الفصل التاسع : زعيم في يد حكيمة
كانت ميس قد نهضت ببرود عمليّ، متجاوزةً الفوضى، لتبدأ في العملية الجراحية بأقل الأدوات المتاحة، بل بانعدامها. لا ملابس معقّمة، لا قفازات، ولا أي تجهيزٍ طبيّ حديث، فقط يداها وتركيزها المُطلق.
فجأة، اخترقت الصمت صرخةٌ حادة، صرخة خوفٍ وهلع. التفتت ميس برعبٍ لتجد خلفها الحطاب، مالك هذا الكوخ، وقد تجمّد مكانه صدمةً لرؤيتها في بيته. كيف دخلت؟ لم يُضيّع الرجل ثانية، فاستلّ فأسه فورًا، مُتخذاً وضعية الدفاع والهجوم.
علت ملامح الرعب وجه ميس التي حاولت جاهدة أن تشرح موقفها، لكن صراخ الحطاب المُحتدّ كان أعلى من أي كلمة.
في تلك اللحظة الحاسمة، عاد الفارس وهو يحمل دلو الماء. صُعق الحطاب، فذلك الدلو هو دَلْوه! لكن الفارس لم يلتفت للصدمة، بل طلب من الحطاب بلهجةٍ آمرة أن يخفض فأسه ويُصغِي إليه أولًا.
بدت علامات الخوف على الحطاب، لكنه لم يُخفض الفأس، مُبقياً إياه كدرعٍ ووَسيلة حماية.
أخبره الفارس أنهم طرقوا الباب ولم يجدوا أحدًا، ثم قصّ عليه باقتضاب سبب اقتحامهم، وأن السيد هتّان هو المُصاب الذي يرقد على فراشه.
رَمَش الحطاب دون تصديق، كأن الكلمات لم تستقر في عقله: "هتّان؟ زعيم قبيلة الدهام ؟ الزعيم ؟"
أومأ الفارس بتأكيد.
وهنا كانت الصدمة الكبرى لميس. لقد نست كلياً أن تستفسر عن هويته. نظرت إلى الرجل المُغمى عليه بوجهٍ مُتغير: "إذًا هذا هو رئيس الدهّام." لاحظت أنه صغير السن مقارنةً بوالد ثريا، رئيس قبيلة المرجان. هي الآن تقف أمام حاكم قبيلة! وحياته أصبحت بين يديها. هذا هو الرجل الذي يكرهه المرجان... من كان يتوقع أنها ستقابل الدهّام نفسه؟
لكنها عادت إلى واقعها بسرعة. طلبت من الفارس أن يُحضِر الماء إليها على الفور.
سأل الحطاب الفارس بهمسٍ مشوبٍ بالخوف والريبة:
"مَن هذه؟ وما الذي ستفعله بالسيد؟"
أخبره الفارس، وكأن الإقناع لم يكتمل لديه هو الآخر، أنها "حكيمة".
لكن ميس لم تلتفت لثرثرتهما. أخبرت الفارس بلهجةٍ لا تقبل الجدال أنه سيُساعدها؛ فكلما طلبت شيئًا، يجب أن يُناوله لها.
اكتفى الفارس بإيماءة، وقبل الأمر الطارئ.
ثم بدأت ميس في خياطة الجرح. كانت خطواتها دقيقة ومُنظمة بشكل غريزي، وهي تعتمد على خبرتها الطبية الحديثة. في البداية، حاول الحطاب أن يتحمّل المنظر، لكنه لم يستطع مقاومة المشهد القاسي، بينما الفارس، الذي من المفترض أنه مُعتاد على الدماء في ساحات المعارك، كان يُصارع ليتمالك نفسه.
كانت عيناها ثابتتين، وجبينها معقوداً، وهي تُقاتل الظروف القاسية بأدواتٍ بالغة البدائية، لكن المشكلة كانت أكبر من مجرد الخياطة. لم يكن بإمكانها التأكد من أي شيء؛ فلوحة قياس النبض غير موجودة، إنها في عصرٍ لا يحتوي على أي جهازٍ حرفيًا. وفوق كل شيء، نزف هتّان دماءً كثيرة، وهي لا تعرف كيف تعوّضها له.
