السحر
رجعنا وكنت حينها في الصف الرابع الإعدادي، في الفصل الدراسي الثاني. انتهينا من تجهيز منزلنا، وبدأ أهل عمتي يترددون علينا بكثرة. كانوا يقضون لدينا أسبوعاً أو أكثر ثم يغادرون. أنا كنت أحبهم حباً جماً؛ عمتي تشبهني كثيراً وتحبني أنا وأبناؤها حباً شديداً. وكان لديها ولد أكبر مني. كنت أفرح جداً بقدومهم، وأحزن عند مغادرتهم.
في تلك الفترة، كانت لدي دشداشة (ثوب) صفراء. لاحظت أنهم كلما لبستها أتوا لزيارتنا. فصرت أرتديها باستمرار على أمل أن يأتوا. حتى أن زوج عمتي قال لي يوماً مازحاً: "ما هذا يا نوف، أليس لديكِ غير هذه الدشداشة؟" فقلت له بابتسامة: "لا، لكني أرتديها لأنكم تأتون عندما ألبسها!"
مع مرور الأيام، تكونت صداقة متينة بيني وبين ابن عمتي. سرعان ما تحولت هذه الصداقة إلى حب عميق. كنت أحبه وهو يموت فيّ عشقاً. كنت أقول لنفسي: "مستحيل أن يوجد رجل مثله إلا في الأحلام!"
لم يمر وقت طويل حتى أحسّت عمتي بما بيننا؛ نظراتنا، أحاديثنا، وضحكاتنا، بل وحتى مساعدته لي في أعمال المنزل عندما كان يزورنا. لم أستطع كتمان الأمر أكثر، فذهبت وتحدثت مع عمتي مباشرة وقلت لها: "يا عمة، أنا أحبه وهو يحبني، أرجوكِ لا تتركيه يذهب منا." فرحت عمتي جداً وقالت: "يا ليتكِ تصبحين كنتي! هذا حلم لي!"
فرحت أنا أيضاً وأخبرته بأنني تحدثت مع والدته. تفاجأ كيف تجرأت على مصارحة أمه مباشرة! بعد ذلك، أصبح جميع أقاربنا يعلمون بقصة حبنا المتبادل.
في هذه الأثناء، كان ابن عمي يحبني ويرغب في الزواج مني، لكني لم أكن أبادره الشعور. فصار يأتي لزيارتنا، خاصة عندما تكون عمتي موجودة، محاولاً إفساد العلاقة بيني وبين ابن عمتي.
علم زوج عمتي بكل شيء، وبدأ يتواصل معي بعد أن يغادروا منزلنا. كان يقول لي: "أنا أعلم أنه يحبكِ، وسوف أزوجكما قريباً." وكان يرسل لي صوراً لابنه وهو عائد من العمل مُتعباً ليلاً، ليؤكد لي أنه يعمل بجد لجمع ثمن المهر. ثم أخبرني بأنه سيأتي يوم الاثنين ليتحدث مع والدي رسمياً. فرحت أنا وابن عمتي جداً، وصار يرقص ويغني من شدة الفرح.
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن متوقعاً على الإطلاق. إحدى قريباتنا كانت تحبه وتريده بشدة، وكانت والدتها تقول لها: "أنتِ من ستأخذينه، ولن يأخذه أحد غيركِ." لم يكن لدي هاتف خاص، فكنت أذهب إلى صديقتي لأتصل بهاتفها وأتحدث معه.
دعينا لحضور حفل زفاف في تكريت. أبي قال لأخي: "خذ زوجتك واذهب لقضاء الواجب وعد." لم يكن في نيتي الذهاب. لكن أبي ناداني وقال لي: "تذهبين معهم." قلت له: "الأمر لك." قال: "نعم، اذهبي معهم."
لم أستطع أن أقول له إنني سأذهب . توجهنا أولاً إلى بغداد، لأن والد الشاب (خطيبي المستقبلي) كان في بغداد، وكان سيوصلنا إلى تكريت. اتفقنا أن نبيت في بيت عمي، وننطلق صباحاً. لكننا بتنا في منزل تلك الفتاة التي ترغب في ابن عمتي. بدأت تتحدث معي وتحكي لي: "أنا أحب شخصاً، وإن شاء الله سنتزوج قريباً." لم يخطر ببالي أنها تقصد ابن عمتي.
