الفصل العاشر : دين الحياة
حلّ الظلام، وازدادت السماء عُمقاً وظهر القمر بدراً يسكب ضوءه الفضي من نافذة الكوخ الصغيرة. كانت الساعة مُتأخرة، وتصاعدت أصوات حشرات الليل تُغطي على صوت تنفس هتّان الثقيل.
كانت تلك ليلة طويلة من المراقبة. تناوب الثلاثة على اليقظة، لكن ميس كانت الأكثر انتباهاً ودقة. في كل مرة، كانت تقترب من هتّان لتتحسس جبينه، وتتفقد الضمادة، وتستمع إلى نبضه.
الحطاب، الذي لم يكن يملك سوى بعض الخبز اليابس في كوخه المتواضع، شاركهم بما لديه، وهذا ما أكلوه لسدّ رمقهم.
كانت ميس جالسة على الكرسي الخشبي القريب من السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة المُطلّة على القمر. كانت غارقة في أفكارها؛ تُحلل حياتها وتستغرب الأحداث المُتتالية. من كان يتوقع أن طبيبة حديثة ستجد نفسها تعيش هذا الواقع البدائي، تُنقذ حياة زعيم قبلي بأدواتٍ بالية؟
في المقابل، كان الفارس والحطاب جالسين على الأرض، الإرهاق قد نال منهما. كان كل واحد منهما يسند رأسه على الآخر، وقد غطا في نومٍ عميق، تاركين الحراسة الفعلية للحكيمة اليقظة.
فجأة شعرت بـحركة خفيفة من هتّان. نهضت من الكرسي واقتربت منه على الفور لتتأكد من وضعه. وضعت يدها على جبهته لتتحسس الحرارة.
في تلك اللحظة، فتح هتّان عينيه ببطء شديد. ظهر ذلك اللون الرمادي النادر فيهما، الذي كان يعكس قوة ونفوذاً.
انعكست في رماديهما صورة ميس المنحنية فوقه، جسد ثريا الذي ارتدت عليه ملابس الحطاب الرجالية الفضفاضة، ورفعت شعرها كذيل حصان مرتفع.
ورغم غرابة مظهرها، إلا أن جمال المرجان كان لا يزال بارزاً، بل زاد بروزاً في ضوء القمر الهادئ الذي انعكس على بشرتها الصافية، مُضفياً عليها هالةً شبه أثيرية.
سألته ميس بصوتٍ هادئ وعمليّ:
"كيف تشعر الآن؟"
حاول هتّان أن ينهض، متناسياً إصابته. لكن ميس وضعته برفق على ظهره، طالبةً منه عدم التحرك، ثم أخبرته بكل ما حدث، وما فعلته لأجل إنقاذه في هذا الكوخ.
انتابت هتّان دهشة خالصة، حدّق في ميس للحظات قبل أن يقول:
"إذًا أنتِ حكيمة فعلاً..."
أطلقت ميس زفرة مُتعَبة وخفيفة، كأن هذا السؤال قد طُرح عليها ألف مرة هذا اليوم، وهو ما حدث بالفعل.
برّر هتّان فوراً، وكأنه يقرأ انزعاجها:
"لا عليكِ، ولكنكِ تبدين صغيرة جداً في السن لتمتلكي كل هذه الخبرة والمعرفة!"
ثم عبّر عن امتنانه بجدية تليق بزعيم:
"مهما يكن، فأنا ممتن لكِ. لن أنسى ما فعلتِه، وسأردّ لكِ هذا الجميل حتماً."
ردّت ميس بصراحة مُتناهية، وعادت وجلست على الكرسي قريباً منه:
"لا أحتاج منك سوى شيء واحد، هو أن تدعني أدخل الدهّام حتى أتمكن من الذهاب إلى بنو الرقاع." وأضافت بتذكير بسيط: "خصوصاً وقد اكتشفت أنك أنت زعيم الدهّام نفسه، ولم تقل ذلك لي منذ البداية."