كانت الأفكار تتصارع في عقلها، بينما هي تعمل بدقة لا تُصدّق، تحت نظرات الفارس والحطاب اللذين لا يكادان يصدّقان ما تريان. هذه المرأة ليست كغيرها؛ إنها بارعة جدًا فيما تفعله.
ولتعويض فقدان الدم في ظل عدم توفر أكياس دم مُطابقة (فصائل الدم غير معروفة ولا يمكن تصفيتها أو حفظها)، يمكن لميس أن تلجأ إلى المحلول الأكثر بساطة وتوفرًا لتعويض الحجم المفقود في الأوعية الدموية.
تعلم ميس أن التعويض الفوري هو تعويض للسائل وليس لخلايا الدم الحمراء، ولذلك، يجب عليها أن تجد وسيلة لتعويض حجم السوائل لرفع ضغط الدم والحفاظ على الأعضاء الحيوية من الانهيار.
أمرت ميس الفارس والحطاب بصوتٍ عالٍ وحاسم:
"أحضِر لي كمية من الماء النظيف ولتضع فيها ملحاً قدر المستطاع وكمية من السكر أو العسل! أسرعا!"
تجمّدت عينا ميس على الفارس الذي وقف متأهبًا، وعلى الحطاب الذي ما زال يُمسك بفأسه بارتياب، وعلى وعاء الماء غير المغلي الذي أحضره الفارس. كانت تعلم أن الماء لم يكن مُعقّمًا بالمعايير الطبية الحديثة، لكن هذا كان أقصى ما يمكن تحقيقه.
أمامها الآن تحدٍ يكاد يكون مستحيلاً: كيف تُدخل هذا المحلول المُنقِذ للحياة إلى مجرى دم هتّان
أخذت نفسًا عميقًا وهي تُكمل خطوات خياطة الجرح بدقة وسرعة، عقلها يبحث بضراوة عن أداة. لم يكن هناك محاقن، ولا قنيّات وريدية، ولا حتى خراطيم بلاستيكية.
نظرت حولها تبحث عن أي شيءٍ مُجوّف وحاد. وقع نظرها على أحد أسياخ الشواء المعدنية التي كانت موضوعة بجوار موقد الحطب. كان السيخ رفيعًا وذا رأسٍ مدبب.
"أحضِر لي نارًا قوية فوراً!" صرخت في الفارس، مُشيرةً إلى السيخ. بدون تردد، دفع الفارس السيخ في الجمر المشتعل. بينما ظلت هي مُركّزة على الجرح حتى احمرّ السيخ ككتلة من اللهب.
انتشل الفارس السيخ بأمرها، ووضعته ميس في الماء النظيف للحظات، ثم استخدمت طرف ثوبها لتجفيفه بعناية، وهي تُدرك أن التطهير بالنار هو أقصى درجات التعقيم في هذا العصر.
كانت المشكلة الأكبر هي كيفية إبقاء "الإبرة" داخل الوريد لتسمح بالتقطير.
نظرت حولها مجدداً، مُستلّةً ريشة طائر كبيرة كانت قد سقطت من ريش فراشهم. مزّقت ريشها اللين بعناية شديدة، واستخدمت السكين الحادة الموجودة في الكوخ لـقص طرفها المدبب، مُحوّلة الريشة المُجوّفة إلى أنبوب دقيق ورفيع.
ثم أمسكت بساعد هتّان الرقيق بمهارة، وضغطت على طرف الوريد لجعله بارزاً. ثم، مستخدمة رأس السيخ المُعقّم بالنار، أحدثت وخزة دقيقة فوق الوريد البارز، تسمح فقط للريشة بالمرور .
كانت يداها ترتجفان قليلاً، ليس خوفاً، بل تركيزاً على الدقة الجراحية.
أدخلت الريشة المُعدّلة ببطء وحذر شديدين عبر الوخزة الجلدية وفي جدار الوريد. تطلّب الأمر براعة فائقة لتثبيت الريشة دون إلحاق مزيد من الضرر بالوريد.
