التاسع عشر
ندى بفرحة: ناصر!انت لسه نجم يا مجنووون!
رامي قاعد على الأرض بيصفّر: الله عليك يا أسطورة... رجعت رجلي أنا كمان من الفرحة!
سليم لأعضاء الفريق: لسه فاضل دقايق... نركّز!
المباراة تستمر، النتيجة 2-1 لصالح النسور، والخصم بيهاجم جامد. وفي لحظة حاسمة، لاعب من الخصم بيكسر الكورة وبيعدي، وبقى قدام الجول، لكن حازم ينقض عليه ويخطفها في آخر لحظة.
المعلق الشعبي: "حازم! نسر القايدة! يا جدعاااان!"
الحكم بيصفر نهاية المباراة.
الجمهور: "نسوووووووووووور! نسووووووووور!"
حازم وهو بيحضن ناصر: رجوعك كان وش الخير يا صاحبي!
ناصر بابتسامة: وأنا اللي افتكرت إنكم نسيتوني... طلع القلب لسه حافظ!
ندى بتديهم زجاجات ميّة: هارد لك يا شباب المدبح... الماتش الجاي، بس بدون كسر عظام!
رامي وهو بيشرب الميّة: المرة الجاية نلعب ضد فريق البنات... ع الأقل فيه رحمة!
ندى بتغمز له: ماتتسرعش... فريقنا بيتدرّب من وراكم!
رامي صور لقطة جماعية للفريق وهم رافعين إيديهم، جنبهم القطة اللي خطفت الساندويتش أول اليوم، قاعدة تحت الكرسي، بتاكل فول!
في أول يوم عيد، هبة كانت واقفة قدام المراية، بتبص لنفسها بالفستان الجديد اللي أخوها جابهولها. حسّة إنها رجعت طفلة صغيرة بتفرح بالعيد، كأنها لأول مرة من سنين بتحس بنفسها ست حلوة، ليها قيمة.
الفستان بسيط، بس في عينها كان كنز... حاجة اتعملت مخصوص ليها، مش زيادة على حد، مش صدفة، مش واجب.
دخل كريم فجأة، شايل ابنه "وليد"، ومدّه لها وهو بيقول بجفاف:خدي شيليه علشان نروح الملاهي.
هبة ابتسمت، وقالت بحماس: أنا جاهزة أهو!
لكن فرحتها اتكسرت في ثواني لما قال وهو بيعدل هدومه: لا... أنا وسهى رايحين، إنتي خليكِ هنا مع الولد.
الدنيا لفّت بيها، مش من الصدمة بس... من القهر، من التكرار. كل مرة نفس السيناريو. كل مرة العيد يبقى ليهم، والبيت والحمل عليها.
سهى، هي اللي بقت كل حاجة، وهي، مراته، مفيش غير اسم على ورقة، وخدمة على الأرض.
بصّت على وليد اللي في حضنها، لقت نفسها بتبوسه بعينها، ودمعة نازلة غصب عنها.
هو مالوش ذنب، بس هي كمان ليها قلب.
إمتى كانت آخر مرة خرجت؟ إمتى لبست حاجة حلوة؟ إمتى حد قالها عيدك سعيد من غير ما يكون بيجرحها بعديها؟
في عز الفرح اللي في الشارع، جواها كان فيه جنازة.
كل سنة بتدفن جزء من نفسها، من أحلامها، من ضحكتها.
الابتسامة ماتت، والدم في وشها غلى.
قالت وهي بتحاول تسيطر على نفسها: سهى؟ مش دي اللي كنت بتقول إنها "زميلة شغل"؟
قال: آه، زميلة، وصديقة، وبتفهمني... مش زيك.
سكتت لحظة... بس المرة دي ما سكتتش زي كل مرة.
شالت "وليد" وحطّته في سريره، وقلبها بيضرب زي الطبول.
بصّت له في عينه وقالت بجمود: كريم... إحنا انتهينا. أنا عايزة طلاق.