انطلقنا صباحاً إلى . بمجرد وصولنا، بدأ الجميع يسألني: "صحيح أنكِ ستُخطبين لابن عمتك؟" فقلت لهم: "نعم، إن شاء الله." لأنه لم يبقَ أحد لا يعلم بعلاقتنا.
شعرت بضيق شديد لأنني لم أستطع التحدث معه. فجاءت أم الفتاة (التي كانت ستصبح كنتنا، كما قالت عمتي) ونادتني في حديقتهم. قالت لي: "تفضلي هذا الهاتف، اتصلي به." قلت: "بمن؟" قالت: "خذي، تحدثي معه. أعلم أنكِ تريدين التحدث إليه." فرحت جداً، وأخذت الهاتف واتصلت به، تحدثنا ثم أغلقت الخط.
بعد ثلاثة أيام من عودتي إلى المنزل، ذهبت إلى صديقتي لأتحدث معه مجدداً. اتصلت به، وبمجرد أن فتح الخط قال لي: "أهلاً بالخائنة!" قلت له: "ما بك؟ لا تمازحني هكذا!" لكنه كان يبكي وهو يتحدث. قلت له: "فقط فهمني، ما الذي يحدث؟" قال: "ألا تعلمين ماذا فعلتِ؟" قلت: "يا هذا، أخبرني ما الذي جرى!"
قال: "لقد سمعتُ أن واحدة اتصلت بوالدي وقالت له: إنها ذهبت إلى تكريت من أجل شاب آخر، ذهبتِ لتري حبيبكِ، أنتِ لا تحبينني!" سألته: "من هذه؟ ومن أين سمعت هذا؟" قال: "إنها فلانة، أم الفتاة التي تحبني!" أغلقت الخط واتصلت بها. أنكرت الأمر وقالت: "لا، لم أتحدث." (طبعاً هي كاذبة، فقد أوغرت صدر والده ضدي).
بعد ذلك، بدأت الأم تعمل بالسحر، والعياذ بالله. أشبعت ابن عمتي بالأسحار وجعلته يحب ابنتها ويرغب في الزواج منها. لكنه خطبها بعد معاناة ومشاكل؛ إذ كان أعمامها رافضين. كانت تأتي إليّ تبكي وتقول: "أنا أحبه وأريده، ماذا أفعل؟" وكنت أقول لها ببرود شديد: "والله ستأخذينه، لا تخافي، والله ستتزوجينه." وفعلاً، بعد فترة خطبها.
في فترة الخطوبة، ذهبنا لزيارة عمتي. كنت مقبلة على امتحانات الصف السادس. دخلت بيت عمتي وهو لم يكن موجوداً. كنت في المطبخ أصنع الشاي، فجاء ودخل المطبخ. قال: "السلام عليكم"، قلت: "وعليكم السلام". نظرت إليه، لقد تغير ثمانون درجة؛ أصبح أسمر جداً، متعباً، وناحلاً ومُنهَكاً.
دخل ليستحم، وجلست أنا في الصالة. خرج وجلس أمامي، يضحك لي، ويتحدث مع إخوته، يريدني أن أتحدث معه، لكنني لم أفعل. عرفت خطيبته بوجودي، فتضايقت جداً وجاءت إليهم، كادت تموت من الغيرة، ظناً منها أنني سأسترجعه منها.
بات والداي عند عمتي، لكني بقيت هناك. أرادت هذه الفتاة (الخطيبة) أن أذهب لأبيت معهم. رفضت أنا، ورفضت عمتي وقالت: "دعوها عندي، لا شأن لكِ بها."
في حوالي الساعة الواحدة ليلاً، جاء والدي وقال لي: "هيا، اذهبي. هذه الفتاة تريدكِ أن تبيتي عندها." تضايقت عمتي وقالت: "هذه تفعل هذا بدافع الغيرة!" (وللأمانة، عمتي لم تكن تريدها، ولم تذهب حتى لحضور خطبتها لابنها). أخذني والدي وذهبت إلى منزلهم.
