الفصل 2
مع فرار الشمس لمغيب..ورحيلها ليوم مضى ..ومزق من تقويم الأيام..وطوته صفحات التاريخ ولم يسجل به شيء يذكر..اجتمعت العائلة على المباراة بين فريق النصر والاتحاد
تمدد بندر على الأرض بعدما حضن المخدة إلى صدره بقوة وصار يتابع بشغف..وفارس جالس ومتكئ على الجدار ومتقلب بجلسته من شدة الحماس..وعمر ألأصغرهم سنا تفرش الأرض بكامل جسمه..
ام شروق وروعة وغروب تجمعن بزاوية الصالة ..وأصوات ضحكاتهم قطعت عليهم استرسالهم بالمتابعة ,,
"قسم بالله لو ما سكتن لا مسح فيكم الأرض".. صاح فيهم بندر بغيض
ام بندر المنشغلة بسماع نور على الدرب من إذاعة القران الكريم.."بسم الله الرحمن الرحيم اترك أخواتك يلعبن.."
فارس بضيق وعينيه تصارع الكوره.."يا خالتي والله أزعجنا خليهن يذلفن بالحوش ولا بالسطح او اي مكان.."
شروق بتحدي وعناد.." احنا حرات وين مانلعب نلعب وبدا صوتها يعلى .."الفلاح بالحقول يزرع قمح ثم يقول "
بندر.."يوووووه يمه شوفي صرفة لبناتك.."
ام بندر بضيق بعدما أقفلت الراديو.."اقول بسرعة قفلوا المباراة وعلى دروسكم انت ناسين إنكم ثانوية عامة.."
قفز عمر أخير من سكوته ومن دنيته الي صنعها بنفسه.."طيب انا مالي دخل فيهم ابي اتابع المباراة.."
قامت من جلستها وتمسكت بقوة بالجدار بعدما اهلكتها قدميها من الالم والوجع..وقبلها أهلكتها جور الايام وقسوة تلك القلوب الغافلة..وتكلمت بتعب.."انا داخله اسوي العشاء لو اسمع كلمة وحد ما يصير لكم خير"..وبتهديد.." سامعين.."
أنغاظ بندر من كلمات امه..وتمدد فارس بانسجام..وعمر عاد لصمته ودنيته.
" يا فاطمة يا فاطمة ما تأكلي"
قفز بندر بعدما صوتهن أزعج مسامعه ومسك شروق بيد وغروب بيد وشدهن بقوة..وصرخ محذرا.."تأكلن تبـــــــن سامعات اسمع كلمه زيادة هالمره ما راح أرحمكن.."
علق فارس وهو مشدود النظر بالمباراة.."ايه من الفلاح لـــــ ما تأكلي لو قلتن ما تزرعوا أزين لكم.."
روعة بتحدي.." والله لا علم عليك أمي " وبسرعة هربت دخلت المطبخ وبذكائها قدرت تقلب رأس أمهم عليهم
طلعت ام بندر من المطبخ..وأثار العجين لازال محتل بن أصابعها وصرخت بغضب
"بندر فك أخواتك حسبي الله عليك من ولد"
نزع يده من شعر أخواته ورد بضيق.." ما خرب بناتك غير الدلع"
تركته بدون ان ترد عليه واتجهت لتلفاز ونزعت سلك الاريل.." وردت بعدما استعادت نفسها.."وانتم ما خربكم غير هالتلفيزون"..وبحده أمره.." يللا على دروسكم ولا أشوف احد هنا.."
ضحكن الزهرات بانتصار تعلونهن ابتسامة شروق بشماتة..
أما بندر وفارس اخذوا شنطهم ونثروا كتبهم أمامهم..وعقلهم كان يحوم حول المباراة
و عمر بقى جالس بالصالة ويزفر بضيق ويتمتم بكلمات مفهومة بقاموس الشتم
بندر يتظاهر بالقراءة والتركيز وبهمس .." مين تتوقع يفوز النصر ولا الاتحاد"
فارس بعينين مشدود بالكتاب .."والله مافائز علينا غير الروعة ملت راس خالتي وكملن الفلاح ..وتأكلن تبــن يا فاطمة.."
