الفصل الثالث: ثمن مائة ذهب
تلاشى نتنُ سوق العبيد خلفهم، وحلّت مكانه نسمات الهواء البارد النقي في الأحياء العليا من المدينة. كان كاي وليرا، وأيديهما ما تزال مقيدة بالسلاسل، يُقادان على يد شخصية غامضة في عباءة داكنة. كان الرجل يتحرك بخطى صامتة محسوبة، ووجهه مخفي تحت القناع، لا يظهر منه سوى بريق معدني خافت يلمع أحيانًا حول أصابعه.
ارتجفت ليرا، لا من البرد فحسب، بل من خوف غريزي غامض. نظرت إلى كاي، ويدها الصغيرة تشد قبضته دون وعيٍ منها. قبضته كانت قوية، ثابتة، كمرساة صامتة وسط بحرٍ من الغموض. لكن كاي لم يكن خائفًا. كان يراقب. يتتبع كل حركة دقيقة في مشية سيدهم الجديد، وكل صوتٍ يصدر من المدينة، وكل انعكاسٍ للضوء على حجارة الطريق. كانت حواسه، التي صقلها الخطر الدائم وغياب السحر، هي بوصلته الوحيدة.
قادهم الرجل بعيدًا عن الشوارع المزدحمة إلى جزءٍ أكثر هدوءًا وتقشفًا من داسكار. هناك، كانت المباني أضخم وأكثر رصانة، مبنية من حجرٍ أسود مصقول، خالية من الهالات السحرية النابضة التي عادةً ما تملأ أحياء الأثرياء. كان المكان يعجّ بقوةٍ صامتة، نوعٍ آخر من السلطة.
وأخيرًا، وصلوا إلى بوابةٍ شامخة متواضعة المظهر. رفع سيدهم يده، فانفتح الباب الحديدي الثقيل، لا بواسطة تعويذةٍ سحرية، بل بصوتٍ ميكانيكي خامٍ من مفاصلٍ مدهونة بإتقان. في الداخل، كان فناءٌ مرصوفٌ بحجارةٍ داكنة ناعمة، بلا حدائق ولا نوافير، تغمره سكينةٌ صارمة أشبه بأجواء الأديرة.
أُدخلوا إلى قاعةٍ واسعةٍ مضاءةٍ بخفوت. كان الهواء باردًا، تعبق فيه رائحة الورق القديم ولمسةٌ معدنية خفيفة. عندها استدار الرجل ذو العباءة إليهم ببطء، ثم أنزل غطاء رأسه بحركةٍ متعمدة.
لم يكن الرجل مسنًّا، ربما في أواخر الثلاثينات من عمره، بعينين حادتين بلون الفولاذ. كان وجهه نحيلًا، يحمل ملامح تفكيرٍ دائم، وشعره الأسود مربوطًا بعنايةٍ إلى الخلف، فيما يمتدّ جرحٌ رفيع بالكاد يُرى من صدغه حتى فكه. لم يرتدِ خواتم قوة ولا تعاويذ سحرية. بدا كمفكرٍ أو استراتيجي، لا كساحر.
قال بصوتٍ هادئٍ دقيقٍ خالٍ من الدفء:
«اسمي اللورد فاليريوس. أنتما الاثنان هما “العديمان”... أولئك الذين بلا سحر.»
توقف بصره عند كاي، وفي عينيه لمعةٌ غامضة لا يمكن تفسيرها.
ارتجفت ليرا وانكمشت بخوفٍ تحت نظره البارد، أما كاي فبقي ثابت النظرات، يخفي ما بداخله. تحديقٌ صامت كان كالتحدي، فردّ فاليريوس بابتسامةٍ رفيعةٍ مفعمةٍ بالمعرفة.
قال بصوتٍ منخفض:
«هل تعلمان لماذا دفعت مئة قطعة ذهبية لقاءكما أيها الطفلان؟»
هزّت ليرا رأسها ببطء، وعيناها واسعتان من الخوف، فيما بقي كاي صامتًا، يحاول أن يفهم مقصده.
تابع فاليريوس وهو يدور حولهما بخطواتٍ تكاد لا تُسمع:
«لأنكما نقيّان. لم يمسّكما المانا ولم يفسدكما تأثيره. في عالمٍ مخمورٍ بالسحر، أنتما القلائل الذين يمكنهم رؤية حقيقته... نقاط ضعفه.»
توقف أمام كاي وقال:
«أشعر بنارٍ في داخلك، يا فتى... غضبٍ يشتعل أشدّ من أي تعويذة.»
مدّ يده، وتوتر كاي متوقعًا صفعة، لكن الرجل لمس بخفةٍ الندوب الباهتة على ذراعه.
«ظنّوا أنهم حطموك... لكنهم في الحقيقة صاغوك.»
حينها أدرك كاي الحقيقة المخيفة — هذا الرجل ليس مجرد مشترٍ، بل مراقب، جامعٌ للغرائب. لم يرَ في ضعفهما عجزًا، بل نوعًا فريدًا من القوة.
قال فاليريوس بصوتٍ يزداد حدة:
«وجودكما هنا ليس للخدمة، لا بالمعنى المعتاد. ستكونان عينيّ وأذنيّ. ستتعلمان، وستتدربان، وربما... إن أثبتما جدارتيكما، ستغدوان شيئًا أعظم من أي مستخدمٍ للسحر.»
نظر إلى ليرا ثم إلى كاي.
«أنتِ، يا فتاة، تعاطفك موهبة نادرة. وأنتَ، يا فتى، إرادتك الخام... سلاح ينتظر الصقل. سأمنحكما الأدوات والمعرفة والتدريب لتقاتلا عالمًا يحتقركما. لكن الثمن... ثمن المئة قطعة ذهبية، هو الولاء المطلق. والتفاني الكامل.»
ثم فكّ السلاسل، لا بسحرٍ، بل بصوت مفتاحٍ معدني دقيق. دوّى الطنين المعدني في القاعة الصامتة، لا ليعلن الحرية، بل بداية أسرٍ أعمق.
نظر كاي إلى المفتاح في يد فاليريوس، ثم إلى عينيه الباردتين.
لقد أُبرم العهد. وبدأت الرحلة الحقيقية — رحلة تدريبٍ شاقة، وبداية مصيرٍ لا عودة منه.