عزلاء الهتان - الفصل الثاني عشر : المطاردة - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: عزلاء الهتان
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر : المطاردة

الفصل الثاني عشر : المطاردة

أوقف هتّان "برق" عند الكوخ الذي تُقيم فيه ميس. نزل  أولاً من على ظهر الحصان، ثم مدّ يده إليها. نظرت ميس إلى يده القوية بتفكير للحظات؛ كانت لا تزال تشعر بالارتباك من قربه الأخير. لكنها تجاوزت ترددها وأمسكت بها لتنزل من على "برق". بعد أن استقرت قدماها على الأرض، شكرت  هتّان بلهجة رسمية على كرمه:  "شكراً لك أيها الزعيم على الملابس وعلى... الزاد." وأشارت إلى السلة التي كانت تحملها. كانت ستقول كلمة "الحصان"، لكنه سبقها وقال: "وسأجد لكِ أفضل حصان." ثم أكمل، مذكراً إياها بالفشل الأليم لرحلتها الأولى: "سأجد لكِ الحصان الأوفى، الذي سيتعرف عليكِ كفارسة، ولن يهرب ويترككِ لمجرد بعض الدماء أو لأي سبب آخر." ارتسمت الابتسامة على وجه ميس تلقائياً، ابتسامة عفوية نادرة، كأنها شعرت لأول مرة بان هناك احدا قد فهمها من دون أن تشرح .  جعلها هذا تُشرق في نظره للحظات، وربما كان هتّان شاردا في جمال تلك الابتسامة التي لم يسبق له رؤيتها على وجهها الجاد. وكأنها شعرت بنظراته إليها، فقررت أن تودعه وتدخل لتفادي الموقف. لكنها تفاجأت به وهو يدعوها: "أرجو أن تتناولي العشاء في بيتي الليلة." كررت ميس بارتباك: "بيتك؟" أخبرها أنه يود تعريفها بعائلته. "أو بالأحرى، هم أصروا عليّ ليروا هذه الحكيمة التي أنقذتني من الموت." لم تدرِ ميس مالذي تقوله. فهي لم تكن تُخطط لإنشاء أي روابط اجتماعية مع أهل الدهّام؛ هي مجرد عابرة. لكن هتّان سبقها وقال بصوته العميق: "سآتي بنفسي لاصطحابكِ مع المساء ." انتابها القلق بشأن الملابس وهي تنظر إلى نفسها. إنها ستقابل عائلة الزعيم، أي الطبقة العليا من الدهّام. ابتسم هتّان بخفوت مرة أخرى، وأخبرها:  "لا تقلقي. ستأتيكِ أشياؤكِ قريباً." نظرت إليه ميس بحيرة، فهي لا تفهم كيف يمكن أن تأتي ملابسها المصممة خصيصاً في ساعات قليلة. هبّت الريح فجأة، فرفرفت خصلات شعر ميس الطويلة على وجهها وكتفيها. لكن كل حيرتها تبدّدت وتحولت إلى صدمة وإرتباك وخجل، عندما أعاد هتّان بعضاً من خصلات شعرها خلف أذنها بحركة سريعة ومباغتة، وهو يقول بنبرة دافئة: "حتى لو لم تتزيني... فلن يروا أجمل منكِ." تسارعت دقات قلبها من جديد، ووصلت حدّ الألم الخفيف في صدرها. ماجعلها تسحب نفسها فوراً، مقررة الدخول إلى الكوخ وهي تمسك بتلك السلة بعصبية ظاهرة. ركب هتّان "برق"، بينما هي وقفت تنظر إليه من فتحة باب الكوخ، تضرب بقبضتها على صدر هذا الجسد وتلومه: لم يكن يجب أن تتأثري! "حتى لو كان زعيماً ووسيماً... سيظل بربرياً بالنسبة لي!"  