وميض ازرق
الحزن لا يصرخ دائمًا. أحيانًا يجلس بهدوء داخل القلب، مثل حجرٍ ثقيل لا يتحرك، لكنه لا يتركك تتنفس بعمق. منذ ذلك المساء الذي تحوّل فيه الطريق إلى قدرٍ قاسٍ، ومنذ أن عاد الناس إلى بيوتهم وبقيت هي بلا بيتٍ حقيقي، تغيّر شيء في أسيل. لم تفقد والديها فقط؛ فقدت الإحساس بالأمان، ذلك الإحساس الخفي الذي يجعل العالم يبدو أقل عداءً.
كبرت أسرع مما ينبغي. في التاسعة من عمرها كانت تحدّق في وجوه الكبار وهي تحاول فهم معنى كلمات مثل "قضاء" و"نصيب"، لكنها لم تفهم سوى أن الدفء الذي كانت تعرفه اختفى فجأة. ومنذ ذلك اليوم، صارت تمشي في الحياة بحذرٍ زائد، كأن الأرض قد تنشق في أي لحظة تحت قدميها.
في الجامعة، كانت تبدو طبيعية لمن لا يحدّق طويلًا. شعرها الداكن ينسدل بهدوء على كتفيها، وعيناها الواسعتان تخفيان تعبًا أعمق من عمرها. كانت تبتسم أحيانًا، لكن ابتسامتها لم تكن تصل إلى عينيها. تجلس قرب النافذة كعادتها، تراقب الضوء وهو ينساب على الطاولات، تراقب الطلبة وهم يتجادلون حول أشياء بسيطة، وتفكر في كم يبدو العالم خفيفًا على من لم يتعلّم الخسارة مبكرًا.
في ذلك اليوم، كانت القاعة أكثر صخبًا من المعتاد. ضحكات عالية، تعليقات ساخرة، هواتف تلتقط صورًا بلا توقف. حاولت أسيل أن تنكمش داخل نفسها، أن تختبئ خلف كتابها المفتوح، أن تجعل وجودها أقل وضوحًا. لكنها لم تكن محظوظة.
توقفت فتاة أمامها، ظلّها حجب الضوء عن الصفحة. رفعت أسيل رأسها ببطء، فرأت نظرة تحمل مزيجًا من الاستهزاء والفضول القاسي. الكلمات التي خرجت من فمها لم تكن صرخة، لكنها كانت حادة بما يكفي لتخترق جلد الصمت الذي اعتادت عليه. سؤال ساخر عن هدوئها، تعليق عن غرابتها، ضحكة قصيرة تبعتها همسات من الخلف.
في تلك اللحظة، لم يكن الألم في الكلمات نفسها، بل في تراكمها. في كل مرة سكتت فيها من قبل. في كل إهانة ابتلعتها وابتسمت بعدها كأن شيئًا لم يحدث. شعرت بشيء ينضغط داخل صدرها، ليس كالغضب المعتاد، بل كشيء أعمق، أقدم، كأنه كان ينتظر شرارة صغيرة ليشتعل.
تغيّر الهواء حولها. هكذا شعرت. كأن القاعة صارت أضيق، والأصوات أبعد، والوقت أبطأ. نبض قلبها ارتفع، وحرارة غريبة بدأت تسري من كتفها إلى أطراف أصابعها. نظرت إلى يدها دون وعي، فرأت لمعانًا خافتًا عند أطراف أصابعها، ومضة زرقاء بالكاد تُرى، كأنها انعكاس ضوء… لكنها لم تكن كذلك.
اتسعت عيناها، وتجمّد جسدها للحظة. لم تفهم ما يحدث، لكن جسدها فهم قبلاً. امتدت يدها فجأة، حركة سريعة لم تخطط لها، دفعة واحدة، واصطدم جسد الفتاة بالجدار خلفها. الصوت كان حادًا، مفاجئًا، قطع الضجيج في القاعة كالسيف.
ساد الصمت.
الجميع ينظر.
أما أسيل، فكانت تنظر إلى يديها، وكأنهما لا تنتميان إليها. أصابعها ترتجف، والوميض الأزرق اختفى كما ظهر، لكن أثره بقي في جلدها، إحساس خفيف بالبرودة يسري تحت السطح. لم تكن تشعر بالنصر، ولا بالغضب، بل بالخوف. خوف عميق من شيء لا تراه… لكنه يتحرك في داخلها.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وأنفاسها متقطعة. همست بصوت بالكاد يُسمع:
"هذا… لم أفعله أنا."
لكنها فعلت.
أو… جزءٌ منها فعل.
وفي أعماقها، في مكانٍ لا تصل إليه الكلمات، جاء همسٌ هادئ، ثابت، كأنه يعرفها أكثر مما تعرف نفسها:
"أنا فقط… حميتكِ."
ارتجفت.
لأن الصوت لم يكن غريبًا تمامًا.
كان مألوفًا… بشكلٍ مخيف.