رفع هتّان حاجبه قليلاً، وتغيّرت نبرته إلى نبرة سؤال واختبار:
"أنتِ لم تسألي. ثم، هل ساعدتني لأنكِ علمتِ أنني زعيم الدهّام؟"
جاء رد ميس سريعاً وواضحاً، وهي تستند على ظهر الكرسي:
"عندما بدأتُ الأمر، لم أكن أعلم هويتك. واسمع ياايها الزعيم، الطب لا يفرق بين سيد وخادم. لكن طبعا يمكنك أن تُصدق ما تشاء، فأنت حر في تفكيرك."
عمّ الصمت لحظات. كان هتّان يحدق فيها، يستشعر تلك الهالة الغريبة المنبعثة منها؛ هالة مختلفة لم يشعر بها من قبل في أي مكان أو في أي امرأة. مزيج من الثقة والقوة والجهل بعالمهم.
تثاءبت ميس بتعب واضح.
أخبرها هتّان بلطفٍ خفيف:
"اذهبي أنتِ للنوم الآن، لقد تأخر الوقت. أنتِ مُنهكة."
ردّت ميس: "بل نم أنت، أنت بحاجة للراحة ليلتئم جرحك. أما أنا، فمعتادة على السهر مع المرضى بعد نهاية عملياتهم. عليّ مراقبتك."
أخبرها هتّان
: "حسنًا، سأنام. لكن قبل أن أفعل ذلك، أريد أن أسألكِ شيئاً."
نظرت ميس إليه بفضول خفيف.
سألها هتّان: "ما اسمك؟ لم أستطع أن أسألك قبلاً."
صمتت ميس للحظات، تزن الكلمة في ذهنها. قررت في قرارة نفسها أن تخبره باسمها الحقيقي. ليس لشيء، ولكن ربما تكون هذه هي المرة الوحيدة التي تراه فيها، ولا بأس لو تركت بصمتها الحقيقية في هذا العالم الذي أجبرها على ارتداء شخصية ليست شخصيتها.
قالت ميس بهدوء: "أُدعى ميس."
______
مع شروق الشمس، بدأت أشعتها الذهبية تتسلل من شق في جدار الكوخ والنافذة، عاكسةً ضوءها على وجه ميس.
تحرّكت رموش عينيها ببطء، واستفاقت من نومها على الكرسي الخشبي غير المريح. وهي تشعر بـدفء غريب يغمرها، ورغم الألم المُتعب الذي يسري في جسدها بسبب وضعية جلوسها، إلا أنها اكتشفت أنها مُغطّاة بلحاف خشن.
نظرت حولها فوراً، لكن صدمتها كانت أكبر. السرير الذي كان هتّان يرقد عليه فارغ. لا أثر له. كما أن الفارس والحطاب لم يكونا موجودين.
فركت عينيها ومسحت على شعرها، ونهضت بملابس الحطاب الفضفاضة. تبحث عنهم بحيرة وقلق، تتساءل في نفسها: أين ذهب الجميع؟ هل ساءت حالته وهربوا؟
لكن كانت الصدمة القاضية فيما رأته أمام الكوخ.
كان هتّان واقفاً بضخامة جسده وعرض منكبيه، عاري الصدر تماماً، لا يستر جسده سوى ضمادة الخياطة البيضاء المُلتفّة حول جذعه. يحمل فأس الحطاب الثقيل ويقوم بتقطيع جذوع الخشب بمهارة وسرعة لا تُصدّق، وكأنه لم يَمضِ على خضوعه لجراحة كبيرة سوى سنوات، لا ساعات!
كان يقف إلى جواره الحطاب، يخبره بتوتر واحترام:
"يا سيدي، أرجوك لا تُتعب نفسك! دعني أقوم أنا بهذا، هذا هو عملي..."
بينما كان الفارس يقف على مسافة، يُراقب سيده بفخر عظيم، وكأن هذا الاستعراض للقوة هو دليل على عافية هتّان التامة.
استنكرت ميس هذا المشهد استنكاراً حاداً. لقد خضع لجراحة في عضلات البطن ليلة امس !
اتجهت الأنظار الثلاثة نحو ميس. ألقى هتّان تحية الصباح ، واستمر في القطع بقوته الهائلة، وكأن وجود الحكيمة أو استنكارها لا يعني شيئاً.
