الفصل الحادي عشر : موعد وغيداء
مرّ الوقت على ميس وهي تشعر بـملل فضيع. ربما كانت قد اعتادت على وتيرة التوتر العالية والمواقف المصيرية التي عاشتها مؤخراً، مما جعل هذا الهدوء النسبي يغرقها في السأم.
ولكن، وكأن شيئاً قد استجاب لنداء ضجرها، فقد دُقّ باب المنزل. اتجهت ابنة العجوز الصغيرة لتفتحه، ثم نادت بصوت خافت على "الحكيمة".
قامت ميس من مكانها لتستطلع الأمر. وإذ به الفارس ذاته، يقف بانتظارها، ويُخبرها أن السيد هتّان ينتظرها في الخارج.
تحرّك الفارس قليلاً فظهر هتّان، يستند على حصانه الأسود "برق". كانت ميس قد اعتادت رؤيته في ثياب الإعياء والدماء، لكنه الآن كان يرتدي ثياباً جديدة ومُختلفة، تعكس مكانته كزعيم لقبيلة الدهّام.
كان يرتدي على جسده الضخم طبقات من الثياب المترفة والوعرة في آن واحد
فقد غطّى جسده قميص واسع من الكتان الأبيض الباهت، فوقه سترة أقصر مُطرّزة بألوان بنفسجية وذهبية غنية.
ألقى على كتفه وشاحاً سميكاً بلون الأرجوان القاتم، مُزيناً بأهداب ثقيلة، يتدلّى منه بإهمال أنيق.
لفّ خصره بـحزام عريض من الجلد المُتقادم، وزينت ذراعيه ويديه أغماد جلدية تشبه القفازات الوعرة.
ملابسه كانت تُعبّر عن عراقة هذه الحضارة المُتخفية؛ ثياب قوية المظهر لكنها مُزينة بذوق ملكيّ، يرتدي تحتها صنادل جلدية مُتشابكة.
وقفت ميس أمامه تنظر إليه بعيون مُستفسرة، تنتظر منه التفسير.
أخبرها هتّان بجدية مخلوطة بوقار:
"من واجبي، كسيد للدهّام، أن أقوم بواجب الضيافة على أكمل وجه. هيا يا سيدتي ، دعيني أُريكِ الدهّام."
بدا على ميس التفكير. لكن لم يكن هناك شيء لتخسره؛ بل على العكس، إن رؤية القبيلة عن قرب ستساعدها في رسم خطة الهروب. ثم إنها بحاجة لشراء بعض الحاجيات الأساسية.
طلبت منه أن ينتظر قليلاً، وعادت إلى الداخل. ربطت على خصرها كيس المال الصغير الذي أخذته معها.
ثم خرجت ووقفت أمامه ، تسأله بشك وهي تنظر إلى برق:
"هل سيسمح لي بالركوب على ظهره؟" كانت تقصد ما إذا كان برق سيسمح لها بالركوب دون أن يرميها أرضاً كالمعتاد.
مسّد هتّان بيده على شعر برق الأسود فصهل الحصان بقوة. "لكني سمعت أنكِ استطعتِ ركوبه البارحة."
فهمت ميس أن الفارس أخبره بالأمر. فأجابته بحسم:
"لقد كانت حالة طارئة، وإلا فأنا لن أخاطر بنفسي من أجل ركوب حصان مغرور كهذا!"
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي هتّان. ثم سألها بهدوء: "هل تُريدينني أن أُعلّمكِ حيلة كي تستطيعي ركوب برق؟"
قوّصت ميس شفتها باستنكار، متسائلة: "هل تتوقع مني أن أحاول جاهدة كسب محبة حيوان؟"
ظلّ هتّان ينتظر ردها، ينظر لها بهدوء مُلفت. في النهاية، أومأت ميس وسألته بفضول: "كيف؟"
مد هتّان يده ناحيتها وسأل: "هل تسمحين أولاً؟"
لم تفهم ميس مقصده بوضوح، لكنها أومأت برأسها بالموافقة. ولصدمتها، شدّ هتّان معصمها الصغير بيده برفق شديد، بطريقة خفيفة حتى لا تؤلمها، وكأنما كان يمسح على يدها بيده الخشنة.
نظرت ميس إليه بعينين شاخصتين، وشعرت بـتسارع دقات قلبها بطريقة آلمتها قليلاً. ابتلعت ريقها ثم سحبت يدها منه على الفور، وقد غرقت في موجة من الارتباك المفاجئ.
