الفصل العشرون
" the writer Aridj"
.
.
.
كانت تجلس في غرفتها والصمت يسود كل أرجائھا ، كأنّ الوقت أبى أن يتحرّك منذ ان خرجت من المستشفى. مرّت أيّام قليلة فقط، لكنّ الملل تمدّد في المكان حتى شغل كل زاوية. جالت بنظرها في أرجاء الغرفة؛ لا جديد يُرضي الروح ولإختلاف في أيامھا كأنھا تظغط على زر الإعادة عند حلول ساعة الصفر .
وعد غارقة في تدريبها بالمشفى، وهذه طبيعة طلاب الطبّ، أما تالين فتُصارع ضغط كلية الحقوق وما تحمله من أعباء. تأتيان إليها كلّ مساء، تمنحانها دفء الزيارة وطمأنينة وجود من يحبك بجانبك ، ثم تمضيان نحو المغادرة ، تتثاقل خطواتهما تحت وطأة الإرهاق الذي يكاد يحول بينهما وبين الوصول إلى منزليهما.
ومضت دقائق أخرى في صمت لا يرحم.
نهضت ببطء، تقدّمت نحو المرآة وكأنّها تبحث عن شيء يبدّد هذا السكون. فتحت خزانتها وأخرجت ثوبًا أسود يصل إلى منتصف فخذها، بأكمام عريضة مطرّزة بخيوط ذهبية تحاكي ضوء الغروب حين يعانق البحر.
وضعت مكياجًا خفيفًا، لكنه كان كافيًا ليُبرز ملامحها بجاذبية صامتة، ويرفع جمالها إلى حد يكاد يُؤْسَر له البصر. حرّرت خصلات شعرها، فانساب بغنج على كتفيها؛ نصفه استقرّ على كتفها الأيمن، وأرسلت نصفه الآخر ليلامس ظهرها كتيار ليليّ دافئ.
تأمّلت نفسها للحظة، ثم انحنت ترتدي حذاءها ذا الكعب العالي، الأبيض الذي زيّنته فراشات سوداء صغيرة عند مقدمة كل فردة، وكأنّها تحرس خطواتها المقبلة.
وحين اكتملت الصورة أمام المرآة، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بصوت لا يسمعه أحد سواها/الحين صار فالغرفة شيء يستحق النظر ھھھھ.
في المجلس، كان رسيم وخالد يجلسان في سكينة تشبھ نوعا ما سكون الليل قبل انسكاب الفجر ،تتخلّله بين حينٍ وآخر ضحكات خفيفة تتطاير بين ذلك السكون كعصافير مھاجرة . غير أنّ ما في صدر خالد كان أثقل من أن يُكبح بابتسامة…شيئ ما كان ينھش قلبھ ببطئ ،يمنعھ من الجلوس براحة ،يدفعھ ثم يشدھ كأنھ صراع لا يريد لھ ان يسمع .
كان خالد يرغب بشدة ان يبوح لرسيم بما فعلھ من لا يملك من الشرف إلا إسمھ ...رحيم ،يريد ان يبعد أماني عن عديم الشرف .ظل الصمت يقيدھ ،لم يكن يريد ان يورط رفيقھ مع إنسان لا يُرجى منھ الا المتاعب.
ومع كل لحظة تمر ،كانت عيناھ تسترقان النظر الى خارج المجلس .يبحث عن ظل ،عن خطوة او حتى كلمة من شفاھِھَا تُؤَكِد حضورھا .أعاد بنظرھ الى رسيم يحاول التركيز مع ما يقولھ ؛جسد حاضر وروح شاردة .
وفي تلك اللحظة، نهض خالد مستأذنًا رسيم، متذرّعًا بالذهاب إلى الحمّام، بينما أخفّت خطواته شيء كمن يُخفي بين أنفاسه سرًّا صغيرًا لا يريد له أن يضيع. مضى بهدوء، كأنّ نية خفيفة تتشكّل في ظله، تتقدّم بلا ضجيج… وتشبه وعدًا لا يزال نصفه في الظلال "لن يتركھا لھ ...."
سار خالد نحو الطابق العلوي بخطوات يعرف مسبقًا أنها لا تقوده إلى الممر المؤدي إلى الحمّام. كان يسير ببطء، كأن الأرض تستمع لخطوات قدميه. حاول أن يستعيد من ذاكرته مكان غرفة أماني، فراح يتقدّم بهدوء يحاذي الصمت، حتى التقطت أذناه صوتًا خافتًا… صوت أنثوي ينساب بين الجدران كنسمة تهمس بلحنٍ لا يحتاج إلى كلمات.
لم يصغِ لما كانت تغنيه، فما شدّه لم يكن اللحن، بل نعومة الصوت… شدّته رنّته الدافئة التي بدت وكأنها قادمة من عالم آخر.
