هبه والمنتقم - العشرين - بقلم خضراء القحطاني | روايتك

اسم الرواية: هبه والمنتقم
المؤلف / الكاتب: خضراء القحطاني
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: العشرين

العشرين

تيتا ترد وهي تهز راسها:كنا عايشين… بس القلب كان دافي، واللمة عمرها ما كانت بتفوت. نجاة تكمل، صوتها فيه حنين وشوية وجع:لما أبوكِ تعب يا صفا، ماكنش فيه دكتور قريب، كنا بنجري على الوحدة الصحية كأننا بنجري ضد الزمن… بس ربنا ستر. صفا تبص في عنين أمها:كنتي بتخافي يا ماما؟ نجاة:طبعاً كنت بخاف، بس كنت بضحك في وشك، ماكنتش عايزة تشوفي الخوف في عيني. تيتا تقول وهي تبص في النار: اتعودنا على التعب، بس عمرنا ما اتعودنا على الاستسلام… الغلب علمنا نتمسك ببعض. تسكت لحظة… ثم تهمس:أنا وأبوكي يا نجاة نمنا ليالي من غير عشا، بس كنا بنداري الجوع بالضحك، وبنخلي العيال تحلم… حتى لو على بطن فاضية. صفا، ودمعة بتنزل على خدها، تقول: أنتو أقوى من أي حكاية… وأنا فخورة إني منكو. تيتا تمد إيدها وتطبطب على صفا:يا بنتي، الحكايات دي مش بس للحنين… دي علشان تعرفي إنك جايه من ناس جدعان، وإنك لازم تكمّلي المشوار. ويسكتوا كلهم لحظة… صوت النار بيطقطق، والمطر بره بينزل بشويش… وجو البيت، رغم البرد، مليان بدفا الذكريات، والدموع، والضحك، والحب. واليوم اللي بعده البيت منور من أوله لآخره، الزينة متعلقة في الجنينة، والأنوار الملوّنة بتترعش مع الهوا، وصوت الدف بيرن من بعيد. النهاردة يوم خطوبة ليلى، بنت خالة صفا… والعيلة كلها مقلوبة على بعضها من الفرحة. تيتا قاعدة على الكرسي الخشبي الكبير، لابسة جلابية جديدة ومِلفحة حرير، تبص حوالينها وتقول: سبحان الله… كنت شايلة ليلى دي وهي لسه بيبي، دلوقتي هاتتخطب! نجاة، وهي بتحط صينية الكنافة على الطاولة:والعقبال عندك يا صفا! صفا تضحك وهي تزوّق شعرها قدام المراية: هه، ده أنا لسه ما خلصتش ثانوي! تيتا تهز راسها وتضحك: زماننا لما كانت البنت توصل خمسطاشر يقولوا "كِبرت"، دلوقتي البنت تدخل الجامعة ولسه بيقولو عليها عيلة! في وسط الدحك والدندنة، تيجي ليلى من الأوضة، لابسة فستانها البسيط الأنيق، وخجلها باين في عينيها. الكل يزغرد، ويقوموا يحضنوها، والفرحة تملأ المكان. صفا تمسك إيدها وتقول:جميلة يا ليلى… شبه قمر الأربعطاشر. ليلى ترد وهمسها فيه ارتباك وفرحة:خايفة شوية… بس مبسوطة. نجاة تقرب منها وتقول: الخوف طبيعي، بس لما تلاقي اللي يطمنك… بتنسيه. العريس يوصل، والدفوف تعلى، والزغاريد تملأ السما، والأطفال يجروا حوالين الضيوف يوزعوا حلوى. الرجالة قاعدين قدام البيت، بيتكلموا بصوت عالي ويضحكوا، والستات جوه بيرقصوا على أنغام الطبل البلدي. تيتا، تبص لنجاة، وتهمس: ياه… شوفتي الزمن؟ من البير والحطب والظلمة، لليلة كلها نور وضحك. نجاة، وعينها على بنتها صفا اللي بترقص مع باقي البنات، ترد بهدوء:كل تعبنا مراحش… اتحوّل فرح. والليلة تمر، والفرحة تفضل معلّقة في جدران البيت، زي وشاح نور بيحكي للعيلة إن بعد كل وجع… فيه ضحكة كبيرة مستنياهم. رامي حاطط شاش على رجله وعامل فيها بطل حرب:يا ولاد، محدش يكلمني عن "الشجاعة"... أنا دلوقتي مصاب حرب رسمي. ناصر بيضحك: حرب إيه يا عم؟ ده انت وقعت من نفسك وأكلت تراب أكتر ما لعبت! سليم وهو بيحاول يخنق ضحكته: والنبي يا رامي، بطّل تمثيل... ده الحكم نفسه جالك وقالك "قوم بقى، فضحتنا"! حازم بجدية مصطنعة: لا لا، أنا شايف نرشّحك لجائزة الكرة المتكسرة... أحسن أداء في مشهد تمثيل درامي. الكل ينفجر ضحك، رامي عامل فيها زعلان. رامي: طيب ماشي... لما أبطل ألعب وتخسروا، ساعتها تعرفوا قيمتي يا ناكري الجميل! في لحظة هدوء، ناصر يلمّ النظر للشارع، ويفضل ساكت شوية، وبعدين يقول بصوت هادي. ناصر: فاكرين زمان؟ لما كنا بنتجمع هنا، بس من غير كورة ولا فرح... كنا بنجرّي على المية ونولّع نار علشان نسخّن عشا؟ حازم بابتسامة شجن: فاكر يا صاحبي... كأنها كانت حياة . سليم بصوت هادي: فعلاً... ضحكنا النهاردة غطّى على سنين. رامي بصوت درامي: وأنا ضحيتي رمز للتحول! ناصر بيهز راسه ويبتسم: والضحك عمره ما كان بسيط... الضحك أحيانًا بيبقى أعظم نصر. وبعد مرور سنتين... دخل المطعم الصغير اللي على ناصية الشارع، والريحة لسه زي زمان... فول سخن وطعمية بتفرقع في الزيت. سليم كان واقف ورا الكاونتر، بيصب شاي. رفع راسه، وفضل يبص ثواني من غير ما يتكلم. ناصر قال وهو بيبتسم:إزيك يا أبو الفول؟ نسيتني ولا إيه؟" سليم اتنفس فجأة كأنه كان ناسي يتنفس، وخرج من وراه وجري عليه:يا ابن اللاعيبة! ده أنت ناصر؟!" حضنه جامد، لدرجة إن ناصر حس إن الحي نفسه حضنه. ضحك، ووشه نور، وكل التعب اللي كان في عينه اختفى. دخلوا يقعدوا على الترابيزة القديمة، اللي دايمًا كانت بتلمّهم بعد الماتش. سليم قال له وهو بيصبه شاي:فاكر آخر مرة قعدنا هنا؟ كانت ليلة الماتش الكبير، وساعتها انت وقعت واتخبطت في راسك، وقُلتلنا إنك هتبطل كورة... وبعدها اختفيت. ناصر بص في الكوباية، وقال بهدوء:مكنتش ناوي أختفي... بس الحياة خدتني، وسافرت... كنت محتاج أدوّر على نفسي. سليم:ولقيتها؟ ناصر ابتسم، بس كانت ابتسامة فيها وجع:جزء منها... بس الجزء التاني هنا. لحظة سكون، بعدها ناصر قال:فين الباقيين؟ رامي؟ حازم؟ سليم ضحك وقال:رامي؟ في الورشة لسه، وعامل فيها نجم بس بيشتغل ليل نهار. حازم؟ تلاقيه دلوقتي نايم من كتر الشغل، بقى موظف وراجل بيت. كريم:طب نجمعهم... نلعب ماتش زى زمان. سليم:ماتش؟ بعد كل ده؟ إحنا بقينا عجزة يا راجل!" ناصر قام وقال وهو بيضحك:تعال نجرّب... يمكن نرجع نضحك من قلبنا تاني. من يوم ما عرف بخيانة سهى، كريم اتغير. بطل الغرور، بطل الصوت العالي، وبقى بيصحي هبة الصبح على ريحة قهوة عملها بإيده. بيساعدها في شغل البيت، بيهتم بوليد، وبيبص لها بنظرة ندم حقيقي. قال لها مرة وهو بيقدم لها كوباية شاي: أنا آسف يا هبة... على كل لحظة كسرتك فيها، على كل مرة حسّيتك فيها إنك ولا حاجة. كانت قاعدة على طرف الكنبة، ماسكة الكوباية بصمت، قالت من غير ما تبص له: الكلمة لما بتتقال متأخر، بتبقى ضعيفة... بتتكسّر زيّي. حاول بكل طريقة يفك الجليد، يلم الوجع، بس الجرح كان أعمق من كلامه. شافها بتضحك لوليد، بس عمره ما شاف الضحكة دي ليه. شافها بتكلم أخوها وتخطط لحياتها الجديدة... من غيره. وفي ليلة، وهو قاعد قدامها، قالها والدمعة في عينه لأول مرة: ممكن تديني فرصة؟ أنا اتغيرت، وحقيقي بحبك. بصّت له بعين واجعة وقالت: الحب اللي بييجي بعد الندم بيبقى تقيل... وأنا مش قادرة أرجع. أنا حاولت أحبك سنين، وانت كنت بتدفنّي كل يوم بكلمة وسكوتك. أنا ماعدتش بخاف أعيش لوحدي... بخاف أعيش معاك تاني. كان ساعتها الولد نايم، والسكوت بيخنق القوضة. قلبه كان بيتكسر جوّا صدره، حس بوجع أول مرة يحسّه. قال بصوت مبحوح: يعني خلاص؟ قالت بحسم:آه... أنا مصممة على الطلاق. سكت لحظة... وبعدين نزل دمعة من عينه، وقال: لو ده اللي هيريّح قلبك... أنا موافق. بس هافضل أحبك، حتى لو من بعيد. عدّت الشهور، وهبة أخدت حاجتها وسابت البيت... راحت بيت أهلها، وبدأت حياة جديدة. اتسجلت في دورة تدريبية، وبقت بتشتغل جزئي، ومع كل خطوة بتقرب من نفسها أكتر. بقت تضحك أكتر، تهتم بنفسها أكتر، وبقت بتحلم... بس حلم من غير كريم. أما هو، كان بيمرّ على المكان اللي كانت بتشتغل فيه... من غير ما تنطق رجله جوه. واقف من بعيد، يبصّ لها وهي خارجة من الباب شايلة ملفاتها، وحجابها بيزيد جمالها، ووشّها مش مرسوم عليه أي حاجة ليه. يسأل واحد من زمايلها:هبة كويسة؟ دي بقيت نار يا كريم... بتشتغل وبتحلم، ووشها دايمًا مرفوع. يرجع البيت فاضي، يفتح الموبايل على صورها القديمة... يلاقي صورة وهي نايمة جنب وليد، أو بتضحك في العيد اللي كسر قلبها فيه. بيوصل له أخبارها من كل حتة: قدمت في شغل جديد. اشترت عربية مستعملة صغيرة. بتعلّم وليد يقرأ قبل سنه بعد ما سابته ليها سهى. وفي ليلة، بعت لها رسالة... مش هزعّلك بكلام تاني... بس فخور بيكي. أنا ماكنتش راجل كفاية ليكي، بس انتي كنتي ست بميت راجل." هبة قرت الرسالة... ومسحتها من غير ما ترد. مش نسيان، لكن لأن الجرح اتلم، واللي اتكسر جواها مش هيتصلّح بكلمة. بس في قلبها، كان فيه ركن صغير... ركن ساكت، حزين، بيقول: "كنت أتمنى تبقى الشخص اللي حلمت بيه، بس خلاص... الحلم اتغيّر. في يوم، زاهر بيتخانق مع صاحبه القديم "أمين"، اللي طفح بيه الكيل من زاهر ومن طريقته، والخناقة