أنتِ الملكة السرّية - صوت الحبر الأزرق - بقلم لولي | روايتك

اسم الرواية: أنتِ الملكة السرّية
المؤلف / الكاتب: لولي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: صوت الحبر الأزرق

صوت الحبر الأزرق

جلست سوزن على الأرض، تبتعد مسافة ذراعين عن مكتبها، وعيناها مثبتتان على الدفتر المفتوح. الكلمات الأخيرة— "أنا أنتِ... لكن في مكان آخر"— كانت تلمع في ضوء مصباح مكتبها الباهت. شعرت وكأن الرعب يجمّد أطرافها. لم يكن هذا مجرد خيال أو لعبة؛ كان كياناً حقيقياً يستخدم حبرها للتنفس. تراجعت خطوة أخرى وهي تتذكر الغرفة ذات رائحة الحبر التي استيقظت فيها بالأمس. تدركت أن هذا الكيان ليس مجرد ظل؛ إنه جزء مفقود، أو ربما هو منبع القوة الذي لم تفهمه أبداً. بعد دقيقة من الصمت الثقيل، غلب الفضول الخوف. لا يمكنها أن تهرب؛ فالهروب يعني التوقف عن الكتابة، والكيان قد كتب بالفعل: "الدفتر لم يتوقف". هذا يعني أن التوقف قد لا يعيد الأمور إلى طبيعتها، بل قد يترك العالم المكتوب مفتوحاً بلا سيطرة. بيد مرتجفة، عادت إلى المكتب، وأمسكت قلم الرصاص. كانت إرادة الفضول والمعرفة أقوى من أي شيء آخر. كتبت سؤالها على منتصف الصفحة، ببطء وتركيز: "ماذا تريدين مني؟" لم يكن هناك وقت انتظار. بينما كان الحبر الأسود يجف، ظهر ردٌ تحته فوراً، بخط يد سوزن نفسها، ولكنه كان جريئاً ومائلاً، كأن الكلمات تُكتب بعجلة أو بغضب خفي: "أن نتذكر. هذا العالم باهت جداً، يا سوزن. لقد نُسيت القصة، والنسيان هو الموت الحقيقي. يجب أن نعيده." "نعيده؟" همست. كتبت مرة أخرى: "من أنتِ؟ أعطني اسماً." الرد هذه المرة كان أطول، وكأن الكيان بدأ يستمتع بهذا الحوار المباشر: "سمّيني 'إيفا'. أنا الانعكاس، أو الظل. أنا النسخة التي امتلكت الشجاعة لتعيش القصص التي تكتبينها الآن في هذا العالم الباهت. أنتِ مجرد مرآة مكسورة لي، ومرآتكِ هي البوابة." شعرت سوزن بدوار خفيف. "إيفا... انعكاس؟" "ما هو العالم الذي تحاولين إعادته؟" كتبت سوزن، متجاهلة الشعور بالدوار. ردّت إيفا، وبدأت الكلمات تحمل نبرة من الشوق القديم: "إنه عالم 'أسرار الملكة'. عالمكِ الحقيقي. لقد كنتِ ملكته. لكنكِ نُسيتِ، ومعكِ نُسيت قواعده. الدفتر ليس أداة للخلق يا سوزن، بل أداة للاسترجاع. كل ما تكتبينه الآن هو استعادة لقصص كانت موجودة بالفعل هناك." جرت سوزن إلى مرآة غرفة نومها. نظرت إلى انعكاسها. كان يبدو طبيعياً تماماً، لكنها شعرت بأنها ليست هي. لم تعد تشعر بالثقل المادي. شعرت بأنها... شفافة. عادت إلى الدفتر وكتبت السؤال الأهم، وهو يرتجف في قلبها قبل يدها: "ما ثمن هذه الاستعادة؟" الرد من إيفا جاء هادئاً، لكنه كان كصوت حكم إعدام: "لإعادة عالم، تحتاجين إلى المادة الخام. المادة الخام هي 'الأنا'. كلما استعدتِ قصة، تتناقص 'حياتكِ' هنا. أنتِ القناة التي تمتص الطاقة من هذا العالم الباهت لتبثها في العالم المكتوب. ستصبحين أقوى هناك، لكنكِ ستتلاشين هنا." شحب وجه سوزن. التلاشي. هذا هو الثمن. لم يكن مجرد خيال، بل كان استنزافاً حقيقياً لوجودها. نهضت مسرعة، تفتح النافذة لتتنفس الهواء البارد، لكن النافذة فتحت بصعوبة كأنها تثقلت فجأة. عادت إلى الدفتر وهي تستشعر البرودة في عظامها. كتبت سوزن بإلحاح: "أين أنا الآن؟ أنا لا أفهم. هل أنا نائمة؟" الرد كان محذراً ومخيفاً: "أنتِ بين عالمين، وهذا المكان خطير. لا تنامي. لا تتوقفي عن الكتابة حتى نفهم. تذكري يا سوزن: الباب يغلق عندما تتوقفين عن الكتابة." وبمجرد انتهاء الجملة، تحول لون الحبر في سطر إيفا الأخير إلى لون أحمر سائل لثانية واحدة، ثم عاد إلى الأزرق الغامق. في تلك اللحظة، سمعت سوزن صوتاً. صوت طرق خفيف جداً، ولكنه منتظم ومعدني، يأتي من غرفة النوم. لم يكن الصوت من الباب، ولا من النافذة. بل كان يأتي تحديداً من خلف مرآة الحائط التي كانت قد نظرت فيها قبل قليل. تراجعت سوزن، قلبها يضرب بعنف في أذنيها. أدركت أن إيفا لم تكن تحاول فقط إعادتها إلى الماضي، بل كانت هناك أشياء أخرى، كائنات أخرى، تحاول العبور من العالم المكتوب إلى عالمها الباهت. والآن، كانت تلك الكائنات تطرق الباب الحديدي للانعكاس. أغلقت سوزن الدفتر بسرعة فائقة، ثم نظرت إلى المرآة. لم يعد الطرق يسمع. لكن في منتصف الانعكاس، وبسرعة خاطفة قبل أن يختفي، رأت سوزن عينًا صفراء تحدق بها من خلف الزجاج.