طلبت ميس من الفارس أن يرفع الوعاء الذي يحتوي على محلول الملح والسكر/العسل، وربطت طرف قماش نظيف (مُزق من ثيابها) بفتحة الريشة من جهة، وعلّقت الطرف الآخر في وعاء المحلول المُعلّق عالياً، مُستخدمةً خاصية الجاذبية.
لم يكن هناك طريقة لتنظيم سرعة التنقيط، لذا استخدمت أصابعها لـالضغط الخفيف على قطعة القماش المُبللة بالريشة، مُحدثةً تنقيطاً بطيئاً وبتحكّم يدوي مُضنٍ.
نظر الحطاب والفارس بدهشة مطلقة إلى المشهد. هذه المرأة لم تكتفِ بفتح جسد زعيمهم وخياطته، بل كانت تُدخِل شيئاً غريباً في عروقه! كان المحلول الشفاف يتسلّل ببطء شديد عبر "قُنيّة الريشة" إلى وريد هتّان.
همست ميس لنفسها وهي تواصل الضغط والتحكّم: "صدمة نقص الحجم... أنا أُعطي حجمًا... أرجوك يا جسدي القديم، ثبّت ضغط الدم مؤقتاً... حتى لو لم يكن دمًا."
طلب الفارس من الحطاب أن يمسك ذراع هتّان بثبات للحفاظ على الريشة في مكانها، بينما كان هو يُمسك بوعاء المحلول مُعلّقًا، يداه تتصبّبان عرقًا من ثقل المسؤولية والمشهد الغريب.
_______
انتهت ميس من غرزة الخياطة الأخيرة. سحبت "قُنيّة الريشة" ببطء بالغ من وريد هتّان، ووضعت قطعة من القماش النظيف فوق موضع الوخز، ثم أزاحت أدواتها البدائية جانباً. كان النزيف قد توقف، والجرح مغلق، والجثة المنهكة تتلقى ببطء التعويض الحجمي الذي قد يُبقيها على قيد الحياة.
في تلك اللحظة، أسقط الفارس دلو المحلول جانباً، لم يعد يحتمل ثقل الإمساك به أو الغرابة التي تكتنف الموقف. اندفع الفارس نحو ميس بلهفة وقلقٍ جامح:
"ما حال زعيمي؟ أأصبح بخير؟"
لم تُجِب ميس على الفور، بل كانت عيناها تقيّم كل التفاصيل من حولها. مسحت يديها الملطختين على طرف ثوبها الذي غدا بائساً ليس في أحسن أحواله، وكأنها تختتم عملاً عظيماً بمنديلٍ مهلهل.
اقتربت من هتّان وألقت عليه نظرة فاحصة أخيرة. وضعت كفّها على جبينه، تتحسس حرارته بتجربة غريزية. ثم رفعت رأسها لتواجه الفارس بوجهٍ يحمل مزيجاً من الإرهاق والحزم.
"انتهى الأمر الآن... أوقفت النزيف، وأغلقت الجرح، وعوّضت بعضاً مما خسره جسده. لكن هذا ليس كل شيء،"
قالت ميس بصوتٍ خافت.
"ما علينا الآن سوى مراقبة حرارته باستمرار، والترقّب بحذر لأيّة مُضاعفات قد تطرأ. "
كان عليها الآن أن تُفكر في المرحلة التالية: المساعدة على التئام الجرح ومنع التقيُّح. كان لا بديل عن العودة إلى الطبيعة.
التفتت ميس نحو الحطاب الذي كان واقفاً كالصنم، سائلةً إياه بجدية: "هل توجد نباتات أو أعشاب طبية تُستخدم في تضميد الجروح في المنطقة القريبة من هنا؟"
نظر الحطاب إلى الفارس بتردد قبل أن يُجيب. كانت نظرة استئذانٍ أو خوف، لكنه أجاب في النهاية بهدوء: "نعم يا سيدتي، في الغابة بعض النباتات التي سبق وان استخدمها حكيم القبيلة لأمراض بسيطة وللتضميد."
في لحظة، اتخذت ميس قرارها.
"يا فارس، سوف تذهب معي. نحن بحاجة لقطف بعض هذه النباتات فوراً. أخبِرني أيها الحطاب عن موضعها تحديداً."
