الفصل الثامن : الحكيمة
كانت ميس تسير ذهاباً وإياباً أمام الصخرة التي استلقى عليها هتان، تعقد ذراعيها على صدرها في توتر لم تستطع إخفاءه. خطواتها السريعة على الأرض المكسوّة بالحشائش كانت وحدها الصوت الحيّ في ذلك المكان، بينما ظلّ هو ثابتاً في موضعه، يتنفّس بثِقَل، بانتظار عودة برق.
مرّت دقائق طويلة عليهما، صامتة، حتى قطع هتان السكون بصوته الأجشّ:
"ما الذي تفعله امرأةٌ وحدها هنا… في وسط الغابة؟"
توقّفت عن السير، التفتت إليه، وأجابت بجدية
"لم أكن وحدي… جئت ممتطية حصاني، لكنه هرب ما إن شمّ رائحة الدم."
ثم نظرت بطرف عينها إلى الجثث الملقاة على الأرض، وكأنها لا تزال غير مصدّقة أنّ كل هذا حصل.
وانها ترى مجزرة امامها .
رفع هتان حاجبه قليلًا، لكنه لم يعلّق.
كانت ميس تهمّ بطرح سؤالها عنه—وعن طريق الدهام تحديداً—عندما ارتفع فجأة صدى حوافر اخترق الصمت، فشدّت قبضتها غريزياً.
خرج حصان أسود، يركض بثبات وقوة… كان برق.
ومعه حصان آخر يمتطيه فارس من رجال الدهام.
كان برق حصاناً عربيّاً في غاية الجمال:
بلونٍ أسود فحميّ داكن يلمع جلده تحت الضوء الخافت المتسرّب من بين الأشجار، فيبدو وكأنه كتلة من الليل تجري. بنية جسده رشيقة ومشدودة، عنقه مقوّس بفخامة، وظهره قويّ قصير.
شعره طويل، وذيله ينحدر بغزارة حتى يكاد يلامس الأرض، مما أعطاه هيبة ملكية نادرة.
شهقت ميس بدهشة…
فهي لم ترَ حصاناً بهذه الفخامة من قبل.
أوقف الفارس حصانه بحذر حين لمح ميس، وبدت عليه علامات الحيرة والشك.
كيف لا يستغرب؟
امرأةٌ وحيدةٌ في عمق الغابة… وبهذا الجمال!
غير أنّ شروده انقطع بصوت حادّ من خلفها:
"هنا!"
كان صوت هتان، بنبرة آمرة رغم ضعفه.
قفز الفارس عن حصانه بسرعة، وركض نحو سيده بانحناءة احترام:
" سيدي ! ما الذي حدث؟! هل أنت بخير؟"
أجابه هتان وهو يشير إلى الجثث:
"الوشيّة…"
أومأ الفارس بعلمٍ مسبق.
بينما ميس تجمّدت لثوانٍ، غير مستوعبة هذا الاسم.
التفتت إليه بعينين ممتلئتين بالأسئلة، فقال لها بصوته المتعب:
"الرجال الذين رأيتِهم قُتِلوا… ليسوا فرساناً حقيقيين.
إنهم الوشيّة… رجالٌ يتنكّرون بزيّ الفرسان، يزعمون أنهم يحرسون الحدود بين المرجان والدهام، ويسرقون أموال العابرين مقابل السماح لهم بالمرور.
وإذا هاجموا أحداً… تظاهروا بأن الدهام قتلت المرجان أو العكس."
نظر الفارس إلى ميس مرّة أخرى، بدهشة وسؤال ظاهر في عينيه:
من تكون هذه المرأة؟
لكن هتان قاطعه ببرود:
"إنها حكيمة… اكفف عن الأسئلة وساعدني على الوقوف."
تحرّك الفارس فوراً، وأسند هتان حتى تمكّن من الركوب.
قبل أن ينطلقوا، التفت هتان نحو ميس قائلاً:
"إلى أين تريدين الذهاب؟… لقد أسديتِ إليّ معروفاً، وأرغب في ردّه."
تفاجأت ميس بلطفه…
هي التي لم تعرف من الرجال سوى قسوة رجال المرجان.
"أريد الذهاب إلى بني الرقاع."
تبادل الفارس وهتان النظرات، وقال الأخير:
"بنو الرقاع… بعيدة."
ردّت بصرامة:
"أعلم. عليّ المرور أولاً بالدهام. وإلى أين تتجهون أنتما؟"
قال الفارس:
"إلى الدهام."