كررت ميس في سرها. ثم تساءلت بقلق: ما قصة هذا القلب؟ لماذا يدق ويتألم في كل مرة يفعل بها هتّان شيئاً؟ لكن اسئلتها انقطعت عندما وجدت عجوز الكوخ تسألها بقلق وحيرة: "ما الأمر أيتها الحكيمة؟" التفتت إليها ميس ورسمت وجهها المحايد والمُتعوّد على إخفاء المشاعر، مطمئنةً العجوز بنظرة هادئة. _______ لم يكد هتّان يغادر حتى وصل الفارس إلى الكوخ، حاملاً صندوقاً خشبياً كبيراً وثقيلاً. كان الصندوق مُصنعاً بمهارة، خشبه داكن وناعم، ومُزيّن بنقوش هندسية بسيطة محفورة بعمق على أطرافه، مما يضفي عليه مظهراً فاخراً. وضع الفارس الصندوق أمام ميس، ثم أشار إلى هتّان في الأفق:  "السيد أرسل هذا لكِ أيتها الحكيمة." فتحت ميس الصندوق بفضولٍ مُتوجّس، لتنصدم بما رأت: في الأعلى، كان هناك الفستان الأزرق الملكي ذاته الذي كانت قد لمحته في متجر الخياطة . كانت قماشته من الازرق  اللامع، تتداخل فيه تطريزات فضية دبرة، بدا وكأنه مُصمم لملكة. إلى جانبه، كانت هناك مجوهرات بسيطة لكنها أنيقة،  قلادة فضية ذات حجر أزرق، و أقراط . بالأسفل، وجدت حذاءً ناعماً مُطرّزاً، يتناسب تماماً مع الفستان، يُشبه أحذية الطبقة الراقية في الدهّام. لم تتوقع ميس كل هذا بصراحة. للحظة، فكرت في الرفض وإنهاء أمر الدعوة قبل أن تبدأ، فكل هذا الكرم كان يُربكها. لكن الفارس ذكّرها بأن السيد سيأتي قريباً لياخدها ، ثم تركها ورحل. عادت  تنظر إلى الصندوق من جديد، تشعر بالحيرة. حتى شعرت فجأة بـراحة يد حانية تسقط على كتفها. كانت تلك العجوز ذات الملامح السمحة، التي ابتسمت وقالت:  "هيا يا ابنتي، الزعيم ينتظركِ. تجهزي وتجملي، ولا تدعيه ينتظر." ماجعلها تطلق تنهيدة وتقرر أن تُسلّم أمرها. أخذت الفستان والحلي، وبدأت في تجهيز نفسها، تحاول أن تُخفف من قلقها بشأن هذا اللقاء الجديد. بعد مدة وجيزة، وصل هتّان إلى الكوخ، حيث استقبلته العجوز بابتسامة واسعة. سألها عن أحوالها وعما إذا كان ينقصها شيء، ثم فجأة، ظهرت ميس. كانت قد أبدلت ملابسها. وما إن خطت أولى خطواتها من باب الكوخ، حتى ساد الصمت المكان. وكأن القمر قد نزل على الأرض، وتجسّد في هيئة بشرية. كانت ميس ترتدي الفستان الأزرق الملكي، الذي أبرز قوامها الرشيق بشكل لا يصدق. انسدل شعرها الأسود الفاحم على كتفيها بتموجات خفيفة، وتلألأت المجوهرات البسيطة على عنقها وأذنيها، تُضفي عليها هالة من السحر الغامض. كانت تسير بارتباك خفيف، تشعر بـنظرات الجميع الذين الجمتهم الصدمة. حاولت تمالك نفسها، وهي ترفع رأسها قليلاً لتواجه المشهد. وقفت قبالة هتّان. بينما كانت عيناه الرماديتان مُثبتتين عليها. ملامح وجهه كانت خالية من أي تعبير، وكأنما فقد القدرة على الكلام أو حتى الرمش. كانت نظرة عميقة، يمتزج فيها الإعجاب بالذهول، لم يستطع إخفاءها. لكنها قطعت  هذا الصمت المحرج بسؤالها الجاد، الذي أعاده إلى الواقع:  "ألن نذهب الآن؟ لا أريد أن أتأخر عن الموعد." أومأ هتّان برأسه موافقاً على كلام ميس، ثم أشار إليها بالركوب. صعدت ميس على "برق" بمساعدة منه، واستقرت أمامه  ليخترقا طرق الدهّام الصاعدة نحو قمة الوادي. كانت الرحلة قصيرة، لكنها كافية لتري ميس العظمة الخفية للقبيلة. توقفت الرحلة عند مدخل قصر هتّان، الذي كان يختلف تماماً عن مفهوم البيوت الذي اعتادت عليه. فمهما توقعت  أن يكون بيت الزعيم كبيراً، الا أنها لم تتوقع أن يكون هكذا. كان القصر يتربع على مرتفع صخري، مُحاطاً بأسوار طبيعية، وأشبه بمدينة صغيرة  بناء ضخم مُتعدّد الطوابق، مُتراكب بأناقة، بقبابه ومآذنه المُزخرفة التي تلمع تحت نور القمر. لقد كان مختلفاً كليا عن بيت عائلة المرجان الذي كان أشبه بالقلعة المُظلِمة والسجن. هذا القصر كان يقطر ألواناً حية وروحاً دافئة؛ الإضاءة الصفراء كانت تنبعث من النوافذ المُقوسة والمداخل، وتتسلل بين أشجار النخيل المتدلية، مما منحه هالة من العظمة الودودة. نزل هتّان عن "برق" برشاقة. ثم مدّ يده إلى ميس، التي كانت لا تزال منبهرة بعظمة المكان، فأمسكت بها لتنزل. ليقودها نحو المدخل المُضاء. من الداخل، كان القصر يعكس رحابة وكرم بيوت النبلاء العرب قديماً. لم يكن مُتخماً بالذهب، بل بالدفء. توزّعت الغرف الكبيرة حول فناء مركزي مفتوح (حوش)، مزين بنافورة رخامية تنشر رذاذ الماء وصوته الهادئ. اما  الجدران فزينت بنقوش جصية هادئة، بينما غطّت الأرضيات سجاد منسوج يدويًا بألوان ترابية وحمراء دافئة. كانت الإضاءة تأتي من مشاعل وفوانيس نحاسية مُتدلية، مما منح المكان شعوراً بالألفة والسكينة، بعيداً عن برودة القصور الملكية. ما إن دخل هتّان وميس إلى قاعة الاستقبال، حتى ظهر أفراد عائلته لاستقباله: والدته، إخوته السبعة، وجدته زبيدة التي كانت تتكئ على عكاز، سيدة معمرة ذات وجه مطبوع عليه آثار الحكمة. وقف هتّان إلى جوار ميس، وقام بتعريفها بأفراد عائلته ثم عرف بها بلهجة رسمية. "هذه هي الحكيمة ميس، وهي ضيفة الدهّام ومنقذتي التي حدثتكم عنها " ألقت ميس التحية وقد حاولت أن تكون مهذبة ومُقتضبة. لكن فجأة، وبطريقة لم تتوقعها، اقتربت منها الجدة زبيدة. كانت تتكئ على عكازها وتتقدم ببطء، تكاد تدخل وجهها في وجه ميس، تضيق عينيها في تركيز شديد حتى شعرت ميس بأنفاسها الحارة. ماجعلها تجفل للحظات ثم تتراجع خطوة للخلف بغير وعي. تمتمت الجدة زبيدة بصوت خفيض، لكن الجميع سمعه: "هذا الجمال أعرفه جيداً..." ثم رفعت رأسها بحدة وسألت ميس مباشرة: "من أي قبيلة أنتِ؟" صمتت ميس ولم ترد للحظات، ونظرت نحو هتّان الذي تدخل ليخفف من حدة الموقف. أخبر هتّان جدته أنها ليست من الدهّام، لكنه لم يقل شيئاً آخر، فهو الآخر لا يعرف من أين أتت  حقاً. قررت ميس أن لا تخبرهم أنها من المرجان المعادية لهم، بحكم أنها ستغادر قريباً ولا داعي لإثارة أي توتر أو مشاكل قد تضيع وقتها وتعرقل رحلتها. فردت على  الجدة بشيء من الصدق المحجوب:  "جئت من مكان بعيد عن هنا، بعيد جداً.  