حملة العدم - الفصل الرابع: المُعلم الصامت - بقلم YASSINE ABIDI | روايتك

اسم الرواية: حملة العدم
المؤلف / الكاتب: YASSINE ABIDI
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع: المُعلم الصامت

الفصل الرابع: المُعلم الصامت

كانت الأيام التالية في قصر اللورد فاليريوس تختلف كلياً عن حياة العبودية القذرة في السوق. لم يُجبر كاي وليرا على التنظيف أو الخدمة؛ بدلاً من ذلك، وُضِعَا في جناحين متواضعين لكن نظيفين. لكن هذه الراحة لم تكن سوى واجهة لحياة جديدة من القسوة المنهجية. في صباح اليوم الأول، استيقظ كاي على صوت إنذار ميكانيكي حاد. اصطحبه حارس شخصي صامت إلى غرفة كبيرة تشبه قاعة تدريب قديمة، خالية تماماً من أي أدوات سحرية. كان فاليريوس واقفاً في المنتصف، يرتدي ملابس بسيطة وضيقة تكشف عن جسد رياضي غير متوقع. "السحر يمنح القوة بسهولة، لكنه يفسد الجسد، يجعله متراخياً وكسولاً،" بدأ فاليريوس، صوته يتردد في القاعة. "أما أنت يا كاي، فجسدك هو كل شيء لديك. هو معبدك، وسلاحك، وخط دفاعك الأخير." كانت أول مهمة لكاي هي مهمة مستحيلة: الركض عشرة أميال متواصلة في فناء القصر، ثم صعود عشرة آلاف درجة صخرية حادة، كل هذا قبل شروق الشمس. جسد كاي النحيل لم يكن مهيأً لهذا العبء. في البداية، فشل فشلاً ذريعاً. سقط قبل أن يكمل الميل الثالث، وكان يتنفس بصعوبة مميتة. لم يكن فاليريوس يصرخ أو يوبخ؛ بل كان يكتفي بالنظر إليه بعينين فولاذيتين، وكأن صمت اللورد كان أشد وطأة من أي عقاب. في اليوم الثاني، سقط كاي في الميل الخامس. في اليوم الثالث، سقط في الميل الثامن. كان الألم يمزق كل عضلة في جسده، لكنه تعلم شيئاً: الألم ليس نهاية، بل إشارة للبداية. في المساء، كانت ليرا هي نقطة ضوئه الوحيدة. كانت تعمل في مكتبة فاليريوس الضخمة، حيث كانت تساعد في ترتيب المخطوطات والكتب التي لم تكن عن السحر، بل عن التاريخ، والفلسفة، وعلوم التشريح، وتكتيكات الحروب القديمة. كانت تتعلم أن المعرفة أيضاً شكل من أشكال القوة. "جسدك مليء بالجروح، كاي،" همست ليرا له في المساء، وهي تضع له مرهم أعشاب على كدماته. يدها كانت خفيفة وحذرة، وهي المرة الأولى التي يشعر فيها كاي بلمسة حقيقية من الحنان منذ ولادته. نظر إليها كاي، ورأى في عينيها قلقاً حقيقياً. هذا التعاطف، هذه الرومانسية الناشئة في قلب المعاناة، كانت نقطة ضعف وقوة في آن واحد. "يجب أن أكون قوياً. لا أريد أن يتم بيعنا مرة أخرى." صوته كان جافاً ومتهدجاً. بدأت السمات الغامضة للتدريب تظهر. لم يكتفِ فاليريوس بتعزيز لياقة كاي؛ بل بدأ في تعليمه فن الحركة والتوقع. كان يطلب منه أن يراقب حركته وحركة حراسه، ويرسم خطوطاً وهمية لاتجاهاتهم المحتملة. "أنت لا تمتلك المانا، لكنك تمتلك شيئاً أعمق: الفهم النقي للحركة المادية،" قال فاليريوس ذات مرة. "السحرة يعتمدون على قوة خارجية، وأنت ستعتمد على قوة داخلية. سأعلمك كيف تستغل كل بوصة من جسدك لتحقيق أقصى قدر من القوة والسرعة." أدخل فاليريوس عنصراً جديداً إلى التدريب: الحرمان الحسي. كان يربط كاي في غرفة مظلمة، ويطلب منه أن يتعرف على موقعه واتجاهاته فقط من خلال حاسة السمع والاهتزازات في الأرض. هذا التدريب لم يكن لتحسين لياقته فحسب، بل لتطوير قوته العقلية وتركيزه اللامحدود. وفي إحدى جلسات التدريب، سأل كاي سؤاله الأول لفاليريوس: "ما هو هدفك من كل هذا؟" نظر فاليريوس إلى كاي بنظرة ثاقبة. "هدفي بسيط. أريد أن أثبت للعالم أن الإرادة المجردة للإنسان أقوى من أي قوة سحرية. أريدك أن تكون الدليل الحي على فشل اعتمادهم على المانا. أريدك أن تصبح السلاح الذي يخشاه السحرة." في نهاية الأسبوع الأول، لم يعد كاي يسقط. كان جسده، المنهك والمليء بالكدمات، يبدأ بالاستجابة. كانت عضلاته تنمو ببطء ولكن بثبات. الأهم من ذلك، أن نظرة الغموض والتصميم في عينيه كانت تزداد حدة. لقد كان يتدرب، ليس فقط من أجل النجاة، ولكن من أجل تدمير كل ما يمثله السحر.