"إذن… أوصلاني."
وافق هتان، وهمّ بقيادة حصانه، لكن ميس رفعـت يدها :
"لا. لا ينبغي لك أن تمتطي الحصان الآن. اضغط على جرحك حتى نصل… أنت بحاجة للخياطة فوراً."
التفت إليها هتان ببرود:
"لا أحد يركب برق سواي… ولا أحد يمكنه ذلك."
واضطرّت ميس للقبول، فركب هتان برق، بينما ركبت هي خلف الفارس الآخر.
قبل أن يتحركوا، سألتهم ببراءة قاتلة:
"وماذا عن هؤلاء الرجال؟ ماذا ستفعلون بهم؟"
أدار هتان رأسه نحوها، وابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه:
"الأرض كريمة… ولندع حيوانات الغابة تتعشّى هذا المساء."
حدّقت به ميس بصدمة:
"يا لك من… بربريّ!"
اتسعت عينا الفارس بدهشة، بينما ضحك هتان ضحكة قصيرة من صدره…
_______
كان ناصر بن مرجان واقفًا في وسط الديوان، والتوتر ينهش صدره نهشًا، فيما وقف أمامه أبلج مع ثُلّةٍ من رجال القبيلة.
كان الجوُّ مكفهرًّا، كأنَّ الغضب نفسه يحوم في الهواء.
أبلج، وقد شعر منذ دخوله بأن شيئاً غير طبيعي يختبئ خلف عينيّ الشيخ، سأله بحدة مكبوتة:
"أين عروسي يا ابن ناصر؟ هنالك أمسية يجب أن تُقام."
حاول ناصر أن يبتلع ارتباكه، لكنه ماطل كثيرًا، وتلعثم أكثر…
ظلّ يراوغ، يغيّر الكلام، يبحث عن مخرج، لكن لم يعد بوسعه أن يخفي الحقيقة أكثر.
فلم يجد أمامه سوى أن يرفع رأسه، ويقول بصوت منخفضٍ يجرّ خلفه العار:
"ثريّا… هربت."
وقع الخبر على رجال القبيلة كالصاعقة.
شهقات، همسات، وجوه ذاهلة.
امرأة تهرب؟!
بل ابنة رئيس المرجان نفسه؟!
لم يشهد التاريخ حادثة كهذه في هذه القبيلة قط.
لكن الغضب لم يمهل أحدًا.
فأبلج، الذي اشتعلت النار في عينيه فور سماع الاسم، سحب سيفه في لحظة ورفعه على ناصر، وصاح بصوتٍ خرج من صدرٍ يموج بالعهود المكسورة:
"أين ذهبت؟! أجبني!"
ارتبك ناصر، وتراجع خطوة، وكاد يسقط لولا أنّ رجال القبيلة اندفعوا بسرعة، يطلبون من أبلج أن يخفض سيفه احترامًا لرئيس المرجان.
أخفض أبلج نصل السيف قليلًا، لكن ناره لم تنطفئ.
قال ناصر وهو يحاول تجميع أنفاسه:
"لا أعلم… لكنّي سأجد طريقها عجلاً أو آجلاً."
"وإن لم تجدها؟ كيف سأسترد حقي؟ كيف سأغسل شرفي؟!"
حاول ناصر تهدئته، وهو يعرف أن أبلج ليس بالرجل السهل؛ فقد اشتهر بطيشه وهيجانه واندفاعه.
"حقّك لن يذهب سدى…"
استدار قليلًا وأشار بيده إلى بناته الواقفات خلفه، ووسطهن الأم المنهارة بالبكاء:
"اختر من شئت منهنّ للزواج."
رفع أبلج حاجبيه، كأن الرجل أمامه قد فقد عقله.
ثم قال بتهكّم ممزوج بالغضب:
"منذ متى كان حق الشرف زواجًا؟"
شحب وجه ناصر، وضاق حلقه، ولم يستطع الردّ.
كان أبلج قد حسم أمره:
"أنت تعرف قوانين المرجان أكثر مني. الشرف لا يُمحى إلا بالدم. إمّا أن تعثر لي على ثريا… أو أقتل واحدة من بناتك فداءً."
شهقةٌ دامية خرجت من البنات.
وجوههن شاحبة، عيونهن تائهة بين الموت والأمل، وهُنّ يهززن رؤوسهنّ لوالدهن، يتوسلن بصمت ألا يسلّمهن للذبح.