بندر.."وش أسوى هذي أختك مصيبة بذاتها ولو أنها أختي كان كسرت رأسها"
فارس.."وهذا أنت كاسر رأس اخوتك وكل يوم لهن راس جديدا"
"
"
وبعد ساعة قضوها بالسرحان والشرود إلى أماني مبعثرة وأحلام محطمة
نادت ألام بعاطفتها الرحيمة.. وبقلبها الجياش..نادت بنداء الفطرة لأغلى
حب واقدس قلب نادت " يلا العشاء جاهز"
رمموا كتبهم..والتفوا حول السفرة
ام بندر ." هاااا عساكم حفظتوا لكم كم كلمة"
فارس.." افا ياخاله ماهو كم كلمة قولي كم كتاب "
بندر همس بأذنه وتظاهر بالانشغال بالأكل .."من جنبها"
تجمعوا حول السفرة بحلقه مكتملة ..بحلقه تعمها المحبة والإخاء..وتبث عبيرا يملى النفوس راحة واستقرار..وبهدوء المكان انبعث صوته قاطع لجواء السكينة والطمانيه
عمر.." يمه ابوي يحضر عرس سالم"
تغير وجها وشدة من ملامحها..ثم استرخت بصعوبة تاركه خلفها جبل من الهموم والغموم.." أنا وش دراني"
وانشغل الجميع بالأكل غير إن كلمة غروب صاحبة الثمانية سنين أفزعتهم .."يا رب عساه ما يحضر كل ما يجي حارتنا غير يفضحنا.."
في داخل تلك الغرفة المتهالكة..وعلى ذاك الفراش البالي.. تقلب على الفراش بمحاولة يائسة لهروب من.. الحب من الفقر ..الذل..من أشياء يراها أمامه كل يوم
وبنيران داخله تأكله وتتركه هشيما محطما وبسهام تخترق قلبه وتمزقه وتخره صريعا..تذكر كلماتها..وصوتها ..وحركاتها.." ليان قولي لناصر خليه يدخل مشتاقين له حيل.."
هزت رأسها الطفلة ذات الثمانية سنين وكأنها تنفذا مايقال لها
لفت جنان وبنظرات لازال يجهلها.." عن أذنك فارس أنا ماني فاضيه لك"
تنهد بضيق وتقلب على الفراش لمرة العاشرة متوسل لنوم ان يرحمه وان يسعفه باحلام طالما تمناها واقع يتعايش
حس بكثرة تقلباته وهمس بشك.."فارس نائم"
تنهد وغطى رأسه بالغطاء .."لا ليش"
بندر .." أكيد تفكر بجنان "
سكت فارس ولا رد عليه وربما لم يلقى جوابا يسعفه..الا زفره اتعبته وهي محبوسة بداخله
تنهد بندر بحزن .."حاول تنساها"
سكت فارس برهه ثم تكلم بيأس.. "صعب والله صعب حاولت اكثر من مره بس ما قدرت وكل يوم اقطع مشوار لأخر الحارة واجلس تحت الشمس بس عشان أشوفها وهي راجعه من المدرسة.."
بندر.." بس مستحيل البنت تكون من نصيبك ولا تنسى عيال الشاعر ناصر ونادر وعامر حتى سامر الي بسن عمر راح يوقفوا لك بالمرصاد.."
قفز من نومه وتكلم بغيض ملى صدره ومنعه أن يتنفس.." الله يأخذهم ما في مصيبة إلا وهم فيها"
بندر بواقعيه.." لا تزعل ..حتى لو ما يحبون جنان يأخذوها نكد علينا"
صرخ فارس بضيق ورمي الغطاء جانبا.."اصلا وش يربطهم فيها غير هالفلوس "
بندر .." بس في هالزمن الفلوس هي تربط وهي إلي تبعد والدم ما صار له أهمية "
فارس بتحدي وبشموخ.." مايهمني هذا الكلام انا الحين عمري 17 وإذا خلصت الثانوية بقدم على الجيش وبتوظف وبعدها بتزوج جنان واشوف احد يقدر يمنعني عنها.."
بندر بابتسامة تمردت على ملامح وجهه من حال فارس.."والبنت وش مخطط لها"
فارس يبني أمانيه أمامه ويخط مستقبله وزفر معاندا لكل شيء يواجهه وربما كان شامخ رغم الانكسار.."هي الحين عمرها 13وبعد ثلاث سنين بيكون عمرها 16 واظن كذا عمرها مناسب لي ولها.."
بندر بقسوة ومحطم كل الي بناه فارس.."وانت مخطط وضامن انا البنت بتوافق عليك تراها عرقها وعرق عيال الشاعر واحد"
صرخ بغيض وأشياء كثيرة تحطمت بالقاع وأصدرت إيقاعات حزينة ويائسة غطى رأسه ورمى نفسه على الفراش هاربا من الواقع وهمس متوعدا .." اشوف احد يفكر بجنان صدقني وقتها المــــــــوت ارحــــــــم له..والأيام بينا.."
