حملة العدم - الفصل الخامس: عظام فولاذية ودرجات - بقلم YASSINE ABIDI | روايتك

اسم الرواية: حملة العدم
المؤلف / الكاتب: YASSINE ABIDI
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس: عظام فولاذية ودرجات

الفصل الخامس: عظام فولاذية ودرجات

تدريبات كاي تحت إشراف اللورد فاليريوس من مجرد تمارين على التحمّل إلى عملية تكسير منهجية تهدف إلى إعادة بناء جسده وعقله من الصفر. لم يعد الأمر مجرّد سعيٍ للبقاء على قيد الحياة؛ بل صار هدفه بلوغ حالة من التفوّق الجسدي المطلق. قدّم فاليريوس مفهوم “الانضباط الحركي”. أُجبر كاي على ارتداء أوزانٍ ثقيلة أثناء كل تحركاته—في الجري، والتسلّق، وحتى أثناء النوم. كان الهدف أن يشعر جسده في حالته الطبيعية بالثقل، حتى إذا نُزعت الأوزان، صار حركته خفيفة وسريعة إلى حدٍّ لا يُصدَّق. ومن أكثر التمارين قسوة ما عُرف بـ “قتال الأعمى”. كان كاي يُعصب عينيه برباط جلدي سميك، ثم يُلقى في قاعة متاهية مليئة بآلات آلية صامتة غير سحرية، مبرمجة لتهاجمه بحركات سريعة يمكن التنبؤ بها. لم يكن المطلوب منه أن يهزمها، بل أن يتوقعها. قال فاليريوس وهو يراقب من الظلال: > "السحر يمنح البصيرة حين تغيب الرؤية، لكن المحارب الحقيقي يشعر بالعالم من حوله. أصغِ إلى تغيّر الهواء، واحتكاك القماش، واهتزاز الحجر تحت قدميك. حرمانك من المانا يعني أنك تسمع العالم المادي أوضح من أي ساحر." كانت محاولات كاي الأولى كارثية. انهال عليه الضرب حتى صار جسده خريطة من الكدمات البنفسجية. لكن مع كل سقطة، ازدادت حدة تركيزه. بدأ يُدرك تدفق الهجوم لا كصورة مرئية، بل كشكل هندسي في الفراغ. الطريقة التي يحوّل بها الآلي وزنه كانت تُخبره بزاوية الضربة التالية، واندفاع الهواء كان يُنبئه بسرعة الهجوم. لم تكن هذه حدساً سحرياً، بل تركيزاً بشرياً خالصاً. في المساء، أصبحت ليرا تلعب دوراً أكثر أهمية. بينما كان كاي يدرّب جسده، كانت هي تغوص في الأرشيفات القديمة. كلّفها فاليريوس بجمع وتلخيص نصوص تاريخية ضخمة تتحدث عن نقاط ضعف الفصائل السحرية والمخلوقات المختلفة—من اعتماد الإلف على مانا الطبيعة إلى نقاط الضعف الجسدية للشياطين الدنيا. قال فاليريوس لها ذات مرة: > "أنتِ تتعلمين مخطط العدو. المعرفة هي الدرع الذي يمكّن صديقك من استخدام سيفه." وعندما كانا يلتقيان، كانت ليرا تشاركه مقتطفات مما تعلمته، تردد عليه حقائق تشريحية عن النقاط الضعيفة في جلد التُرول، أو الإيقاع اللازم لقطع تركيز تعويذة نارية بسيطة. كان ذلك رابطَهما المشترك، رومانسية فكرية تنمو وسط الظلام. همست له ذات ليلة وهي تعالج جرحاً عميقاً في كتفه: > "هل تعلم أن الإلف، رغم صلابتهم، يملكون جهازاً عصبياً شديد الحساسية؟ صدمة عند الضفيرة، وتنهار قدرتهم على التركيز في المانا." استمع كاي باهتمام، وعيناه مثبتتان على وجهها الجاد. لم يتكلم، لكن إيماءة خفيفة منه ونظرة تركيز حادة كانت كافية لتكون شكرَه الصامت. كان يمتص كلماتها كما يمتص جسده التدريب القاسي. ومع مرور الأيام، بدأ الغموض حول فاليريوس يتعمق. ففي أحد الأيام، وجد كاي ورقة مهملة قرب مكتب اللورد الخاص. لم تكن تعويذة ولا خريطة تكتيكية، بل مخططاً معقداً لتدفق المانا داخل جسم الإنسان—وعليها علامات حمراء قاسية تشير إلى نقاط مقطوعة أو محجوبة. تسلّل إلى ذهن كاي سؤال مقلق: > هل كان فاليريوس يدرّبهم فقط لمحاربة السحرة؟ أم أنه يسعى إلى القضاء على السحر نفسه؟ في اليوم الثالث والثلاثين من التدريب، نزع فاليريوس الأوزان عن كاي خلال “قتال الأعمى”. فتحرك كاي. لم تكن حركة—بل انفجار. لم يعد سريعاً فقط، بل أصبح غير مرئي تقريباً. صار جسده آلة عنف دقيقة، يتفادى ويهاجم ويصدّ اعتماداً على صوت الهواء وتغير الضغط. سمح فاليريوس بابتسامة باهتة أن تمرّ على وجهه المتجهم. > "جيد. لم تعد مجرد صبي. لقد أصبحت ‘صِفراً’... فراغاً في وجه الموجة. لكن اختبارك الحقيقي لم يبدأ بعد، كاي. ولن يكون ضد آلات." وقف كاي في وسط القاعة الصامتة، يلهث، وجسده الجديد يرتجف من ألم لذيذ. عرف حينها أن طريقه سيقوده إلى العالم الذي نبذه، وأن القوة التي يحملها الآن هي أخطر أنواع القوة: القوة التي تزعزع النظام القائم... دون مَنّا.