وهنا أخبرها هتّان أن تقترب منه، أو بالأحرى تقرّب يدها من حصانه.
بخطوات صغيرة، اقتربت ميس ووقفت قبالة برق، لم تفصلها عنه سوى بوصات قليلة. كانت تنظر إلى برق الذي لم يتحرك، لكن نظرته لم تكن تبشر بالخير.
التفتت تنظر إلى هتّان وسألته بوجل:
"هل أنت متأكد أنه لن يأكل يدي؟"
ضحك هتّان ضحكة خفيفة وأخبرها أن تثق به، لن يفعل لها شيئاً.
بحذر شديد، قرّبت ميس يدها من الحصان، ولامستها بطرف أنفه بطلب خاص من هتّان. وكأن هتّان كان يُريدها أن تخبر الحصان بأن جسدها قد أصبح يحمل رائحة هتّان فارسه.
نظرت ميس إلى هتّان تسأله بنظراتها عن الخطوة التالية.
فاقترب منها. وضع ركبته على الأرض، بينما كانت قدمه الأخرى مرتفعة، حتى تستطيع الصعود عليه كبديل لشيء عالٍ، وتركب الحصان.
وبارتباك واضح، فعلت ميس ذلك، وهي تخشى أن يوقعها برق. لكن الصدمة أنه لم يرفضها كما المرة الأولى! تحرك قليلاً، لكنه لم يُلقِ بها أرضاً.
ثم ركب هتّان خلفها بمهارة فائقة وأمسك اللجام، فأصبحت ميس مُحاطة بمهارة بين ذراعيه القويتين.
وقاد هتّان "برق" بكل هدوء، ليري ميس معالم قبيلته الساحرة .
______
انطلق هتّان بـ"برق" يقطع بهم الطرق والجسور المُعلّقة التي تشتهر بها الدهّام. كانت ميس تجلس أمامه، تُحيط بها ذراعاه اللتان كانتا تمسكان بلجام الحصان، وتستشعر قرب جسده القوي الذي بالكاد تعافى.
كانت الجولة أشبه بالانتقال إلى عالم آخر. اخترق "برق" بهم أسواق الدهّام، وهي ممرات ضيقة مُرصوفة بالحجر، مُغطاة بالظل والضوء . كانت الأجواء غنية بالألوان الصارخة: الأقمشة الحريرية والمنسوجات الزاهية معلقة كرايات احتفالية فوق رؤوسهم، والبهارات والتوابل مكدسة في أوعية فخارية كبيرة على جانبي الطريق . كانت الرائحة مزيجاً ساحراً من الفواكه والخشب والتوابل الغريبة.
وسط هذا المشهد المفعم بالحياة، أدركت ميس أن هذا هو وقت الشراء.
فطلبت من هتّان أن يُوقف "برق" بهدوء. وبالفعل، أوقف هتّان الحصان. نزلت ميس بقفزة رشيقة من على ظهره، وكأنها اعتادت على ركوب الخيل، متجاهلة تماماً أي ارتباك سابق.
واقتربت من أحد الباعة الذي كان يعرض تشكيلة من الفواكه الموسمية. كانت تنظر إلى الفواكه بعناية فائقة، تختار الأفضل والأكثر نضارة مركزةً على الفواكه المغذية وذات المحتوى المائي العالي، فهي تعلم أن هذا هو أفضل زاد لرحلتها الصعبة القادمة نحو بنو الرقاع.
ظلت تدور بعينيها بين أنواع الفاكهة والتمر، بينما ظل هتّان يتأملها في صمت، يقف بجوار "برق"، يراقبها وهي تنتقي وتزن، وكأنها تتسوق في متجر عصري.
عندما استقرت ميس على ما يكفيها من الزاد، وأخرجت قطعها الذهبية لتدفع للبائع، أوقفها هتّان بكلمة حاسمة:
"أنا سأدفع."
نظرت له ميس باستياء طفيف. لقد فهمت أنه يشعر بالدين تجاهها.
"لا تحتاج أن تدفع لي أي شيء أيها الزعيم، فقط لأنني أنقذت حياتك. سماحك لي بالدخول إلى الدهّام كافٍ بالنسبة لي،"
قالت، وهي تُصرّ على استقلالية قرارها.