لكن الضربة الكبرى…
كانت عندما قال ناصر، بلا تردد، بلا رحمة، وكأن قلبه حجرٌ وضع فوق حجر:
"سيكون لك حقك… سواء كانت الهاربة أو غيرها."
سقطت الأم على ركبتيها وهي تصرخ:
"ناصر! إنهن بناتك! إن أردت دمًا… فليكن دمي!"
مدّ يده ودفعها عنه بقسوة، فسقطت تحت قدميه، تبكي وتشهق وتسحب بثوبه الأرض علّها تمنعه… لكن لا حياة لمن تُنادي.
أما البنات فكن يبكين بحرقة، أصواتهن مخنوقة، وأجسادهن ترتجف كغزلان محاصرة.
ناصر يعرف الحياة… ويعرف القانون… ويعرف أن اسمه لن يتحمل فضيحة أخرى.
يكفيه ما فعلته تلك المتمرّدة.
وفجأة… قامت إحدى البنات من الأرض، وقد تجمّع الرعب في عينيها مع بقايا الشجاعة، وصرخت بصوتٍ ارتجف لكنه اخترق الصمت:
"ثريّا… ثريّا ذهبت إلى الدهام!"
جمدت الأنفاس.
توقف الزمن.
الدهام؟!
القبيلة المعادية؟!
كانت هذه الضربة التي لم يتوقعها أحد.
نظر ناصر إلى ابنته كأنها خانت نفسها بالكلمة.
أما الرجال… فظلّوا بين ذهول ورعب.
وهكذا… انفجر الجمر الذي كان تحت الرماد.
________
لم يكن الطريق طويلاً في الحقيقة، لكن ميس شعرت وكأنه يمتدّ بلا نهاية.
فالقلق يجعل المسافات تتضاعف، ووجود مريض ينزف يجعل اللحظة الواحدة ساعات.
أما هَتّان، الذي كان يحاول الصمود على ظهر برق، فقد بدأت قوته تنفد.
يده المرتخية كانت تُمسك باللجام بالكاد، وأصابعه تترنّح فوقه وكأنها لا تملك وزنها.
والدماء التي فقدها… لم تكن قليلة، ولا يمكن لجسدٍ بشري أن يحتمل هذا التدفّق طويلاً.
كانت ميس، من حين إلى آخر، تلقي نظرة حادة نحوه.
لاحظت أولى العلامات:
شحوبٌ حاد، تنفّس متقطّع، ارتخاء في الكتفين… ثم بدأت تلاحظ الأهم:
ضغطه في انخفاض.
جسده ينهار.
وعلى هذه الحال… سيُغمى عليه لا محالة.
صفعت كتف الفارس الذي تجلس خلفه، وهي تقول بلهجة مضغوطة تخفي فيها ذعرها بخبرة طبيبة:
"كم بقي على الدهام؟"
أجابها الفارس وهو يشدّ على لجام حصانه:
"لسنا بعيدين… سنبلغ أطرافها قريبًا."
لكن "قريبًا" لن ينقذ هَتّان.
فميس كانت تحسب في ذهنها المدة التي يستطيع وعيه أن يصمد فيها…
والنتيجة لم تكن مبشّرة.
خرجوا من الغابة ودخلوا في الطريق الصخري المؤدي إلى الدهام، والهواء صار أكثر انفتاحًا حولهم…
لكن ذلك لم يمنع ما كان لا بد أن يحدث.
وفجأة— كما توقّعته ميس—
مال هتان إلى الجانب وسقط من فوق برق سقوط جسدٍ فقد آخر خيط للوعي.
صرخت: "هَيّ!"
وقفز الفارس إلى الأرض، ولحقت به ميس بسرعة.
جثت قرب هتان، مدت أصابعها تتحسس نبضه…
لكن النبض كان ضعيفًا، يتقهقر، كأنه يبتعد عنها أكثر فأكثر.
نظرت إلى الغطاء الذي ربطته على جرحه، فوجدته غارقًا بدمٍ طازج، يزداد تسربًا مع كل لحظة.
رفعت رأسها، نظرت حولها بعينين تملأهما الحيرة والتوتر، ثم سألت الفارس:
"ألا يوجد منزل قريب؟ أحد يمكن أن نطلب منه النجدة؟"
تردّد الرجل لحظة، يفتش في ذاكرته، ثم قال فجأة:
"بيت الحطّاب… نعم، هناك منزل! ليس بعيدًا من هنا."