بينما تقدمت هي بسرعة ووقفت قبالته مباشرةً، صارخة بلهجة طبية لا تقبل الجدال:
"توقّف حالاً! لا تغترّ كثيراً بصلابة جسدك! في النهاية هذا جسد إنسان، ويمكن أن تنفتح غرزالخياطة في أي لحظة بهذا المجهود، هذا غيرانه..."
قاطعها الفارس بفخر، وهو يُؤكّد على كلام سيده:
"يا حكيمة، أنتِ لا تعلمين. لا يوجد رجل في الدهّام يفوق سيدي قوةً وصلابةً. جرحٌ كهذا لا يُلجمه!"
لكن هذا الكلام لم يرق لميس، بل زاد من غضبها.
في تلك الأثناء، أوقف هتّان ضرباته، وسأل الفارس وهو يتنفس بهدوء شديد: "هل أحضرت ما طلبته منك؟"
أشار الفارس إلى خلف ظهره حيث كان يعلّق سهامه ورمحه.
عقدت ميس حاجبيها بجهل لما يجري، وهنا أخبر الفارس سيده بحماس:
"أجل يا سيدي. سأذهب لأُحضر أفضل صيد للغذاء!"
أطلقت ميس استنكاراً صريحاً:
"ماذا؟ الغذاء؟"
شرح لها هتّان بهدوء:
"أجل. نحن بحاجة إلى الغذاء، ولا أحسن من الغذاء المقوّي سوى اللحم الطازج."
سألت ميس بدهشة خالصة:
"هل ستقتلون حيوان الغابة لأجل اللحوم؟ ياله من تصرف بربري"
تبادل الرجال نظرات الدهشة المُتعجبة؛ كانت أسئلتها غريبة بقدر تصرفاتها.
علّق الفارس بضحكة خفيفة:
"وكيف سنجد اللحم يا سيدتي؟ طبعاً سنصطاد حيواناً، ثم هذه ليست هذه أول مرة!"
نظرت ميس إليهم بجدية قاطعة، متجاهلة ضحكتهم، وقد بدأت في إلقاء دروسها في البيئة والحفاظ على الحياة:
"يا سادة، أنتم لا تدركون العواقب السلبية لقتل حيوانات الغابة بهذه العشوائية!"
ثم بدأت تشرح لهم بحدة:
"قتل الحيوانات بشكل مستمر يعني أن أعدادها ستتناقص بلا رجعة. إذا اختفت الأنواع من الغابة، لن تعود أبداً. هذا يعني أنكم تفقدون مصدراً طبيعياً للحياة واللحم إلى الأبد، ولن تجدوا ما تصطادونه في المستقبل القريب!"
فالغابة ليست فوضى، بل نظام متوازن ودقيق. عندما تقتلون حيواناً، تخلون بالتوازن. هذا الحيوان قد يكون مصدر غذاء لحيوان آخر أهم، أو قد يكون يأكل نباتات معينة. إن قتلتموه، سيزيد عدد الحيوانات التي يأكلها، أو ستزيد النباتات التي يتغذى عليها، وهذا سيُفسد الغابة بأكملها ويجعلها غير صالحة للحياة مستقبلاً."
حدّقت فيهم بشدة، وهي تُنهي كلامها:
"لا تظنوا أن الغابة بئر لا ينضب. يجب أن يكون الصيد بقدر الحاجة وبحكمة، وإلا ستنتهي هذه الموارد عليكم وعلى من يأتي بعدكم!"
بدا هتّان والفارس والحطاب مذهولين من هذا الكلام الذي لم يسمعوا به من قبل. كانت فكرة أن قتل حيوان قد "يُفسد الغابة بأكملها" غريبة عليهم تماماً.
______
جلست ميس على حجر كبير بالقرب من الكوخ، تضع يديها على خديها في وضعية ملل واستغراب، تراقب هتّان الذي كان قد تخلى عن الفأس وبدأ يتساعد مع الحطاب في إشعال النار بالحطب الذي قطعه قبل قليل.
و كان قد وعد الحطاب بوعدٍ لا يُنقض بأن كل هذا الحطب سيشتريه ويدفع ثمنه بسخاء بمجرد وصولهم إلى قبيلة الدهّام.