بالبيت الأخر المقابل لبيت ام بندر كان أفضل حالا بالنسبة لغيره من البيوت المصطفة حوله
طالعت بشكلها على المرايا..وزاد بكاء ..وارتفع نحيبها.. والتفت لامها برجاء حار
"انا كم مره قلت لك ما أبيك تسوي لي ظفريتين"
ام سالم.." اقول احمدي ربك اني لميت كشتك"
بسمه.." بس انا ما حب الظفريتين وكمان بنات عمي يضحكوا علي لا شافون شعري كذا"
ام سالم.." بلا دلع وبسرعة هاتي المكنسة ونظفي الاحواش العصر بيجونا حريم"
بسمه.." لا انت قلتي لي راح اخليك تلعبي مع بنات عمك"
ام سالم.." ياسلام وهن بنات عمك ليش مايلعبن عندك..غير انت كل يوم تروحي لهن"
بسمه ببراءه.."أمهم ما تخليهم تقول عيب البيت كله عيال"
ام سالم.." اذا هي تخاف على بناتها من عيالي حتى أنا أخاف عليك من عيالها..
ولو اشوفك واصله بيتهم لكسر رجولك"
دخل سيف ويوسف وقطعوا كلام أمهم ..ورموا نفسهم على الأرض بتعب وكسل
سيف بوهن بعدما مد رجليه أمامه ينزع الحبال من جزمته الرياضية.." بسمه هاتي لي مويا"
صرخ يوسف وهو ينزع الكاب.." اول طلعي لي ملابسي ابي اتسبح"
سيف.."ياسلام شايفني رسلتها قبلك "
يوسف مسفه سيف وبحدة غاضبه.." ولا كلمه وبسرعة يابسمه طلعي ملابسي"
قفز سيف متحديا.." اشوفك تتحركي"
قام يوسف ونزع يدها بقوة.."قلت لك يللا طلعي ملابسي"
سيف نزع يدها من يده غير مبالي بروح تلك الطفله البرئية وشدها بقوة.. "وقلت لك جيبي لي مويا" واشر على المطبخ بتهديد
وضاعت بسمه بين إخوانها وبين حياتها؟؟؟..فهل ياترى تكون حياتها القادمه اسعد من كذا
***
وقف بسيارته الفارهة..وتجمع أطفال الحارة حولها وكأنه مكوك قادم من الفضاء
نزل من سيارته ودخل البقالة الوحيدة بالحاره بعدما رمى بنظراته المتعاليه شبان الحاره
"اف هذا وش جابه"..قالها بندر الجالس على رصيف الحارة
يوسف.." شوف ابو العز كل يوم جاي هو واخوانه بسياره جديده "
سيف.." ياعمري بس لو يعطيني دوره الف فيها الحاره وارجع"
فارس وطيف جنان محتل ذاكرته..تمنى انه عنده سياره مثلها او يملك قصر مثل قصرهم او روح متعالية كأرواحهم ..تنفس بحسرة وقام من مكانه بدون ما يشعر الآخرين به
خرج ناصر من البقاله وأدار عينيه على الشباب الملتفين حول بعض وخرج منه صوت استخفاف واستحقار ..اخرج سيجارته وأشعلها ثم نثر الدخان بوجههم
وتكلم بأنفه."هي أنت ياولد حمود خذ كيس الارز والسكر من السيارة"
قفز عمر وتبع قفزته قفزة بندر وبغضب لون وجهه وشد من عظلاته .." عسى بس تعطينا رزق على الخدمة"
ناصر.." لأسف بس يمكن اقطع عنكم الرزق"
بندر.." تخسى ياولد الكلب"
تقدم ناصر وشده من مقدمة ثوبه.."انا ولد الكلب ياولد حمود"
دفعه بندر بكل ماوتي من قوة وارتطم على الارض بذل مهان
بندر بعدما استعاد نفسه.." الكلب الي ساكت لك "
وانكب عليه بالضرب والركل والصفع..حاول ناصر ان ينفلت من يديه ولكن قسوة قلب بندر لم ترحمه..تجمع شبان الحاره..بين متفرج ومفزع
واخيرا تسلل من يديه وركب السياره وهو يتنفس بصعوبة وقبل مايدخل راسه .." راح تندم ياولد مريم..وتشوف ناصر ايش يسوي.. وقطرات الدم لاتزال تقطر من فمه وتختلط بكلماته..