بلد مسالم، فيه التطور واحترام المرأة يعدان امرا ضروريا." كانت تنتظر ماستقوله زبيدة لكن قبل أن تستطيع الجدة التعليق على هذا الوصف الغامض، تدخّل إخوة هتّان الأصغر سناً. و سحبوا ميس بطريقة مفاجئة جعلت عيناها تتسعان من الصدمة. أخبروها بابتسامات بريئة وبراءة الأطفال: "تعالي! نحن نريد أن نأكل!" وهي التي لم تكن معتادة على التواصل الجسدي كثيراً، حاولت التماسك وهي تُقاد نحو غرفة الطعام بواسطة هؤلاء الفتيان المتحمسين. بينما ابتسم هتّان لدهشة ضيفته وتبعهم بهدوء، وهو يحضن إليه والدته، التي مسحت بيدها على وجهه تتأكد من سلامته وعافيته. تبعتهم الجدة زبيدة بصمت، لكن عينيها كانتا لا تزالان مثبّتتين على ميس، وكأنها تحاول فك لغز هذا الجمال الذي "تعرفه جيداً". _____ اقتاد الإخوة السبعة ميس إلى قاعة الطعام، التي كانت غرفة واسعة مُضاءة بهدوء، ومُجهزة بموائد منخفضة تقليدية تحيط بها وسائد مريحة بدلاً من الكراسي. انتشرت على الموائد أطباق عربية دسمة وشهية؛ اللحم المشوي، والأرز المتبّل، وأصناف من الخبز الطازج. جلست ميس بين الإخوة الصغار، بينما جلس هتّان قبالتها، محاطاً بوالدته زبيدة وجدته. أثناء تناول الطعام، أحضر الخدم شراباً عربياً تقليدياً سميك القوام. كان لونه يميل إلى الأحمر الداكن، ورائحته مُعطرة بماء الورد والتوابل، وقد يكون مُعدّاً من التمر أو العنب (الخالي من الكحول بالطبع). مدّت ميس يدها وأخذت كوباً، تنظر إليه بحذر. لم تتعود على هذه المشروبات. أخذت منه رشفة صغيرة بطرف شفتيها، واستشعرت طعمه الحلو واللاذع قليلاً، مع نكهة التوابل الغريبة التي لم تكن سيئة على الإطلاق. أومأت برأسها في دلالة على أنه لذيذ، وشربت رشفة ثانية، وهي تشعر ببعض الدفء ينتقل إلى صدرها. مر الوقت سريعاً، وتبادلت ميس الحديث باختصار، تجيب على أسئلة العائلة المباشرة حول رحلتها وحالتها الصحية. لكنها مع ذلك، استطاعت أن تشعر بالدفء الحقيقي لهذه العائلة، الذي كان مختلفاً عن العلاقات الرسمية والباردة التي اعتادت عليها في عالمها او حتى عند آل المرجان. الأمر الذي أسرها حقاً كان عندما رأت هتّان وهو يتفاعل مع أسرته. لقد ابتسمت دون وعي عندما شاهدته يعانق والدته زبيدة بحنان، ويهتم بشقيقته الصغيرة التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، يسألها عن يومها وعن حاجاتها. فكّرت ميس بارتياح: على الأقل يوجد رجال في هذا الزمن يحترمون المرأة ويقدرونها؛ هو