لكن هتّان كان واضحاً وثابتاً في موقفه.
"احتفظي بمالك يا حكيمة ، سيأتي وقت تحتاجينه أكثر من هذا. هذا واجب الضيافة، وواجبي أنا."
و انتهى الأمر بأن دفع هتّان للبائع، الذي كان سعيداً بأن الزعيم بنفسه تكفل بالشراء.
_____
كانت ميس لا تزال تمتطي "برق" خلف هتّان، تتجول عبر أسواق الدهّام المزدحمة.
ثم قالت فجأة :
"لم أكن أتوقع أن تكون الدهّام بهذا التطور، خاصة كقبيلة خرجت لتوها من حرب! "
ردّ عليها هتّان، مُبطئاً خطوات "برق" ليتمكن من الحديث دون صراخ:
"صحيح أن الحرب دمرت كل شيء، لكن كان يجب علينا النهوض كقبيلة. واستغلال ثرواتها الطبيعية، من مياهها ووفرة أخشابها وموقعها المنيع. وبذلك استطعنا جعل سلعنا مشهورة في العديد من القبائل الأخرى "
اكتفت ميس بالإيماءة، مُعجبة بعقليته العملية التي تجاوزت التفكير القبلي التقليدي.
استمرت الجولة، حتى لاحظت الثياب الملونة المُعلقة على جوانب الأكشاك. فتذكرت أنها لا تملك شيئاً فعلياً، وأن ما ترتديه الآن ليس إلا ثوب ابنة العجوز التي ساعدتها
لاحظ هتّان نظراتها المُطوّلة. سألها برقة:
"هل هناك شيء تُريدينه؟"
انكمشت ميس قليلاً، ثم أجابته بصدق:
"أنا أكره هذا السؤال فعلاً!"
استغرب هتّان ولم يفهم.
"هل أسأت إليكِ بشيء؟"
لم تعرف كيف تجبه ولم تجد نفسها سوى تقول وهي تنظر إلى لا شيء مُحدد في الأفق:
"لا ! أنا فقط لستُ معتادة على أن يقوم أحد بشيء لأجلي، أُفضّل الاعتماد على نفسي دائماً. ببساطة، لا يمكنني الثقة بالآخرين لطلب العون منهم."
صمت هتّان وهو يقود "برق" ببطء أشدّ، وكأنه يزن كلماتها بعناية. ثم رد عليها بنبرة هادئة ورصينة:
"هذا العالم صعب فعلاً، ولا يمكنكِ الثقة بالكثيرين. بسبب الحروب والمشاكل، أصبح الجميع يحاول حماية نفسه، ولو حتى بالكذب والخداع."
"ولكن..."
"ولكن؟" تساءلت ميس.
تابع هتّان، صوته يحمل ثقلاً مهيباً:
"ولكن، يمكنكِ أن تثقي بي. فضلكِ عليّ كبير، فأنتِ من أنقذتِ حياتي، وأنا رجل لا ينسى الدَّين أبداً. عندما أقول أنني سأهتم، فسأفعل."
شعرت ميس بالارتباك. للحظة، تمنت لو كان باستطاعتها الاستدارة وتحرّي الصدق في عينيه، لكنها كانت محاصرة بوضعها. كان الأمر صعباً عليها جداً؛ أن تطلب شيئاً من الآخرين، شيئاً لم تعتد فعله أبداً. هي التي قضت حياتها تهتم بنفسها، حتى في وجود والديها المنشغلين بأعمالهما، فتعلمت منذ الصغر أن تطعم نفسها، تُسرّح شعرها، وتداوي نفسها بنفسها.
ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تصرح بخجل وبجمل مُتقطعة وهي تقرر ان تحاول الثقة به :
"أحتاج... إلى بعض الثياب الخاصة بي. وأيضاً... إلى حصان... كي أستطيع الذهاب إلى بنو الرقاع."
توقّف هتّان بـ"برق" تماماً عند هذه النقطة وكأنها فاجاته فهو لم يتوقع منها ان تثق به بهذه السرعة ، لترتسم على وجهه ابتسامة خفيفة ومطمئنة، ابتسامة لم تستطع ميس رؤيتها .
______
قاد هتّان "برق" إلى قلب السوق، وتوقف أمام متجرٍ يبدو أكثر فخامة وتنظيماً من غيره، حيث كانت تعجّ به الأقمشة والمنسوجات الحريرية. ثم دخلا المتجر معاً.