ثم التفتت إلى الحطاب بأمر لا يقبل النقاش: "أما أنت، فستبقى هنا. لا تُغادر هذا المكان قيد أُنملة. أي حركة مفاجئة منه، أي تغيّر في تنفّسه، أريد أن أكون أول من يعلم. حياته أمانة في عنقك، فلا تتهاون!"
أومأ الحطاب برأسه سريعاً، وقد أدرك ثقل المسؤولية. تخلّى الفارس عن تردده، وأشار للحطاب بطاعة أن يلتزم مكانه، ثم التفت إلى ميس مستعداً للانطلاق معها إلى عمق الغابة، خلفاً للأعشاب الشافية.
وبالفعل، هذا ما حدث. خرجت ميس والفارس بسرعة من الكوخ، تاركين الحطاب وحيداً مع الزعيم المُصاب الذي صار مصيره مرهوناً بحفنة من الأعشاب ووخزات ريشة طائر.
________
في تلك اللحظة التي كانت فيها ميس تُصارع الموت بأدوات بدائية في كوخ الحطاب، كانت عقارب الزمن تدور لتبدأ فصلاً جديداً من الصراع القبلي القديم. لقد انطلقت الرحلة بالفعل.
رجالٌ أشداء من قبيلة المرجان، يمتطون جيادهم الأصيلة، كانوا قد ركبوا صوب قبيلة الدهّام المُعادية. يتقدمهم أبلج وابن ناصر، وكلاهما يحمل في عينيه غضباً أسود لا يتزعزع. لم تكن وجهتهم مجرد زيارة أو لقاء، بل كانت غارة محكمة لتحقيق هدف واحد: استعادة الشرف المُنتهَك.
الغاية كانت واضحة وصارمة: إحضار تلك المرأة.
تلك المرأة التي دنّست شرف قبيلة المرجان العريقة بخروجها وهربها في وضح النهار. سواء كانت ثريا الأصلية أو ميس التي تسكن جسدها، فإن الجرم قد وقع.
كانت وجوههم خالية تماماً من أي بادرة للمغفرة أو التسامح. بل على العكس، كانت ملامحهم تنضح بالصميم والوعيد. فالقضية الآن قد تحوّلت من مجرد خلاف شخصي أو تمرّد إلى قضية شرف قبلي لا يمكن التغاضي عنها.
والمرجان، بأسها وتاريخها يُثبتان أنها لا ترحم أبداً عندما يُهان شرفها.
كانت جيادهم تخترق الأرض بسرعة وقوة، تثير الغبار خلفها، حاملةً في صليل حوافرها نذير حرب قادمة ومحاولة لغسل العار لا مجال للتراجع فيها. إنهم يذهبون لجلب تلك المرأة، والويل لمن يقف في طريقهم، خاصةً الدهّام، أعداؤهم التاريخيين.
________
وصلت ميس والفارس إلى حافة الغابة الصغيرة التي أشار إليها الحطاب، وهي غابة تبدو متواضعة ومحدودة مقارنة بغابة الحدود الشاسعة التي عبرتها ميس سابقاً. كانت أشعة الشمس تتسلل بصعوبة بين الأغصان، لتخلق فسيفساء من الظل والضوء على الأرض المبللة.
كانت ميس مُتسرعة، عقلها لا يزال مُعلّقاً بهتّان وضرورة تأمين مواد تمنع العدوى وتُسرّع الالتئام. لكن المشكلة كانت مُزدوجة:
جهل الفارس: لم يكن الفارس يعلم أي شيء عن الأعشاب الطبية، ولم يكن يفهم مطلقاً سبب هذا البحث المُلحّ عن مجرّد أوراق وأزهار.
عدم جزم ميس: ميس نفسها لم تكن جازمة تماماً. لم تستطع تذكّر الوصف الدقيق لجميع الأعشاب المُعقمة والمُضادة للالتهاب التي درستها في عصرها الحديث، والتي قد يكون لها نظائر في هذا العالم. كانت تعتمد على ذاكرة بعيدة ومُتراكمة، وتبحث عن خصائص معينة: الأوراق السميكة، ذات الرائحة القوية، أو تلك التي تفرز عصارة لزجة.