قالت لي الفتاة: "أردتكِ أن تأتي لأنني أغار عليه، لا أريدكِ أن تبقي عندهم." ضحكت وقلت لها: "لو كان رجلاً حقيقياً، ما كان ليأخذكِ." وتركتها وذهبت جلست بجوار والدتي.
قالت لي أم الفتاة: "أنا دائماً أصنع حجاباً للطلاب، وهو يفيدهم جداً، سأصنع لكِ واحداً." قلت لها: "لا أريد." قالت: "والله إنه مفيد، سترين الفرق الآن." قلت: "حسناً."
نادت ابنتها: "أحضري قلماً أحمر وورقة بيضاء بدون خطوط." أحضرتها الفتاة، وابتعدت عنا الأم وبدأت تكتب. صنعت حجابين، ثم طوتهما ولفتهما بشريط لاصق. قالت لي: "هذان يجب أن تحمليهما معكِ أينما ذهبتِ." قلت لها: "حسناً."
عدت إلى المنزل، وكنت أشعر بالاختناق والتعب، ولم أستطع الدراسة. قلت في نفسي ربما لأني مُتعبة، سأدرس غداً. في اليوم الثاني، كنتُ ميتة من التعب ومختنقة. وعندما يحل المغرب، أشعر بالاختناق وأبدأ بالبكاء حتى الصباح. استمررت على هذه الحالة ثلاثة أيام، ولم يبقَ على امتحاناتي سوى تسعة أيام، وأنا لا أراجع ولا أقرأ.
في اليوم الرابع، لم أتحمل، صرت أبكي وأنا مختنقة. في الساعة الواحدة ليلاً، اتصلت بأختي المتزوجة في بغداد. سمعتني أبكي وقالت: "ما بكِ؟" قلت: "لا أدري، أنا مختنقة، سأنفجر." قالت: "هل أحد تحدث إليكِ أو تشاجر معكِ؟" قلت: "لا، لا شيء." قالت: "هل أحد أعطاكِ شيئاً؟" قلت: "نعم، فلانة أعطتني حجاباً، قالت إنه آيات قرآنية."
قالت أختي: "لماذا أخذتِ منها؟ ما لكِ؟ يجب أن تحذري منها." كنت قد وضعتهما تحت وسادتي، فأخرجتهما. قالت: "افتحيهما." فتحتهما، فإذا بهما كتابات لا معنى لها، مجرد خربشات. قالت: "لماذا وافقتِ على أخذهما؟" قلت: "لا أعرف كيف وافقت." صورتُهما ثم رميتهما.
كان هاتف أمي يبقى معي ليلاً. في اليوم التالي، راسلتُ أخي الذي يسكن في بغداد، وقلت له: "أريد أن تعرف لي ما هذا." سألني: "ما هذا؟ ومن أين لكِ به؟" قلت: "انظر ما هو، وسأفهمك لاحقاً."
ذهب إلى رجل في الأعظمية، أخبره بأن: "فلانة بنت فلان صنعت سحراً لفلانة؛ الأول هو عقد لسان، والثاني هو سد قسمة (تعطيل زواج)." طلب منه الرجل مبلغاً كبيراً، فقال أخي: "ليس لدي، اتركه."
بعد ذلك، عدت طبيعية واستأنفت الدراسة. تزوجا. في ليلة الحناء، اتصلت أمها على هاتف أمي وقالت لها: "أعطيني ابنتكِ." فتحت الكاميرا مباشرة وقالت لي: "انظري كيف تبدو ابنتي جميلة! وانظري إليهما معاً كم هما جميلان!" قلت لها: "ما شاء الله، جميلان، الله يهنيهما ببعض."
جاء والد الشاب، وقال لها: "مع من فتحتِ الكاميرا؟" قالت: "هذه فلانة." قال لها بغضب: "لماذا أنتِ خبيثة؟ لماذا تفعلين هكذا؟ أنتِ وأنا نعلم أنه أخذها بالأسحار!" ثم انقطع الاتصال.
لقد قمت بتحويل الجزء الجديد إلى اللغة العربية الفصحى، ووسعت الأحداث لتصل إلى ما يقارب الـ 500 كلمة، مع المحافظة على كافة التفاصيل التي ذكرتها.