تنفست ميس بشيء من الارتياح، ثم طلبت بسرعة:
"ساعدني لنرفعه… يجب أن نضعه على الحصان فورًا."
لكن الفارس تسمر في مكانه، التوتر ظاهر في عينيه، وقال:
"ومَن سيركب برق؟"
ردّت ميس بثقة لم تكن تشعر بها:
"أنا سأركبه."
لكنها ما إن اقتربت من برق… حتى حدث ما توقّعته تمامًا.
رفع الحصان رأسه بقوة، ضرب الأرض بحافره، تراجع خطوةً للوراء، ثم صهل صهيلًا حادًا رافضًا وجودها.
كان يلتف حول نفسه، يضرب ذيله بعصبية، عيناه تلمعان بضيقٍ واضح.
أدركت ميس أنها لا تملك ترف الوقت كي تُقنعه.
نظرت إلى هَتّان الملقى على الأرض، وأنفاسه تتباطأ…
وفي داخلها صعدت تلك الطبيبة التي لم تخسر مريضًا من قبل.
وبغضبٍ مكبوت، أمسكت لجام الحصان فجأة وسحبته نحوها بقوةٍ فاجأت الحصان كما فاجأت الفارس.
اقتربت من وجهه، حدّقت مباشرة في عينيه، وقالت بصوتٍ منخفض لكنه حاد:
"أعلم أنني مجنونة… ولم أتخيّل يومًا أنني سأحدّث حيوانًا."
"لكن صاحبك قال ان الحصان يعرف فارسه لذا يجب أن تعرف انه يحتاج إليك الان … ويحتاجني أنا أيضًا."
كان برق يرمش بعصبية، يرفع رأسه، يختبرها.
لكن ميس لم تتراجع.
وفجأة، ومن دون أي مقدمات
شدّت نفسها بقوة وقفزت تحاول ركوبه.
الحصان اهتز، حاول أن يرفع جسده ليوقعها، تحرك إلى الجانبين…
والفارس صرخ محذرًا:
"احذري! سيطرحك!"
لكنها لم تسمع.
تمسكت باللجام بقوة، ضغطت برجليها، ودست أصابعها في شعر عنقه، ثم رفعت جسدها مرة أخرى…
حتى وجدت نفسها تستقر فوقه رغم كل مقاومته.
لفّت ذراعيها حول رقبته كي لا يسقطها، وقالت وهي تلهث:
"أسرع! ارفعه… ليجلس خلفي!"
فهم الفارس، وانحنى بسرعة نحو هتان، حمله بصعوبة، ثم رفع جسده الثقيل ووضعه خلف ميس، يسانده بيده حتى يستقر.
ومع آخر دفعة…
ارتفعت ميس فوق برق، خلفها الجسد المثقل بالنزيف، وأمامها الطريق إلى بيت الحطّاب.
_______
وصل الفارس أخيرًا إلى كوخ الحطّاب بعد مسيرٍ ثقيل عبر الطريق الصخري وكان يحمل على ظهره هتّان الجريح، فيما كانت ميس تقف إلى جانبه، يعلوها القلق والتوتر. تقدّم الفارس نحو الباب الخشبي المهترئ، ورفع قبضته يدقّ بقوّة:
دقّة…
ثم دقّة أخرى…
ولا أحد يجيب.
التفت إلى ميس قائلاً بنبرة مقتضبة:
" الحطّاب غير موجود."
لم يكن أمامهما سوى حلّ واحد.
قال الفارس: "سنكسر الباب."
انحنى وأنزل هتّان عن ظهره، وبمجرّد أن لامست قدماه الأرض اندفعت ميس تحاول مساعدته في رفعه، لكنّها ما إن حاولت أن تحمل شيئًا من وزنه حتى تراجعت قليلًا، فقد كانت بنيته ضخمة وقوية جدًّا، بينما الجسد الذي وجدت نفسها فيه صغير، واهن، وأنحل بكثير من جسدها الحقيقي.
ضغطت على أسنانها غيظًا من هذا العجز الذي لم تعتد على الشعور به، ثم استعانت بما بقي لديها من قوة.
رفع الفارس قدمه وضرب الباب:
ضربة…
ضربة ثانية…
ضربة ثالثة…
وانفتح الباب أخيرًا بصوت ارتطام خفيف.