وفجأة، انقطع سيل أفكاره بصوت خطوات رسيم يصعد الدرج. تحرّك خالد بسرعة، واندفع إلى الغرفة الأقرب دون أن يترك المجال لمن يقف خلف الباب حتى ان يتأهّب، وأغلقه بإحكام، ثم أسند ظهره إليه وأخذ نفسًا عميقًا.
ولما فتح عينيه…
توقف الزمن للحظة ...
كانت تقف أمامه كأنها ولدت من خيال الليل نفسه، بكعبها العالي الذي يرفع قامتَها برشاقة، وثوبها الأسود الذي ينساب على جسدها بانسياب لا يشبه إلا رقّة الظلال، يغطي منتصف فخذها بهدوء، يترك مساحة للجمال الطبيعي أن يتلألأ. كل حركة فيها تحمل طمأنينة وغموضًا، وكأنها قصة لم يُروَ فصلها بعد.
شعرها البني، الحريري، انساب على كتفها الأيمن برفق يشبه تدفق الضوء على خفة الظلال . عيناها البنيّتان الواسعتان كالبحر عند شروق الشمس، تحيط بهما رموش طويلة ترسم على وجنتيها ظلالًا ناعمة، تضيف لمسة حنان وغموض في الوقت نفسه.
شفاهها الوردية، الممتلئة بعذوبة برّاقة، تخفي خلفها خجلًا لطيفًا، وخدودها التي احمرّت خجلاً عند رؤيته، لم تكن مجرد احمرار… بل وهجٌ دافئ من الروح إلى القلب. كل ملامحها كانت متناغمة كما لو أنّ الطبيعة صاغتها بإتقان، ليكون حضورها وحدھ قصيدة تُقرأ بصمت.
حتى صمتها كان ينبض بالحياة، وكان كل شيء فيهامن طيف عينيها، إلى ميلان كتفها، إلى وقع أنفاسها يدعوك لتترجى الزمن بأن يتوقف و يسمح لك بالتأمل، كأنها الملاك الذي يتسلّل من عالم الحلم ليوقظك من رتابة الواقع.
ارتبكت حالما رأت خالد يقف في غرفتها، فارتفعت حمرة خفيفة على خدّيها. حاول أن يشيح بنظره عنها، بينما أسرعت هي بيدٍ مرتجفة نحو عباءتها الموضوعة على الكرسي بجانبها.
كانت على وشك أن ترفع صوتها، أن تعاتب، أن تُعلن دهشتها…
لكن خالد تقدّم نحوها بخطوتين خاطفتين، ووضع كفّه برفق على فمها قبل أن تنطق، مشيرًا إليها بأن تهدأ، بعينين يمتزج فيهما الرجاء بالارتباك.
ظلّ ينصت برهة، حتى تأكّد أنّ رسيم عاد أدراجه إلى الأسفل، فابتعد عنها سريعًا، يبتلع أنفاسه المرتبكة، كأنّه لا يزال يشعر بحرارة قربها والخجل الذي كان يتصاعد منها.
ثم قال بھدوء /آسف لأني دخلت بدون ماأطرق الباب بس ...
قبل ان يكمل قاطعتھ بغضب / إنت ما دخلت بس بدون استئذان، إنت تعرف وش سويت، يلا اطلع برّا.
ھمس بسرعة /اشششششش بيسمعنا رسيم .
أماني بغضب تحاول رفع صوتھا /خلھ يجي يطلعك من ھنا .
اقترب منھا خالد /وش فيك انتي تبحثين عن نھايتك ولا اييشش ؟؟؟
أماني ابتعدت عنھ وأدارت وجھھا عنھ، كانت تريد من الأرض ان تنشق وتبلعھا ،لعنة اللحظة التي ارتدت ارتدت فيھا ھذا الفستان القصير ...لا بل حتى اللحظة التي خطرت على بالھا تلك الفكرة الغبية .
خالد /انا كان بدي أحذرك من رحيم ،ماھو انسان لي يستاھل ولو كلمة من عندك .
أماني استدارت اليھ ولم تدري انھ وراءھا مباشرة فرتطمت بصدرھ وما ان استوعبت ابتعدت عنھ بسرعة ورفعت إصبعھا اليھ كتھديد لھ /راح تطلع لحين ولا أصرخ وألم عليك الكل ،ومين انت لا تحكي ھيك عن رحيم .
خالد بإستھزاء /لا شكلي انا المخطئ .
أماني ببرودة أعصاب / على حسب ما أعرف مو وقت ألغازك ...راح تحكي وش عندك لو تطلع بآدبك أحسنلك .