ليس مجرد قائد عسكري، بل ابن وأخ مسؤول. هذا الجانب منه هدّأ الكثير من توترها. ولكن، كان لم يخفى عليها تلك العينين المنكمشتين اللتان كانتا تراقبانها باستمرار. كانت الجدة زبيدة تنظر إليها طيلة الوقت، مُتجاهلة الأحاديث الجارية، وكأنها تدرس كل حركة تقوم بها ميس، وكل رشفة تتناولها من الشراب. لم تكن نظرة حقد، بل نظرة تأمل عميق، وكأنها تحاول ربط خيوط ماضٍ بعيد بهذا الجمال الغريب الحاضر أمامها في ثوب أزرق ملكي. لم تهتم ميس بهذه النظرات، فقد اعتادت أن تكون مركز الانتباه، سواء في حياتها القديمة او منذ اتت الى هذا الزمن . ______ مر الوقت وميس، التي كانت جالسة وسط حماس إخوة هتّان، قررت أن تقوم وتأخذ نفساً عميقاً. سارت قليلاً حتى وجدت نفسها عند شرفة واسعة تطل على الوادي المُنحدر نحو وسط الدهّام. كانت السماء قد تلونت بلون أزرق داكن ومُخملي، وبدأت النجوم تختفي خلف السحب المُنخفضة، وكأن المطر قادم. عندما وصلت إلى الشرفة، رأت هتّان واقفاً يستند على حاجزها الحجري، بدا غارقاً في التفكير العميق. لكنه شعر بوجودها والتفت، قبل أن يعود للنظر من جديد إلى السماء المُتلبدة. اقتربت ميس منه ووقفت إلى جانبه، تشكره على دعوته للعشاء:  "شكراً لك. عائلتك ناس طيبون، وإخوتك لطفاء حقاً." أخبرها هتّان بأنه لاحظ ذلك:  "يبدو أنهم قد أحبّوكِ." ابتسمت ميس ثم تابعت بتهكم خفيف، مُشيرة إلى الجدة: "لكن جدتكِ ليست كذلك على الأغلب." أوضح هتّان بهدوء:  "جدتي حذرة قليلاً مع الغرباء. "  ثم اضاف : "وخصوصا بعد الحرب الأخيرة ووفاة والدي، أصبحت أكثر حذراً وحرصاً." حدقت ميس فيه على الفور، وكأنها تذكرت أنها لم تر والده قط في هذا القصر. سألته باهتمام:  "هل مات والدك منذ وقت طويل؟" خرجت تنهيدة طويلة من صدر هتّان. ورغم تعابير وجهه الهادئة، إلا أن الألم كان مرتسماً في عينيه الرماديتين عندما قال: "مات في الحرب الأخيرة. على يد أحد رجال المرجان." اتسعت عينا ميس قليلاً، شعرت بوخز من الذنب الغامض تجاه انتمائها الجسدي في هذا العالم. تابع هتّان، وقد أصبح صوته أثقل: "الحرب الأخيرة كانت قاتلة فعلاً. لقد خسر أغلب الناس أحد أفراد عائلاتهم أو حياتهم... وكنتُ واحداً منهم." الآن فهمت ميس لماذا أصبح هتّان، رغم صغر سنه مقارنة بوالد ثريا، زعيم الدهّام. لقد خسر والده وكان عليه أن يحل محله. سألته مباشرة: "إذاً أنت تكره المرجان؟" أخبرها هتّان بصدق لاذع: "سأكون كاذباً لو قلت أنني لا أكرههم، أو بالأحرى هم أكره الناس إلى قلبي. بسببهم اضطررت أن أُحرم من أبي. لكن مع ذلك، يمكنني أن أتحمل بفضل الذكريات الجميلة التي صنعتها معه. لكن إخوتي الصغار لم يعيشوا معه كثيراً، لم يعيشوا ما عشته أنا. لذا أنا أحاول أن أجعلهم يعيشون ذلك... أن أُعوّضهم." ابتسمت ميس بتفهم: "يبدو أن والدك كان أباً رائعاً." ابتسم هتّان بحنان للذكريات، ثم أومأ.  "أبي كان يأخذني معه إلى كل مكان يذهب إليه؛ الصيد، وحل مشاكل الدهّام، كان حتى ينام معي. وهو من أحضر لي برق." ابتسمت ميس هي الأخرى وهي تستمع إليه. ثم عقدت ذراعيها إلى صدرها . فظن هتّان أنها تشعر بالبرد. سارع يخلع  العباءة التي كان يرتديها، وغطاها بها. ورغم رفض ميس ، الا انه ثبّت العباءة على كتفيها. ثم نظر في عينيها بعينيه الرماديتين  بعمق. فتسارعت ضربات قلبها ، لكنها تسارعت أكثر عندما قال بكل صدق، وبعبارة كشفت عن أعمق مشاعره: "لذلك يا ميس، أنا ممتن لكِ جداً. لأنكِ أنقذتِ حياتي، ولم تجعلي عائلتي تعيش ألم فقدانه، وتحرَم مما كنت سافعله لهم." ______ جاء وقت عودة ميس إلى الكوخ. فودّعت  عائلة هتّان بلباقة، وشكرتهم على الدعوة الدافئة، بينما كانت عينيها لا تزالان تحملان انطباعاً عميقاً عن دفئهم وحجم مسؤولية هتّان. لتركب على "برق"، الذي بدا أنه قد اعتاد عليها فعلاً، إذ لم يُظهر أي تذمر. كان هتّان على وشك أن يمتطي الحصان خلفها، لكن جدته زبيدة أوقفته. مدّت  زبيدة يدها وتمسكت بذراعه بقوة مُدهشة بالنسبة لامرأة في مثل عمرها، بينما كانت يدها الأخرى تدعمها على العكاز. نظر هتّان إليها باهتمام ليسمع ما ستقوله، فهي نادراً ما تتحدث مباشرة في وجود الغرباء. أخبرته زبيدة بصريح العبارة وبصوت منخفض لا يكاد يسمعه أحد غيره:  "لا تقترب من هذه المرأة كثيراً يا هتّان." عقد هتّان حاجبيه بعدم فهم، وقال:  "إنها الحكيمة التي أنقذت حياتي يا جدتي." أخبرته الجدة أنها تعلم ذلك جيداً، وأن الدهّام لا ينكرون الفضل أبداً. لكنها تابعت وهي تلتفت لتنظر إلى ميس، التي كانت تنظر إلى الطريق بهدوء، شاردة في التفكير: "ولكن هذا الوجه، وهذا الجسد... وتلك الرائحة... هناك شيء غريب فيها يا ولدي. عليك أن تكون حذراً." لم يفهم هتّان كلامها؛ فهو لم ير سوءاً من ميس، بل رأى منها الصدق والذكاء والقوة. لكنه اكتفى بالإيماءة احتراماً لجدته، وترك ذراعها، التي كان قلبها يُخبرها بأمر ما. بمجرد أن ابتعد هتّان قليلاً، أكملت زبيدة بخفوت، وكأنها تتحدث إلى نفسها: " لقد شمّتت رائحة الموت منها..." اقتربت منها والدة هتّان تسألها بابتسامة: "هل قلت شيئاً يا أمي؟" لكنها نفت  برأسها وضربت بكعازها الارض ثم دخلوا جميعاً . ______ في صباح اليوم الباكر، استيقظت ميس التي كانت تنام على الأرض المُفرّشة في كوخ العجوز على صوت وإحساس لا يُبشّر بالخير؛ فوضى خفيفة لكن مُتزايدة في الخارج، وصوت أحصنة تضرب بأرجلها بقوة. اقتربت ميس من الباب وفتحته قليلاً، محاولة تركيز حواسها لتستطيع السماع والتفريق بين أصوات السوق المعتادة وأصوات القلق. ثم عادت إلى غرفتها عندما لم تستطع ان تعرف شيئا، لكن بعد دقائق، دخلت ابنة العجوز الصغرى التي كانت قد ذهبت لملء دلو الماء من البئر  ثم أغلقت الباب خلفها بقوة مفرطة، وتركت الدلو على الأرض الخشبية، فتناثرت قطراته بعصبية، كان صوتها عالياً وهي تُدلي بآخر ما توقعته ميس: "المرجان هنا!" خرجت ميس بسرعة من الغرفة. وظهرت العجوز حائرة وقلقة في نفس الوقت:  " ماذا تقولين ؟ المرجان؟ هل دخلوا الدهّام؟ ما الذي يفعلونه هنا؟" أخبرتها الفتاة بخوف أنها لا تعلم، فقد سمعت الناس يقولون إن رجال المرجان في الدهّام، لقد جاءوا سألتها العجوز عن هتّان: "أين هتّان؟ أين الزعيم؟" فأجابت أنها لا تعلم مكانه، لكنها فقط رأت بعضاً من فرسان قبيلتهم يقفون لهم. ميس سمعت آخر تلك الكلمات، وأدركت الخطر فوراً. ركضت بسرعة ناحية الغرفة. وبينما كانت تبحث عن كيس الذهب الخاص بها والعباءة لترتديها فوق ثوبها، كان عقلها يعمل بسرعة جنونية: المرجان جاؤوا بحثاً عنها، أو بالأحرى جاؤوا بحثاً عن جسد ثريا الذي استولت عليه. عليها أن تغادر هذا المكان فوراً، قبل الوقت الموعود! بدون حصانها الموعود، وبدون ثيابها الجديدة، وبدون أي شيء سوى ما ترتديه وكيس الذهب. خرجت ميس من الكوخ مسرعة، تاركة خلفها العجوز والفتاة تناديان عليها بـ"الحكيمة"، لكنها لم تلتفت. بل ركضت  بحذر، متجهة نحو الأزقة الخلفية. وعندما وصلت إلى منعطف، رأتهما من خلف أحد الجدران؛ كانت تضع يدها على قلبها من شدة الخفقان. بن ناصر وأبلج ورجال آخرون. لقد جاؤوا حقاً بحثاً عنها! كانا قد نزلا من خيوليهما، يسألان بحدة وغضب عن هتّان. سمعت ميس صرخة أبلج القوية: "إذا لم يخرج ذلك الزعيم ويقابلنا، فسنحرق الدهّام! عليه أن يظهر ويخبرنا أين يخفي المرأة التي تنتمي إلى المرجان!" فرسان الدهّام الواقفون أمامهم استنكروا الأمر، وتساءلوا: "أي امرأة مرجان توجد هنا؟ وهل تظنون أن حرق الدهّام بهذه السهولة؟ فلتغادروا بسلام أحسن لكم!" لم تستطع ميس أن تفكر في أي شيء سوى في الهرب. عليها فقط أن تبتعد قبل أن يمسكوا بها وتضيع عليها فرصة الوصول إلى بنو الرقاع . ركضت  مجدداً، كانت تركض فقط، لا تعلم حتى إلى أين تذهب في زحام الأزقة الصاعدة والمنحدرة. ولم تكن تعلم أن أحد الفرسان من رجال المرجان كان قد لاحظ حركتها المُريبة وهي ترتدي عباءتها الداكنة، فصاح بأعلى صوته وهو يؤشر باصبعه الى مكانها: "إنها هناك!" تبادل أبلج وبن ناصر النظرات المشتعلة، ثم أسرعا يركبان خيولهما وراء ميس، التي أصبحت مطاردة في قلب الدهّام. وبعد مدة ... لم تعد ميس قادرة على الركض أكثر؛ فجسدها الذي لم يتعافَ تماماً بعد أرهقته السرعة. وما زاد الطين بلّة، هو أنها دخلت فجأة إلى منطقة كثيفة بالضباب الأبيض الكثيف، وهو ضباب شتوي بارد يلفّ أطراف الدهّام، مما جعل الرؤية مستحيلة تقريباً. بطّأت  من