كان الكوخ شديد البساطة، يليق بحطّاب يعيش وحيدًا في أطراف الدهام
غرفة صغيرة بأرضية ترابية، تتناثر عليها بقايا خشب وألياف حبال.
جدار من ألواح خشبيّة باهتة، يتخللها الهواء البارد.
رفّ مائل فوقه بعض الأعشاب اليابسة وسكّين قديم، ووعاء طيني صغير.
وفي الزاوية يوجد سرير خشبي خشن، فوقه جلد غنم مفروش كيفما اتّفق.
لم يكن المكان مجهّزًا لشيء سوى البقاء على قيد الحياة.
بسرعة حمل الفارس هتّان ووضعه على السرير الخشبي، بينما كانت ميس قد بدأت تتلفّت حولها، تبحث بعينين متوترتين عن أي شيء يمكن أن يساعدها في إنقاذه.
بدأت تفحص المكان بعجلة:
رفّ الأعشاب… لا ينفع.
السكّين… صدئة، لكنها أفضل من لا شيء.
قطعة قماش … ربما تصلح لربط الجرح.
إناء طيني… قد تحتاج الماء.
موقد مطفأ… لا وقت لإشعاله الآن.
كانت تتحرّك بسرعة، تفتح الأوعية وتنظر تحت الطاولة الوحيدة وتتفحّص الأرفف، ترفع الأشياء ثم تلقيها، ثم تعود إلى السرير تتأكد من حال هتّان.
راقبها الفارس، وعلى وجهه مزيج من الشك والقلق، ثم استدار إليها عندما رآها تقترب من هتّان وتزيل الغطاء عنه.
سألها بامتعاض لا يخلو من الريبة:
"ما الذي ستفعلينه؟"
رفعت رأسها إليه بنظرة ضيق وقالت:
"ماذا تظنّ؟ سأقوم بخياطة الجرح، طبعًا."
تردّد الفارس، ثم قال:
"سيدي أخبرني بأنّك حكيمة… لكن أأنتِ متأكّدة؟ فبحسب علمي… الحكماء رجال، وكبار في السن. لم أسمع يومًا بامرأة حكيمة."
استدارت إليه ميس، وحدّقت فيه نظرة حادّة جعلت شعر جسده يقف، وملامح وجهها تحوّلت في لحظة إلى حدّة لاذعة لا يعرف كيف يواجهها.
قالت بنبرة غاضبة قاطعة:
"ها قد سمعت الآن.
وانا حتى الان لا أفهم في هذا الزمن لماذا تُعامَل المرأة وكأنّها أقلّ قدرة، ولماذا يشكّ الرجال في أنّها تستطيع أن تفعل شيئًا! ولعلمك فقط… سيأتي زمنٌ تستطيع فيه المرأة أن تقوم بكلّ شيء. نعم… كلّ شيء! حتى الصعود إلى الفضاء، وتصليح السيارات."
رمش الفارس، وهو يحدّق فيها بعدم فهم.
لم يفهم كلمة سيارات.
ولا يعرف ما معنى أن “يصعد أحد إلى الفضاء”… بل إنه لا يستطيع أن يصدّق حتى إمكانية الوصول إلى السماء.
بقي واقفًا مكانه، عاجزًا عن مجاراة كلامها
عادت ميس تنظر إلى هتّان، وبدأت تقوم بحركات غريبة بالنسبة للفارس. ضغطت على صدره بيديها مرات متتالية، وبدا كأنها تضخّ الهواء في صدره بطريقة لم يسبق له أن شاهد مثلها.
كانت تؤدّي إسعافات أولية – CPR، لكن الفارس رأى الأمر كطقس سحري أو حركة لا معنى لها.
قال بارتباك:
"ماذا تفعلين الآن؟"
دون أن تلتفت إليه، قالت بسرعة وهي تواصل ضغطها:
"إن كنت تريد إنقاذ سيّدك… فاذهب فورًا واملأ ذلك الإناء بالماء."
وأشارت برأسها إلى الدلو الخشبي الموضوع خلف الباب مباشرة.
انتفض الفارس إلى الخلف لحظة، ثم أسرع نحو الدلو دون أن يجرؤ على طرح سؤال آخر.
كان واضحًا أنه خائف… ليس فقط على سيده، بل أيضًا من هذه المرأة الغريبة التي تتحدّى زمنه… وتفعل أمورًا لم يرَ مثلها في حياته.