بدأ الفارس يجول بنظرات حائرة، يقطف أي شيء يُصادفه في طريقه، ثم يركض ليُريه للحكيمة التي كانت تتفحص كل شبر من الأرض بنظرات مُجهدة.
"هل هذا هو، أيتها الحكيمة؟" قال الفارس وهو يُقدّم لها باقة صغيرة من أوراق عريضة وخضراء زاهية.
أخذت ميس الأوراق بين أناملها، تفركها سريعاً وتشمّ رائحتها بعمق. "لا، هذه تُستخدم لتهدئة المغص، لا تفيد الجروح." ألقتها جانباً وعادت لتُكمل بحثها.
أحضر لها قطعة من لحاء شجرة، مُعتقداً أنها مادة قوية قد تكون مفيدة. "وهذا؟ إنه صلب، قد يصلح لشدّ الجرح!"
هزّت ميس رأسها بقلة صبر:
"أُريد شيئاً يُنقّي، لا شيئاً يزيد الأمر سوءًا! هل هناك ما تُسمّونه 'عشبة النقاء' أو 'ورقة الحمى'؟"
كانت ميس تبحث تحديداً عن نباتات قد تُماثل في خصائصها الكركم، أو الألوفيرا، أو حتى أوراق المريمية التي اشتهرت بخصائصها المُطهرة.
كان الفارس يزداد إحباطاً وحيرة، لكنه لم يتوقف. كان يعلم أن حياة هتّان تعتمد على ما تجده هذه المرأة الغريبة. انحنى هذه المرة وقطف نبتة ذات أوراق صغيرة داكنة، مُغطاة بزغب خفيف، وعندما فركها، انبعثت منها رائحة نفاذة، كأنها رائحة توابل مُركّزة.
مدّها للفارس بترقب:
"وهذه يا سيدتي؟ رائحتها قوية ومميزة!"
تناولت ميس النبتة، وعقدت حاجبيها تركيزاً. فركت الأوراق، ثم قطفت زهرة بنفسجية صغيرة منها. الرائحة كانت مألوفة... رائحة تُشبه المطهرات القوية. نظرت ميس إلى النبتة بعمق، وشعرت بشيء من الأمل يرتسم في عينيها.
"أين وجدت هذا؟" سألت ميس، بلهجة كانت أخيراً تحمل بعض اليقين.
أشار الفارس إلى مكانٍ مُظلل بين الصخور، حيث كانت النبتة تنمو بكثافة.
"هذا هو ما أبحث عنه، أو على الأقل، قد يكون هذا أفضل ما يمكن أن نجده. لعلّ هذه النبتة ذات الخصائص القابضة والمُطهرة تنجح في تضييق الأوعية السطحية وتطهير الجرح،" قالت ميس، كأنها تتحدث إلى نفسها بلغة لم يفهمها الفارس.
ثم أمرت الفارس بصوتٍ حاسم:
"اجمع كل ما تستطيع جمعه من هذه النبتة تحديداً! يجب أن نعود بسرعة "
أسرع الفارس بالعمل، وقد شعر أخيراً أنه قد أنجز شيئاً مفيداً لزعيمه. بينما بدأت ميس بجمع النبتة أيضاً، وكأنها تتبارى مع الزمن.
_______
عادت ميس والفارس من الغابة، يحملان كمية لا بأس بها من النبتة ذات الرائحة النفاذة. كانت ميس تقبض على الأعشاب بقوة، وكأنها تحمل الأمل ذاته. دخلا الكوخ ليجدا الحطاب جالساً على كرسي خشبي قديم، يُقابل سرير هتّان مباشرةً، الذي كان لا يزال مُستغرقاً في غيبوبته. كانت عينا الحطاب تتنقلان بين وجه الزعيم الشاحب وبين باب الكوخ، في حذرٍ لم يغب عنه الخوف.
لم تُضيّع ميس لحظة. طلبت الماء النظيف مرة أخرى، ثم بدأت في العمل على الأعشاب.
أخذت كمية وافرة من الأوراق الداكنة، وطلبت من الفارس أن يُحضر حجرين مُسطّحين. تحت نظرات الحطاب والفارس المندهشة، وضعت الأوراق بين الحجرين وبدأت في طحنها بقوة، حتى تحوّلت إلى عجينة خضراء داكنة ذات رائحة مُركزة وقوية.