استقبلتهما صاحبة المكان، وهي أفضل صانعة أثواب في الدهّام، امرأة متوسطة القامة ذات جسد ممتلئ، مرحّبة بهتّان بحفاوة وتقدير عظيمين، وبضيفته الحكيمة بفضول واضح.
سألت الصانعة هتّان:
"ماذا تريد سيدي الزعيم؟ أتريد لضيفة الدهّام أفضل ما عندنا من حرير وتطريز؟"
تراجع هتّان خطوة إلى الخلف، وعقد ذراعيه لتبرز عضلاته من تحت ثيابه ، قائلاً بهدوء:
"يجب أن تسأليها هي عما تُريده. رغبتها هي أمري."
كانت ميس تنظر حولها إلى الأرجاء؛ إلى كل تلك الأثواب النسائية الفضفاضة والأقمشة المُزركشة والتصاميم الملونة. لكن كل هذا لم يكن ما تبحث عنه. هي لا تريد فستاناً، فهي لن تذهب إلى حفلة راقصة أو مسرح، بل ستنطلق في رحلة خطرة.
التفتت ميس إلى الخياطة، ووضحت مطلبها بكلمات عملية وواضحة:
"لا أريد فستاناً. أريد بدلة متينة وقوية للركوب والسفر." ثم بدأت تصف ما يدور في ذهنها: "أريد سروالاً ضيقاً من جلد أو قماش داكن جداً، وسترة علوية ذات تصميم عملي، مزودة بجيوب وأحزمة. وأريد عباءة أو رداءً واسعاً بلون قاتم، حتى لا تُعيق حركتي عند السفر ."
صُدمت الخياطة بهذا الطلب.
"بدلة؟ سروال؟ يا حكيمة، إن جمالك هذا لا يجب أن يضيع على بدل الرجال! إن نساء القبيلة لا يرتدين مثل هذه الأشياء!"
حاولت إقناع ميس بأن الفساتين الحريرية أكثر ملاءمة لمكانتها.
لكن ميس كانت واضحة في قرارها وغير قابلة للتفاوض؛ هي بحاجة إلى زي يضمن لها البقاء، زي يُشبه درعاً خفيفاً
نظرت الخياطة إلى هتّان، الذي كان لا يزال يستند على الجدار بوقار، فرأت في عينيه إيماءة موافقة صامتة. فاستسلمت بذلك الخياطة.
_______
بعد أن وافقت الخياطة على تنفيذ الزي القتالي الصعب، سألتها ميس:
"كم تحتاجين من الوقت لصنع زي بهذه التفاصيل والدقة؟"
أخبرتها الخياطة أنها ستبدأ بأخذ قياساتها الآن، ثم أضافت: "العمل الجيد يستغرق وقتاً. سأحتاج إلى أربعة أيام كاملة لإنهاء هذا الزي."
ماجعلها تشعر بالإحباط، إذ كانت تتمنى وقتاً أقصر بكثير لتنطلق فوراً.
تدخّل هتّان بهدوء:
"لم العجلة يا حكيمة ؟ يمكنكِ البقاء من الوقت ما تشائين في الدهّام. أنتِ في أمان هنا."
عرفت ميس أن هتّان كان يعرض عليها الضيافة لكنها لم تكن تخطط للبقاء. الدهّام بالنسبة لها مجرد مرحلة عبور للوصول إلى الرقاع. لكن لم يكن أمامها حل آخر؛ لا يمكنها أن تبدأ رحلة خطرة دون ملابس مناسبة.
فأومأت أخيراً بالموافقة على المدة. ثم اتجهت مع الخياطة إلى الحجرة المجاورة، بناءً على طلب الخياطة، حيث ستبدأ عملية أخذ القياسات الدقيقة لزيها الجديد
______
في حجرة القياس الصغيرة، كانت الخياطة ذات الجسد الممتلئ تأخذ قياسات ميس بدقة ومهنية، تمرر شريط القماش حول خصرها، كتفيها، وساقيها. بينما وقفت ميس منتصبة في مكانها، تشعر بشعور غريب لم تعهده من قبل.
لم يسبق لها أن عاشت تجربة كهذه؛ فقد اعتادت على شراء الملابس جاهزة في عالمها الحديث، ولم يسبق أن صُمم لها ثوب أو سروال خصيصاً.
