس. واحد من الشباب ناداه: هلا عبد الرحمن! وينك مختفي؟ تعال اجلس معنا. رفع راسه، ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال: وراي شغل عاللاب توب، مشروع الميكانيكا لازم أضبطه اليوم. قالها ومشى، ما يحب الزحمة، ما يكره أحد، بس ما يحب الوجوه اللي تضحك وهي تخبّي ألف نية مرّ بجنب مجموعة بنات، صوت ضحكهم انخفض فجأة، وكلهم طالعوه،هو ما رفع عينه متعوّد. دايم كذا… دايم "يتشاف" بس ما "ينشاف". جلس في زاوية بعيدة في مكتبة الكلية، فتح اللابتوب، بس ما لمس الكيبورد… نظرته ضاعت بعيد. تذكّر أبوه، وهو مرة من مرات قاعد يصرخ عليه عشان شرى كتاب غالي، وقال له: "فلوسك ذي تحرقها على أوراق؟ خلك مثل أخوك، يعرف وش يسوى، يعرف وين يحط كل ريال." وتذكّر أمه، وهي تمشي بين قريباتها في مناسبة قبل أيام، وتقول بصوت عالي: "عبد الرحمن؟ يدرس، بس ليت فيه شوي من كاريزما أخوه بدر، بدر دايم مرتب، وعيال الناس يحبونه." ضغط على فكه، تنفس بعمق، وقال بينه وبين نفسه: "النجاح اللي ما يلبس ماركة، ما يشوفونه نجاح… والطيب إذا ما صوّر خيره، ما يهمهم." رجع يكمل شغله، بس بعين مرهقة، وروح تنادي: "ودي أحد يشوفني… على حقيقتي." دخل غرفته: بينه وبين ربه كانت الساعة تقرب ١٢ بالليل، سكون تام يعم البيت، بس غرفته فيها نور خافت من الأباجورة الصغيرة اللي جنب السرير. فرش سجادته، لبس ثوبه الأبيض، ووقف باتجاه القبلة. "الله أكبر" ركع، سجد… وكل سجدة كانت كأنها تُنزل ثقل من قلبه،صوت بكاءه ما يطلع، بس دموعه تنزل بهدوء،كان يطول في السجدة، يحط راسه على الأرض، كأنه ما يبي يقوم. في دعاءه قال: يارب… أنت تدري وش بقلبي،تدري إني أبتسم عشان ما أنكسر قدامهم يارب ارزقني صدر واسع، وقلب ما يضيق وخلّ اللي فيني يكفيني عن كل بشر. سلم من صلاته، وركن على الجدار، وهو يشهق شهقة صغيرة، كتمها بكفه،بس دموعه خانته. كان بينه وبين نفسه، وبين ربه، بس كان هذا المكان الوحيد اللي يحس فيه إن أحد "يشوفه... على حقيقته". *يتبع......*