ضحك بسخرية: طلاق؟ علشان مش خرجتك في العيد؟
قالت بغضب مكتوم:علشان كل يوم في حياتي بقى عيد أسود. علشان كل مرة بستنى منك كلمة حلوة، بتديني طعنة. علشان سهى بقت كل حاجة، وأنا بقت خدامة.
قال ببرود: براحتك. بس متوقعيش إنك هتعيشي من غيري.
قالت وهي ماشية على أوضتها: أنا من زمان ميتة وانت السبب. وساعتها، الموت أرحم من الحياة معاك.
قفلت الباب وراها، وبصّت في المراية...
ما شافتش واحدة مكسورة، شافت واحدة قررت تقوم.
بعد ما هبة طلبت الطلاق وسابت الأوضة، كريم ما اهتمش... بالعكس، نزل يقابل سهى، وهو فاكر إنه كسب الجولة.
كان فاكِر إن الدنيا تحت رجليه، وإن هبة دي ست بيت مالهاش لازمة غير في الطبخ وتربية الولد.
لكن الدنيا ليها رأي تاني...
بعد يومين، اتصل بيه صاحبه "أدهم" وهو بيزعق: يا كريم، إنت مجنون؟ إزاي سهى تعرف تفاصيل الصفقة بتاعتنا؟
كريم اتخض:صفقة إيه؟ أنا ما قلتلهاش حاجة!
يبقى عندك تسريب... والمعلومات دي وصلت لـ"عادل" عدوك القديم، واتّضح إن سهى بتشتغل لحسابه.
الدنيا لفت بيه، قلبه وقع في رجله، وابتدى يربط:
هي كانت بتسأله على حاجات مش من اختصاصها، بتفتح لابتوبه وهو مش واخد باله، بتسجل مكالماته أوقات كتير.
حس إنه اتعرّى، إن بيته اتنهب، مش من برا، من جوّا.
وساعتها... افتكر هبة.
افتكر الأيام اللي كانت بتسهر فيها معاه وقت ما كان بيبدأ شغله.
افتكر لما وقف جنبه وقت ما الناس كلها سابتُه.
افتكر نظرتها المكسورة وهو بيقولها:أنا وسهى رايحين... وإنتي اقعدي هنا.
رجع البيت، لقاها قاعدة في أوضتها مع "وليد"، وشها هادي، بس فيه حزن عميق.
قال لها بصوت متوتر: هبة... أنا غلطان. سهى خانتني، بعتت أسرار شغلي لعدوي. إنتِ الوحيدة اللي كنتِ ضهري، وأنا...
قاطعته من غير ما تبص له:متكمّلش يا كريم. مش علشان سهى خانتك، تبقى فاكر إنك فهمتني أو حسيت بيا.
أنا مش هارجع علشانك، ولا علشان انت ندمان.
أنا ماشيه علشان أنقذ اللي باقي مني.
رفع عينه فيها، وشافها لأول مرة... مش مراته، لأ، شافها "ست" قوية، نضجت من القهر، وبقت نار صعب يطفيها.
قالها بخفوت: بس وليد؟
قالت وهي بتبوس ابنها:وليد هيبقى معايا... وأنت، خليك مع نفسك، يمكن تتعلم يعني إيه تخسر اللي كان بيحبك بجد.
بعد يوم شُغل تقيل، ممدوح قاعد على الرصيف قدام المحل، ماسك رغيف وجبنة، بييجي سامي عليه.
سامي:يا نهار أبيض، إنت بتتعشى كده؟! فين الكشري اللي كنا بناكله سوا؟
ممدوح ضاحك بس بتعب:كشري إيه يا عم؟ دي الأيام دي أنا بأعدّيها بالعافية… الشغل كسر ضهري، والجيب فاضي.
سامي:طب والبنت اللي كنت بتقول لي عليها؟ بنت صاحب المحل… إيه أخبارها؟
ممدوح تنهد وقال بحزن:رنا؟ رنا مش شايفة حد غير نفسها… كل مرة أكلّمها ترد عليا بتكبر، ولا كأني موجود.