خالد ضاحكا /ھھھ ماتستعجلي بھدوء شوي يآنسة أماني .
رمقتھ أماني بنظرات باردة تعلن عن نفاذ صبرھا عاجلا ام أجلا .
خالد بجدية /أسمعي ماراح اعيد لي راح اقولھ ،راح تبعدين عن عديم الشرف رحيم وماتقربي لعندھ لو يبقى ھو اخر انسان فالأرض .
أماني بإستفزاز /ھھ مين انت مشان تمشيني على ھواك .
خالد رفع رأسھ الى السقف ثم عاد لتقع عيناھ العسليتان ذات النظرة الحادة على عينيھا
خالد /وش لي ماتفھمينھ اقولك ماتقربين لعند ذا لي مايتسمى .
أماني /لا يكون برايك ماعندك حتى سبب.
استدارت مرة أخرى الى زاوية من الغرفة وماھي الا ثواني حتى وجدت نفسھا تسحب برفق متحركة من مكانھا .لقد سحبھا من ذراعھا اليھ لتستقر بالقرب منھ ،أحست بأنفاسھ الغاضبة تلامس وجھھا .
قال من بين أسنانھ /تريدين السبب ....يوم انتِ بالمستشفى كان حضرتھ جالس يلعب بشعرك...
كانت علامات الصدمة بادية على وجهها، كل زاوية من ملامحها تتحدث عن صدمة لم تكن مستعدة لها. رحيم… لم تتوقع أبدًا أن يأتيها هذا الفعل منه. تجمعت الدموع على جفنها، كحبات لؤلؤ تتأرجح على حافة الانسكاب، لكنها لم ترحمها، فانهمرت في صمت....
كان يرى انعكاس دموعھا على حافة جفنھا ، ومن دون وعي، احتواها بين ذراعيه، كما لو أن حضنه وحده قادر على حماية شيء لم يستطع حمايته من قبل، وقال بصوت مخنوق، نصفه ندم ونصفه رجاء/
لا تخافي… أنا هنا، ماراح يقرب منك مرا ثانية.
تجمّد قلبها للحظة، لم تعرف ماذا تفعل، ابعدتھ عنھا بقوة ، محاولة استيعاب تلك اللحظة .
ابتعد عنھا و مرّر يده على خصلات شعره الأسود بارتباك، واستغفر الله بصمت، متمنيًا أن يغفر له ما ارتكبه، وراميا اللوم على نفسه لكل خطوة خانت ضميره.
نطقت أماني بغضب وكبرياء/
لا تفكر تقرّب مني مرة ثانية… وإلا راح تشوف شيء لا يعجبك.
اعتذر منها وغادر الغرفة مسرعًا، محتقرًا نفسه على لحظة الإنفعال، عاجزًا عن استدعاء ذكرى احتضانه لها أو شموخ وقفتها الذي زاد حضورها إشراقًا وجمالًا. استمرّ بالاستغفار، وعيونه تبحث عن طريق النجاة من إحساسه بالذنب.
عاد الى رسيم واخبرھ بانھ سيغادر لان أھلھ بحاجة اليھ .اختلق ھذھ الكذبة التي لا أساس لھا من الوجود واستدار في طريقه إلى الخارج، وعقله ينهش نفسه على التصرف الغبي الذي ارتكبه قبل قليل: كيف رحب بھ رسيم في بيته، بينما قابلھ بإحتضان أختھ . كل صورة من تلك اللحظة تتجسد أمامه كمرآة لا ترحم، تجعله يشعر بالندم في آن واحد. كان يود لو أن الزمان يعيد نفسه، لو أنه يستطيع أن يخفف وطأة ما فعل، لكن كل ما تبقى له هو تنفس عميق، وحرقة صامتة في قلبه، ونداء داخلي بأن يكون أكثر حكمة وصبرًا في المرات القادمة.
يا من سكنتِ القلب بلا استئذان
وجعلتِ من نظرةٍ لكِ أمان
جميلكِ نارٌ لا يطفئها الزمان
وسحرُكِ عطرٌ يملأ الأركان
كل خطوة منك قصيدةٌ تُكتب
وكل ابتسامةٍ منكِ فؤادي تَغْتَرِبْ
عيونكِ بحارٌ لا أستطيع الإبحار فيها
وشفتاكِ وردٌ لم تذبل أبدًا، ولا نساها الليالي
يا زهرةً الروح التي لا تذبل
حبكِ في قلبي يزداد ولا يهدأ
حتى النسيم يحمل اسمكِ في همس الليل
والشمس تغار من ضيائكِ حين تشرق
كيف لي أن أنسى حضوركِ، أو أن أغلق قلبي عنكِ؟
أنتِ نارٌ وندى، حلمٌ وواقعٌ… وكل ما بينهما