لم تكن ميس تُصدّق كيف انتهى بها الأمر إلى التعامل مع هذه العقول "البربرية" (كما وصفتهم في سرّها)، والتي لا تفهم شيئاً عن مفهوم الحفاظ على الأنواع، لكنها الآن تشاركهم الانتظار لجزء من صيدهم.
في تلك الأثناء، عاد الفارس حاملاً صيده: كان قد اصطاد غزالا بريا . ألقت ميس نظرة سريعة على جثته ماجعلها تشعر بالشفقة عليه .
كانت النار قد اشتعلت بقوة، مُطلقةً ألسنة لهبٍ حمراء وصفراء تُرقص الظلال على الأشجار. بدأ الرجال في عملية الشواء البدائية، مُعلّقين قطعاً ضخمة من اللحم على أسياخ خشبية فوق الجمر الملتهب.
سرعان ما ارتفعت رائحة الشواء الزكية، ممزوجة بدخان الحطب الذي يتصاعد في الهواء الصافي. كانت الرائحة قوية ومُغرية، تغزو حواس ميس التي لم تأكل شيئاً ذا قيمة منذ الليلة الماضية سوى قطعة الخبز اليابس.
لم يكد الجزء الأول من اللحم ينضج وتتكون عليه قشرة خارجية شهية حتى اقترب هتّان من ميس. كان جسمه يفوح برائحة الدخان والعرق والرجولة، ويحمل في يده جزءاً ضخماً من اللحم المشوي.
أعلن بصوتٍ قوي وعميق، وهو يُقدم لها القطعة: "الحصة الأولى ستكون من نصيب الحكيمة، شكراً لها على ما فعلته لزعيم الدهّام."
نظرت ميس إلى ذلك الجزء الضخم، الذي يكاد يكون وجبة لشخصين، ثم إلى هتّان باستنكار، وعلّقت بسخرية:
"لا تتوقع مني تناول شيء كهذا! إنه غير نظيف، وغير مطهو بالكامل..."
لكن قبل أن تُنهي جملتها، كان هناك صوت آخر اعترض عليها. معدتها!
أطلقت معدتها صوتاً عالياً ومُحرِجاً، كأنها تناشد الجوع الذي يكاد يقتلها .فهي لم تأكل شيئاً فعلياً منذ ساعات طويلة جداً.
اكتسى خدا ميس باحمرار حاد من الخجل والإحراج، خاصةً تحت نظرات هتّان الواثقة.و استسلمت للأمر، تتناول قطعة اللحم الضخمة من يده.
ابتسم هتّان ابتسامة خفيفة يكاد لا يراها أحد، ثم عاد إلى النار. بينما استمر الفارس والحطاب في عملية الشواء براحة وسعادة، وقد تأكدوا من أن "الحكيمة" ستشاركهم في الوليمة أخيراً.
في نهاية المطاف، جلسوا جميعاً خارج الكوخ، يتقاسمون لحم الغزال المشوي الذي كان مصدره إخلالاً بالتوازن البيئي، لكنه كان مصدر دفء وغذاء فوري. وبالرغم من كل استنكارات ميس، كان اللحم لذيذاً جداً، ربما كان الجوع الذي شعرت به هو الذي جعلها تشعر بذلك المذاق، لكنها لم تستطع إنكار أن هذه كانت أول وجبة حقيقية لها منذ زمن طويل.
______
كان عليهم الآن الانطلاق ومواصلة السير نحو الدهّام، فلم يتبق بينهم وبين القبيلة سوى مسافة قصيرة. ودعوا الحطاب الذي وقف عند كوخه المتواضع، يلوّح بيده بينما اليد الأخرى كانت تقبض على بضع القطع الذهبية التي أعطتها له ميس بنفسها، كثمن للملابس التي أخذتها.
لقد اعترض هتّان، قائلاً إنه مدين لها وللحطاب معاً، كما رأى الحطاب أن ملابسه الرثة لا تستحق ذلك الثمن. لكن ميس أصرت على أن تُسوّي الحسابات المالية، وفُرض رأيها.
و انطلقت بذلك ، تجلس خلف الفارس، بينما كان هتّان يقود حصانه "برق" في المقدمة. لم يكونوا يعلمون أن رجال المرجان ما زالوا خلفهم؛ وبحسب وتيرتهم السريعة، فإنهم سيلحقون بهم قريباً.