ركضها حتى تحول إلى ركض متقطع، محاولة التقاط أنفاسها. لكن فجأة، مزّقت الصمت أصواتٌ قادمة من خلفها؛ أصوات أحصنة تقترب بسرعة جنونية! استدارت ميس في مكانها بصعوبة وسط الضباب، وقد كان مظهرها الآن يعكس اليأس . شعرها الداكن كان مبعثراً حول وجهها الشاحب والمُتعرق. كانت عيناها واسعتين بصدمة حقيقية. لقد لحقوا بها! ثم سمعت صرخة بن ناصر تخترق الضباب، وهو يركب حصانه ويضربه بقوة ليُسرع: "ثريا! فلتتوقفي عن الهرب! إن كنتِ لا تُريدين أن ينتهي أمركِ، فلتتوقفي!" ابتلعت ميس ريقها، وأدركت أن ليس لديها خيار سوى الاستمرار. استأنفت الجري مجدداً، تدفع بجسدها المنهك للأمام داخل متاهة الضباب. وكأن الأمر لم يكن كافياً، فقد بدأ المطر يهطل بغزارة مفاجئة، مُكمّلاً المشهد البارد والقاتل. فاصبح الجو بذلك خليطاً قاسياً من الضباب البارد والمطر المنهمر، مما جعل الأرض الحجرية زلقة وموحلة. و ابتلّت ميس  تماماً في ثوانٍ. كما سقطت أكثر من مرة بسبب الأرض الزلقة، لكنها كانت تقاوم وتنهض بسرعة البرق، تدفع نفسها نحو الأمام. أنفاسها أصبحت متقطعة وحادة، وكأنها ستقطع صدرها. يداها كانتا تمسحان على وجهها المبتل والمملوء بالطين، بينما كان صوت الخيول يقترب منها بلا رحمة، وكأنها تُعلن النهاية. كانت تسمع صليل السيوف والفرسان خلفها، وأدركت أن الامساك بها لم يعد مسألة وقت، بل مسألة أمتار قليلة. كان أبلج في المقدمة، فحِصانه كان أسرع وأقوى من حصان بن ناصر. كان الغضب والتعصّب يُعميان عينيه، والضباب اللعين يُعرقل سرعته، لكنه كان مصمماً على الإمساك بـ"ثريا" الهاربة. وسط الضباب الكثيف، انتبه أبلج إلى وجود طريق جانبي آخر يمكن أن يكون طريقا مختصرا . نظر إلى بن ناصر وقال بنبرته صوته الخشنة: "استمر على طريقك! اما انا سأذهب من هذا!" و بينما تابع بن ناصر طريقه المباشر مع بقية الرجال، انطلق أبلج كالريح في الطريق الجانبي، مستغلاً معرفته بأزقة الوديان. ميس كانت في ذلك الوقت تشعر بالضياع الكامل؛ الضباب جعلها تفقد كل الاتجاهات، والركض في المطر استنفد آخر ذرة طاقة لديها. لم تعد قادرة على الركض، وبدأت تزحف تقريباً، فساقاها لم تعد تستجيبان. لكن فجأة، سمعت صوت حصان يتقدم من أمامها مباشرة. كانت ستتحرك وتغير اتجاهها، لكن الحصان توقف أمامها. خرج من الضباب، ضخماً ومهيباً، أبلج على صهوة حصانه، ونظراته الحارقة والممزوجة بالغضب الشديد كانت مُثبتة عليها. فكرت  في الهرب من الطريق الذي جاءت منه، لكنها وجدت بن ناصر ورجاله يظهرون من بين الضباب الكثيف أيضاً، مُغلقين كل طرق الهروب الممكنة. الآن، أصبحت ميس محاصرة بالكامل، وسط الضباب والمطر والطين، وبين فرسان المرجان الغاضبين. قال بن ناصر بتعب، وهو يترجل من على حصانه: "لقد أمسكنا بكِ." وهكذا، تمت محاصرتها .