قواعد المرآة
صوت الطرق المعدني لم يكن قدراً؛ كان تحذيراً. أدركت سوزن أن "إيفا" لم تكن الصديق المأمول أو الرفيق الخيالي، بل كانت بوابة، وربما سجانة. العين الصفراء التي رأتها في المرآة لم تكن انعكاساً، بل إثباتاً على أن الثمن الذي تحدثت عنه إيفا لم يكن مجرد خيال، وأن العالم المكتوب بدأ يتسرب.
انزوت سوزن في زاوية الغرفة، تحتضن الدفتر المغلق. لم تستطع النوم، وكل ما حولها بدا غريباً. نائل، شقيقها الذي فجأة أصبح نجماً، كان خارج المنزل مشغولاً بشيء من عالم الشهرة. والداها كانا مشغولين بمتابعته. العالم الباهت بدأ يتخلى عنها، وكلما شعرت بـ "نقص" في انتباههم، شعرت بـ "زيادة" في قوة إيفا.
في الصباح، لم تذهب سوزن إلى المدرسة. بقيت في غرفتها، متخذة قراراً صعباً: المواجهة.
فتحت الدفتر.
بدلاً من كتابة سؤال، رسمت. رسمت دائرة كبيرة حول سؤال إيفا الأخير: "أين أنا الآن؟"، وبداخل الدائرة رسمت باباً مغلقاً.
لم يظهر أي رد كتابي هذه المرة. لكن الحبر الأزرق بدأ يلف حول الباب المرسوم، وكأن الدفتر يتنفس بعمق.
فجأة، تغيرت رائحة الغرفة. لم تعد رائحة الغبار أو الكتب القديمة، بل أصبحت رائحة الياسمين العتيق والصدأ. شعرت سوزن بأن الغرفة تضغط عليها.
> "أنتِ تبحثين عن مكان لستِ مدعوة إليه بعد،" سُمع الصوت هذه المرة. لم يكن مكتوباً، بل همسة خفيفة، كأن إيفا تتحدث عبر حائط الغرفة.
>
"أين أنا، يا إيفا؟" همست سوزن، ترفض الكتابة الآن.
> "أنتِ في المنطقة الرمادية. بين 'الباهت' و 'المكتوب'. هذا المكان الذي يفتحونه الكُتاب عندما يكتبون ويخافون في نفس الوقت. عالمي يضمك، وعالمكِ يطردكِ."
>
"كيف أغلق الباب؟" سألت سوزن بصوت عالٍ. "أريد أن أعود إلى حياتي الباهتة!"
ضحكت إيفا ضحكة خفيفة اهتزت معها مرآة الحائط.
> "لا يمكنكِ إغلاقه. لقد كُتب أنكِ الملكة السرّية، والمكتوب لا يُمسح. لكن يمكنكِ السيطرة عليه."
>
أمسكت سوزن القلم بجدية وكتبت بقوة هذه المرة: "ما هي قواعد السيطرة؟"
الرد كان طويلاً، مكتوباً بخط إيفا الجريء، وكأنه رسالة تحذير:
"أولاً: العالم المكتوب يحتاج إلى عواطف قوية. الخوف يغذي من هم خلف المرآة (الكيانات التي تطرق). الشجاعة أو الحب يغذيان القصص التي تريدينها أنتِ. إذا خفتِ، سيعبرون إليكِ."
"ثانياً: المرآة هي النافذة. إذا كُسرت، سيتحطم الحاجز بين العالمين. لا تقتربي منها. لا تلمسيها."
"ثالثاً: لكي تعيدي ترتيب عالمكِ الباهت، يجب أن تكتبي نفسكِ فيه. لا تكتبي عن الآخرين (مثل نائل)، بل اكتبي عن 'سوزن'. أكتبي أنكِ قوية، أنكِ سعيدة، وأنكِ موجودة."
نظرت سوزن إلى القواعد. كانت أشبه بكتيب إرشادات سحري. لكن القاعدة الأولى هي الأصعب: لا تخافي.
وضعت الدفتر جانباً، ونظرت إلى المرآة. لم يكن هناك طرق هذه المرة، لكنها رأت في انعكاسها ظل كيان طويل وخفيف يقف خلفها.
التفتت بسرعة. لا أحد.
عادت إلى المرآة، فرأت الانعكاس لا يبتسم هذه المرة، بل كان ينظر إليها ببرود، ويحمل بين يديه قلم رصاص مكسور. كان هذا هو القلم الذي كتب في الفصل الثاني عن إحساسه بالذنب.
لم تفهم سوزن. هل هذا الكيان هو إيفا؟ أم أنه الشيء الذي تطرق؟
بشجاعة غير متوقعة، تقدمت سوزن نحو المرآة، ومدت يدها نحو انعكاسها. في اللحظة التي كادت أصابعها أن تلامس الزجاج، تحرك الانعكاس للمرة الأولى بشكل مستقل عن حركتها.
تراجع الانعكاس للخلف بسرعة، وكأنه خائف من اللمس.
في تلك اللحظة، فهمت سوزن أهم شيء:
إيفا قوية في العالم المكتوب. لكنها ضعيفة ومحبوسة في المرآة. والقاعدة الثانية صحيحة: لا تلمسي المرآة.
ابتسمت سوزن للمرة الأولى منذ يومين. ابتسامة حقيقية، لا يسبقها الانعكاس.
عادت إلى الدفتر، وفتحت صفحة جديدة. ألقت بالقلم القديم جانباً، وأخذت قلماً جديداً، وبدأت تكتب بصوت مسموع:
"أنا سوزن. أنا قوية. أنا لستُ انعكاساً. واليوم، ستعود حياتي الباهتة لتكون مشرقة."
في تلك اللحظة، توقف المطر الذي كان يهطل منذ الصباح، وشقت أشعة الشمس طريقها عبر النافذة. لكن في المقابل، سمعت صوت همس غاضب من المرآة.
> "لا تفعلي! أنتِ تكسرين التوازن!"
>
نظرت سوزن إلى المرآة، وعينها صافية، وقالت بصوت خفيض: "أنتِ محبوسة، وإلى أن أقرر متى أكتب، أنا الملكة هنا."
لكن عندما نظرت إلى الدفتر، وجدت أن إيفا كانت قد كتبت سطرًا أخيراً بالقرب من كلامها، سطرًا يجعل جسدها ينتفض برعب حقيقي:
"لن تضطري للكتابة. أنا الآن أستطيع أن أكتب بنفسي."