بدأت ميس تشعر بفضول متزايد كلما اقتربوا من الدهّام. بدا العالم من حولهم يتغير بشكل جذري؛ فقد تحوّلت التضاريس من تلك المساحات القاحلة التي كانت تُشبه صحراء المرجان إلى أرض خصبة ذات ألوان حيوية.
وصلوا أخيراً. وكما توقعت ، كانت الحراسة مشددة. لكن ما إن رأى الحُرّاس زعيمهم هتّان، حتى استقبلهم الترحيب الحار. صاحوا باسمه وفرحوا بسلامته. بالطبع، لم يفتهم أن يرمقوا تلك الراكبة خلف الفارس؛ ذلك الجمال الغريب المُحتجب تحت ملابس الرجال.
أوضح هتّان بجدية لا تقبل الجدل:
"إنها ضيفتي الخاصة." فاكتفى الحراس بالإيماءة، بينما تابع الثلاثة طريقهم.
بالفعل، كانت الدهّام مختلفة تماماً عن المرجان. فقد كانت القبيلة مبنية في قلب وادٍ عميق وشاهق، حيث كانت المنازل والمستوطنات منحوتة على وجوه الصخور والجروف الصخرية المتدرجة
كانت الحياة هنا تتدفق؛ الجسور الخشبية المُعلّقة تربط بين أطراف الجرف الصخري، أسفلها كانت مياه راكدة تغطيها زنابق الماء، مما منح المكان طابعاً سرياً وآمناً. كانت الألوان حيوية؛ الأخضر الداكن للنباتات المُتدلية من كل شق، والبني الفاتح للمباني المُدمجة في الصخر. كانت الدهّام أشبه بمدينة أثرية مُتخفية، محمية بالماء والارتفاع.
والأجمل من ذلك كان سكان القبيلة. فقد اصطفّوا على طول الطريق، يرحبون بحفاوة بالغة بسيدهم هتّان. كانوا يسألون عن سلامته وعن سبب غيابه. الكبير منهم يعانقه، والصغير يمسك بقدمه بحبّ، بينما النساء وقفن يبتسمن لهن بحياء واحترام.
نزلت ميس من الحصان وهي تلاحظ الفرق بذهول. كان حب أهل القبيلة لهتّان ليس حب خضوع أو إجبار، بل كان أشبه بحب الأبناء لوالدهم أو القائد الذي يُلهمهم. فكّرت ميس كيف استطاع شاب صغير مثله أن يُقنع كل هؤلاء ويصبح زعيماً بهذه الكاريزما.
ثم، بعد كل ذلك الترحاب الصاخب، اتجهت الأنظار كلها إلى تلك الواقفة، التي كانت تضغط على أصابعها بتوتر خفي. لقد انتبهوا لها أخيراً.
استولت علامات الدهشة والحيرة والفضول على تلك الوجوه التي بدت بيضاء اللون، ذات شحوب طفيف، على عكس سُمرة رجال المرجان. كانوا ينظرون إلى الحسناء التي ترتدي ملابس رجالية قديمة، لكن جمالها لم يختفِ خلف أي رداء.
اتجه هتّان نحو ميس، ثم التفت ليعرّفها على أهل القبيلة بكلمات مقتضبة لكنها قوية ومؤثرة:
"أيها القوم، هذه هي الحكيمة ميس. إنها منقذتي وضيفتي الخاصة من اليوم فصاعداً. أرجو منكم معاملتها بأفضل وجه، فهي ضيفة على الدهّام جميعاً."
توقعت ميس الرفض أو حتى التساؤل عن هويتها الغامضة، لكنها صُدمت عندما انطلقت الزغاريد والأهازيج ترحيباً بها. فمن يُنقذ زعيمهم وحاكمهم، فكأنه أنقذهم هم.
اتجهت النسوة نحوها بابتسامات حانية، يسألنها عن أحوالها تحت توترها الذي لم يغب. نظرت ميس إلى هتّان، فوجدته يقف يبتسم بخفوت، وكأنه يقول لها: لقد تم الأمر.
ولم تدرِ ميس كيف انتهى بها الأمر، فقد أمسكت بها إحدى النساء العجائز بلطف لـتذهب إلى منزلها. كانت ميس بحاجة ماسة إلى الاستحمام وتغيير تلك الملابس الرجالية .