تضحكلي يوم، وتصدني عشرة.
مرة قالتلي: إنت مش من مستوانا يا ممدوح،
وانا ساعتها حسّيت إن الشغل اللي شايله مش هو اللي تقيل… ده الكلام هو اللي وجعني.
سامي بص له بعطف:إنت بتحبها؟
ممدوح سكت شوية، وبعدين قال:مش عارف… يمكن كنت، بس دلوقتي بقيت حاسس إني تايه، مش عارف أنا بحبها، ولا بحاول أتمسّك بأي حاجة تخليني أنسى اللي أنا فيه.
سامي:وهي مش شايفة تعبك؟ مش شايفة إنك بني آدم عنده كرامة وأخلاق؟
ممدوح:هي شايفة اللي عنده عربية وموبايل غالي.
إنما أنا… مجرد عتّال في عيونهم، حتى لو قلبي مليان حب، وجيبي مليان فُراغ.
سامي:بس يا ممدوح، الحب مش ذُل، ولا المفروض يتباع بفلوس.
وإنت تستاهل حد يقدّرك، مش يكسرك.
ممدوح بابتسامة حزينة:أنا مش طالب كتير، بس يمكن ده زمن اللي معاه هو اللي يعيش… واللي زيه يتعلّم يسكت.
عدّت أيام بعد وقعة ممدوح، وجسمه لسه بيوجعه، بس وجعه الحقيقي كان جوّه قلبه.
بقى بييجي الشغل ساكت، ما بيكلمش حد، حتى سامي اللي دايمًا بيضحكه، بقى يسمع له من غير نفس.
سامي بيقوله وهو قاعد جنبه على الرصيف:هو اللي حصل ده يخليك ساكت كده؟ هي يعني رنا كانت تستاهل؟
ممدوح بصله وقال بهدوء:ما كانتش تستاهل… بس أنا كنت محتاج أتعلق بحاجة، حتى لو كانت وهم.
سامي طبطب على كتفه وقال له:ماشي يا عم، بس هو الوهم لما بيكسر بيكسر جامد… قوم كفاية بُكا جواك، إنت تستاهل أحسن.
وفي يوم، جات بنت جديدة تشتغل في المخزن، اسمها بسمة، بسيطة، من نفس حتة ممدوح، وشها فيه نور، وكلامها فيه طيبة.
شافها أول مرة وهي بتساعد واحد من العمال الكبار في السن، ولما وقعت منه حاجة، نزلت تجيبها من على الأرض من غير تردد.
ممدوح لأول مرة من زمان حس بارتياح… مش الحب، لا… ارتياح.
ارتياح من اللي بيتكلم بلغة قلبه، مش بلغة الفلوس والمظاهر.
بقوا يتكلموا على استحياء، كلمة هنا، ضحكة هناك، وهو حاسس إنه بيتنفّس من جديد.
وفي يوم، سامي قال له:أنا شايفك بتبتسم لما بسمة تعدّي… في إيه يا باشا؟
ممدوح رد وهو بيبص في الأرض:مش عارف… بس لما بتتكلم بحس إني بني آدم… مش مجرد عتّال.
في ليلة شتوية هادية، صوت المطر خفيف على الشباك، والهوى بيحرك ستاير الأوضة بحنية.
الكل متجمع حوالين الكانون في قلب بيت الطين… تيتا قاعدة على طراحة قديمة، وجنبها نجاة، وصفا حطّة راسها على حجر أمها، وبتسمع.
تيتا تبدأ تحكي، وعينيها بعيدة كأنها شايفة أيام زمان قدامها:كنا نِمشي بالساعات على رجلينا نوصل الترعة نجيب ميّه… ولا كنا نشتكي، كنا نقول الحمد لله.
نجاة تضحك وتقول:فاكرة لما كان عندنا بس فانوس جاز؟ وأنا بذاكر عليه والريحة ماليه الأوضة!
صفا تضحك بخفة: إزاي كنتوا عايشين كده؟ من غير نت؟ ولا موبايل؟