استخدمت قطعة قماش نادرة النظافة لغمسها في الماء، ثم استخدمتها في تنظيف المنطقة المحيطة بالجرح، مُتجنبةً لمس موضع الخياطة مباشرةً. بعد ذلك، بحذر بالغ، قامت بفرد معجون الأعشاب المُركز على خط الجرح، وهي تُدرك أن هذه المادة الطبيعية هي خط الدفاع الوحيد ضد تقيُّح محتمل.
بعد الانتهاء من التطهير والتضميد الأولي، أخذت قطعة قماش أخرى، وربطتها بإحكام، لكن دون شدٍّ مؤلم، لتُصبح ضماداً يغطي موضع الجراحة. لقد أتمّت المهمة على أكمل وجه ممكن في ظل هذه الظروف المعيشية القاسية.
بعد أن فرغت من ربط الضماد، أطلقت زفرة طويلة ومُنهكة، خرجت من أعماق صدرها، وهي تمسح جبينها المبلل بالعرق والجهد.
كان هذا التعبير عن الإجهاد بمثابة إشارة للحطاب والفارس، فما كان منهما إلا أن تنهّدا هما أيضاً، وكأن ثقلاً عظيماً قد أُزيح عن كاهلهما.
تقدم الفارس بخطوات سريعة، وشكر الحكيمة بامتنانٍ صادق:
"بارك الله فيكِ أيتها الحكيمة. لقد أنقذتِ حياة زعيمنا. جزاكِ الله خيراً!"
ردّت ميس، وما زالت عيناها تُثبّتان على وجه هتّان، لا على من يُخاطبها:
"لا تشكرني الآن أيها الفارس. بل عليك أن تدعو ألا يظهر عليه أي مكروه. وعلينا أن نُجهّز أنفسنا... فالليلة ستكون طويلة."
لم يفهم الفارس ما تقصده ميس.
"ليلة طويلة؟ هل هناك خطر آخر؟" سأل بقلق. لم يعلم أن ميس كانت تقصد أن دورها كطبيبة قد انتهى تقريباً، وأن دورها كمُراقبة للعلامات الحيوية (وهي أهم مراحل ما بعد العملية في أي عصر) قد بدأ. يجب أن تظل مُستيقظة لتراقب الحمى، والنزيف الداخلي، وردود فعل جسده على صدمة الجراحة .
وبينما كانت تُرتّب الأدوات المتناثرة، شعرت بملابسها تلتصق بجسدها من العرق والدم، وبدت مُمزقة ومُلطخة؛ لم يكن ثوب ثريا في حالٍ يسمح بالمراقبة طوال الليل.
نظرت حولها في الكوخ البسيط. لا شك في أن منزل الحطاب لا يحتوي على أي ملابس نسائية، فزوجته غائبة، أو ربما لا يملك سوى ما يرتدي.
لم يكن أمامها سوى حل واحد لضمان حريتها في الحركة والعمل طوال الليل.
طلبت ميس من الحطاب أن يمنحها ثوباً من ثيابه. تردد الرجل قليلاً، لكنها نظرت إليه بجدية أجبرته على الامتثال.
أخذت ميس ثياب الحطاب الرجالية. كانت واسعة وطويلة عليها بشكل واضح، لكنها قامت بـربطها بوشاح حول خصرها لشدّها وتعديل مقاسها. حرية الحركة أهم من الأناقة.
أما شعرها، فكان يجب أن يبقى بعيداً عن الجرح وأي شيء قد يتطلب التعقيم. رفعت خصلاته الطويلة عن عنقها، وربطتها بإحكام في مُقدّمة رأسها على شكل ذيل حصان مرتفع، أو ما يُعرف محلياً بـ"عَقصة الفرس"، ليصبح مظهرها عملياً تماماً، بمظهر نصفه لامرأة عصرية ونصفه لرجلٍ قرويّ، لكنها كانت مستعدة للمواجهة القادمة.
أصبحت ميس الآن على أهبة الاستعداد لبدء "الليل الطويل" بجانب الزعيم هتّان، تبدو كامرأة مُحاربة تخوض معركة الاستشفاء.