______
دخلت ميس إلى حجرة الاستحمام البدائية في منزل المرأة العجوز، والتي كانت عبارة عن حوض خشبي كبير مملوء بالماء الدافئ المُعدّ بالبخار. و رغم بساطة التجربة والافتقار إلى كماليات عصرها، شعرت بتحسن هائل. فقد أزال الماء كل آثار الأوساخ والدماء والعرق العالقة بجسدها وروحها.
فاستعادت بشرتها الصافية نضارتها، وبدت أكثر بياضاً تحت وهج الشموع المضاءة في الحجرة. ثم خرجت من الماء مرتديةً الثياب النظيفة التي قدّمتها لها المرأة العجوز.
ارتدت ميس فستاناً طويلاً ومُحتشماً، يُشبه زي النساء في هذه القبيلة :
كان الفستان بلون أسود داكن، يلتصق بجسدها حتى الخصر ثم ينسدل واسعاً.
تزيّن الجزء العلوي منه بتطريزات دانتيل أو حرير أسود دقيقة ومُعقدة، مُبرزاً جمال خصر ثريا النحيل.
كانت الأكمام طويلة، لكنها مصنوعة من قماش أبيض شفاف واسع (يشبه الشيفون أو الحرير الرقيق)، تنتهي عند المعصمين بتجمعات من القماش، مما منحها مظهراً ملكياً ورقيقاً في آن واحد.
تركت شعرها الأسود الفاحم منسدلاً على كتفيها، وهو مُزيّن بأكاليل بسيطة من الورود الداكنة مما أضفى على وجهها لمسة من الحزن الجميل والقوة الهادئة.
أصبح لون شفتيها الأحمر القاني أكثر بروزاً في تناغم مع ملابسها السوداء والبيضاء، مما زاد من جمالها الأخّاذ.
عندما خرجت ميس من الحجرة، ساد الصمت في الغرفة. وقعت عينا المرأة العجوز وابنتها عليها ، فذهلتا تماماً من شدة جمالها البارز في تلك الثياب. كانت ميس تبدو وكأنها أميرة خرجت لتوها من إحدى الأساطير، لا كلاجئة أو مُنقذة.
دعتاها لتناول الطعام، واعتذرتا:
"هذا ما يمكننا تقديمه لكِ أيتها الحكيمة." كان الطعام بسيطاً، غالباً خبز مع بعض الألبان والزيتون، ولكنه كان مُقدّماً بكل حب وامتنان.
شكرت ميس النساء جزيل الشكر وجلست لتتناول طعامها بارتباك خفي. كانت تعلم أن أنظار العجوز وابنتها لا تزال تحاوطها بالدهشة والإعجاب، لكنها حاولت تذكير نفسها بهدفها الأسمى باستمرار: لقد دخلت الدهّام.
كان عليها الآن التركيز. الدخول إلى الدهّام هو مجرد الخطوة الأولى؛ هدفها الحقيقي هو الانطلاق إلى بنو الرقاع للعثور على العالم الحقيقي الذي أتت منه.
أقسمت ميس في داخلها أن هذه المرة يجب أن تكون مختلفة. عليها أن تدرس الرحلة دراسة شاملة من كل الجوانب:
المسار والتضاريس: هل هناك طرق سرية؟ هل يمكن استخدام نظام الممرات والجسور الموجود في الدهّام؟
الزاد والمؤونة: تحديد الكميات الكافية من الطعام والماء اللازمين لرحلة طويلة في بيئة غير مألوفة.
وسيلة النقل: لن تحتمل هروب حصانها أو نفوقه مرة أخرى. يجب تأمين أفضل وسيلة ركوب، وربما ركوب حصانين لضمان استمرار الرحلة.
التوقيت والسرية: متى وأين وكيف يجب أن تغادر الدهّام دون إثارة الشبهات، خاصةً وأنها أصبحت الآن "ضيفة خاصة" للزعيم هتّان.
كانت ميس تأكل، لكن عقلها كان يرسم الخرائط ويحسب المسافات، مُدركة أن النجاح هذه المرة يعتمد على التخطيط الدقيق وليس على الهروب العشوائي.