بتتطور وبتتحول لضرب، وأمين بيمسك حاجة حديدة ويضرب زاهر بيها على دماغه. الناس بتتدخل، وزاهر بينقلوه المستشفى، في حالة خطيرة. في اللحظة دي، زاهر مش بيشوف شريط حياته كواحد مظلوم، لكن كواحد ظلم غيره. بيبدأ يسمع في دماغه أصوات من الماضي: صريخ أخته، صمت أبوه، كلام أصحابه اللي بعدوا عنه. بيغيب عن الوعي وسط شعور رهيب بالندم. العيلة كلها بتتجمع في المستشفى، الأب قاعد جنب ابنه، حزين، بينهار من جوه وهو شايف كبيره واقع بالشكل ده. بس هبه مش بتيجي. الكل بيلاحظ غيابها، لكن محدش يقدر يلومها. وفي وقت الغيبوبة، زاهر بيحلم بحياته بس بشكل مختلف: بيشوف كل اللي عمله من نظرة تانية، من نظرة الناس اللي أذاهم. وبيحاول، لأول مرة، يهرب من النسخة العدوانية من نفسه، ويدوّر على مخرج. وبيفوق بعد أيام. ضعيف، صامت، حاسس إنه فقد حاجة جواه. ومن هنا بيبدأ الصراع الحقيقي: صراع إنه يصلّح اللي كسره. مش سهل. بيحاول يتواصل مع أخته، وهي بترفض. بيعتذر، بيكتب لها جواب، بيروح يزور أبوها ويحضنه من غير ما يتكلم. زاهر مش بيتغير بين يوم وليلة، بس بيبدأ ياخد أول خطوة في طريق التصالح مع نفسه والناس اللي حواليه. كانت هبة قاعدة في الصالة، بتكتب في أوراق الشغل بتاعها، لما دخل سامر من الباب وهو بيزعق: يا جماعة! أنا اكتشفت حاجة خطيرة! ماهر طلع من المطبخ وهو بيآكل سندوتش:إيه يا نوبل، اكتشفت علاج السرطان؟ سامر قال بفخر: لا... اكتشفت إن هبة مخبية شيكولاتة في درج التسريحة! وهنا قامت هبة بسرعة: والله يا سامر لتدفع تمانهم! أنا مخبياهم للزباين! ماهر دخل على الخط، راح جاب الشيكولاتة وقال وهو بياكل: وأنا زبون، هوا، خديني بالحضن وقوليلي "شكراً لثقتك فيّا. هبة هجمت عليهم وهما بيجروا حوالين السفرة، سامر اتزحلق، وماهر دخل تحت الطرابيزة، وهبة بتهددهم بالريموت. فجأة دخلت الأم من المطبخ وشايلة عصاية المكنسة: إنتوا هتخرّبوا البيت! والله لأعملكوا حفلة بالشومة! سامر! ماهر! وهبة! إنتي كمان معاهم! حد تاني يحب ينضم عشان أظبّط الجدول؟! قفشوا كلهم مكانهم، وكل واحد ماسك حاجة: هبة ماسكة الريموت، سامر ماسك الخدادية كدرع، وماهر لسه بياكل الشيكولاتة. الأم بصّت عليهم وقالت: لما أبوك يرجع، هيشوف السيرك ده... وانا كنت فاكرة إني ولدت بني آدمين، طلعتوا حلقة من "توم وجيري"! كل يوم، قبل ما تفتح باب الشقة، تلاقي علبة صغيرة على العتبة. مرّة وردة، مرّة شوكولاتة، مرّة كتاب كانت بتحبّه، ودايمًا معاهم ورقة مكتوب فيها حاجة بخط كريم. لسه فاكرك لما كنتِ بتحبي الشيكولاتة بالبندق... عارف إنك أقوى مني... بس بحاول أوصل لك وأنا أضعف. سامحيني، حتى لو من غير رجوع." في الأول كانت بتتجاهل، تقرأ الورقة وترميها، لكن مع الوقت، بقت تحتفظ بيهم في درج جنب سريرها، كل يوم تقراهم قبل ما تنام... وتبتسم.