حملة العدم - الفصل الثاني: صدى صامتان - بقلم YASSINE ABIDI | روايتك

اسم الرواية: حملة العدم
المؤلف / الكاتب: YASSINE ABIDI
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني: صدى صامتان

الفصل الثاني: صدى صامتان

كان سوق "داسْكار" للعبيد ليس مجرد ساحة، بل متاهة من اللحم البشري تباع وتُشترى كالبضائع. الرائحة كانت خليطاً مقززاً من العرق، والتراب، ونفحات ضعيفة من مانا العبيد السحرة الذين ينتظرون مصيراً أفضل. لكن كاي، الواقف في زاوية موحلة، لم يشم سوى رائحة اليأس. بجانبه، كانت ليرا، الطفلة التي اصطدم بكتفها. كان كلاهما مقيداً بسلسلة واحدة تُربطهما بعمود خشبي، كأي زوج من العبيد الـ"خالين" (المصطلح المهين الذي يُطلق على عديمي السحر). كان التاجر زارْدان يصرخ بعروضه، متجاهلاً هذه الزاوية المهملة من السوق. نظر كاي إلى ليرا. لم تكن نظرة تعاطف، بل كانت نظرة تحليلية. هو يرى في عينيها ما رآه في المرآة: خوف نقي مغلف بالصمت. في هذا العالم، عندما يولد طفل بسحر، يتدرب على التركيز على تدفق المانا. لكن كاي، عوضاً عن ذلك، كان يركز على الأشياء المادية: المسافة بين الحراس، سرعة الرياح، زوايا الرمي. هذا الإدراك الحسي الجسدي كان أول قوة له. أغمض عينيه للحظة، وتذكر الإهانة الأخيرة لوالده. هذا الغضب لم يكن ناراً؛ كان جليداً. شعرت ليرا بنظرته الثاقبة. رفعت رأسها ببطء، وفي اللحظة التي التقت فيها عيناهما الرماديتان بعينيها البنيتين، لم تعد ليرا تشعر بالوحدة لأول مرة. كانت وحدتها تشبه وحدته، صدى صامتان لنفس العدم. "هل... هل أنت خالي مثلي؟" همست ليرا، بالكاد تسمعها. لم يرد كاي. عوضاً عن ذلك، رفع يده المقيدة ووضعها على سلسلة الرابط المشترك بينهما. كان يبدو وكأنه يتفحص المعدن، لكن في الواقع، كان يركز كل طاقته الجسدية على شد السلسلة ببطء شديد، مستخدماً وزن جسده كاملاً لخلق ضغط متواصل. كان يمارس تدريبه السري حتى وهو مقيد. فهمت ليرا رسالته غير اللفظية. الصمت هو الأمن. فجأة، انفتح المزاد على العبيد "الخالين". كان المشترون في العادة هم الأثرياء الذين يحتاجون إلى خدم مناعة ضد تأثيرات المانا السلبية، أو كباش فداء للاختبارات السحرية. اقترب رجل ضخم، يبدو أنه حارس شخصي لساحر ثري، متجهاً نحوهما. كان هذا الرجل يتمتع بقوة سحرية بسيطة، لكنه كان مغروراً بقوته. "هذان الثنائي. ضعيفان. أحدهما يبدو عنيداً. بكم؟" قال الحارس بلهجة متعالية. "إنهما قطعة واحدة لا تُفصل، سيدي!" صرخ زاردان. "هما ندرة! السكون المضاعف! يمكن أن تضعهما في أي غرفة سحرية ولن يفسدا أي تعويذة! فقط... 20 عملة نحاسية!" صفع الحارس كاي على رأسه بغلظة. "عنيد بلا قيمة!" في تلك اللحظة، تحول كاي. لم يتأوه، لم يرتعش. بدل أن يستجيب للألم، ركز كاي على حركة يد الحارس، على زاوية المرفق، على سرعة رد الفعل. هذا ليس سحراً؛ هذا علم الجسد. هنا بدأ الغموض يتجلى. لاحظت ليرا أن عينيه أصبحتا مثل شفرتين حادتين تدرسان خصمه، وليست عيون طفل يرتعد خوفاً. وقبل أن يبتسم الحارس بسخرية، تحرك كاي. ليس بهدف الهجوم، بل بهدف لفت الانتباه. لقد استخدم القوة المخزونة في سحب السلسلة، وقام بجر ليرا نحو الحارس في حركة مفاجئة وغير متوقعة. لم تكن الحركة قوية بما يكفي للإيذاء، لكنها أربكت الحارس لثانية واحدة. صرخ الحارس بغضب وهو يحاول إعادة الاتزان. "أيّها الوضيع! هل تحاول المقاومة؟" في تلك الثانية الضائعة، دخل مشتر جديد إلى السوق. رجل يرتدي عباءة داكنة ثقيلة، يحيط به هالة من القوة الباردة، لا يمكن تحديد هويته. مشى مباشرة نحوهم. "كم ثمن ثنائي 'السكون' هذا؟" سأل الرجل الغامض بصوت عميق وهادئ. "20 عملة نحاسية، سيدي." رد زاردان بتردد، متفاجئاً بالزبون الجديد. "سأعطيك مئة قطعة ذهبية." قال الرجل. توقف السوق بأكمله عن التنفس. 100 قطعة ذهبية؟ ثمن ألف عبد سحري! ما الذي يريده هذا الغريب بهذين الطفلين الخالين؟ نظر كاي إلى الرجل الغامض. لم يطلق الرجل أي سحر، لكن حضوره كان يضغط على الهواء. هنا، للمرة الأولى، رأى كاي قوة لا علاقة لها بالمانا، قوة سلطة وغنى قد تكون أشد فتكاً من أي تعويذة. كان هذا الرجل يشتري شيئاً أكثر من مجرد عبيد. انعقدت الصفقة بسرعة جنونية. وجد كاي وليرا نفسيهما تحت سيطرة سيد جديد. وبينما كانا يبتعدان عن سوق العبيد، همست ليرا لكاي، وهي تمسك بيده الباردة لأول مرة: "إلى أين سيأخذنا؟" رد كاي بهدوء قاتل، وهو يحدق في العباءة الداكنة أمامه: "إلى حيث تبدأ القوة الحقيقية. أو... الموت.!