لكنها سرعان ما بدأت تشعر بالضيق من أسئلة الخياطة الفضولية والثرثارة.
"يا إلهي، ما هذا الجمال! وما هذه الرشاقة! أيتها الحكيمة، كم تبلغين من العمر؟ ومن أي مكان أتيتِ؟ فأنتِ لستِ من نساء الدهّام، هذا مؤكد!"
حاولت ميس أن تجيبها باختصار مُمل، مُعطية إجابات عامة لا تحمل أي معلومات مهمة أو تفاصيل عن ماضيها. اكتفت بالابتسام وإعطاء إجابات عائمة.
أخيراً، انتهت الخياطة من أخذ القياسات. و عادت ميس إلى هتّان الذي كانت قد تركته ينتظر في الجزء الأمامي من المتجر. وجدته يقف، مستنداً على أحد الأعمدة الخشبية، لكن نظره كان مُثبتاً على أحد الأثواب المعروضة في واجهة المتجر.
كان الثوب الذي ينظر إليه هتّان، والمُعلّق على هيكل خشبي، فستاناً أزرق ملكياً ساحراً مصنوعاً من قماش مُخملي أو حريري لامع باللون الأزرق الغامق، مع تطريزات فضية دقيقة تزين الصدر والخصر والأكمام الواسعة. بدا الفستان كأنه مُصمم لملكة، يجمع بين الفخامة والرقي، ويُبرز أنوثة من ترتديه.
أخبرته ميس بأنها قد انتهت، وبأن بإمكانهما الذهاب الآن.
لكنها تفاجات عندما طلب منها هتّان أن تسبقه إلى الخارج. ففعلت ذلك، بينما التفت هو إلى الخياطة. دفع لها المبلغ المتفق عليه لزي ميس القتالي، ثم همس لها بطلب إضافي:
"أُريدكِ أن تجهّزي لي طلباً آخر..."
نظرت الخياطة إلى هتّان بدهشة مُخفية، ثم ابتسمت ابتسامة عريضة، وقد أدركت أن هذا الزعيم لديه سرّ آخر، ووعدته بتنفيذ الطلب على أكمل وجه.
خرج هتّان من المتجر بعد ميس، تاركاً الخياطة مُبتسمة ومتحمسة في قرارة نفسها
______
فور خروج هتّان من متجر الخياطة، وجد ميس قد ركبت بالفعل على ظهر "برق". ورغم استغرابه من هذا التطور السريع في علاقتها بحصانه المغرور، إلا أنه أسرع وركب خلفها بمهارة، يُحكم قبضته على اللجام واليدين الآن تُحيطان بها، قاصداً العودة إلى الكوخ الذي تُقيم فيه.
في تلك اللحظة التي كان "برق" يمرّ بهما عبر إحدى أزقة السوق المزدحمة، ظهرت امرأة من العدم. كانت تقف بالقرب من أحد باعة الخضار، منهمكة في شراء بعض ما تحتاجه من سلع.
كانت تلك المرأة تُدعى غيداء.
امرأة جميلة، ذات مظهر مختلف قليلاً عن نساء القبيلة اللواتي يرتدين الثياب الفضفاضة
ذات شعرها بنيّ مُجعّد وسميك ينسدل بحرية على كتفيها وظهرها.
ترتدي صدرية ضيقة بلون داكن ومُطرّزة بالذهبي، فوق قميص بأكمام واسعة بلون داكن.
القت بنظرها باتجاه هتّان وباتجاه تلك الراكبة معه. وجه لم يسبق لها أن رأته من قبل في الدهّام.
سألت غيداء المرأة البائعة التي تقف إلى جوارها بهمس خافت:
"من تلك التي تركب مع الزعيم هتّان؟ لم أرها من قبل!"
أخبرتها البائعة، وهي تُشير إلى ميس بالاحترام: "تلك ضيفته ياغيداء ، الحكيمة. هي التي أنقذت حياته."
عادت غيداء للنظر إلى هتّان وميس في صمت مطبق. كانت تحدق في ميس بتركيز شديد، تدرسها بملامح خالية من التعبير، وكأنها تحاول فك لغز هذا الجمال الغريب وهذه العلاقة التي تجمعها بالزعيم. وفي صمتها، بدأت الأسئلة تتراكم حول هوية "الحكيمة" القادمة من العدم وعلاقتها بهتان
زوجها المستقبلي