الفصل 1
---
**📕 الجزء الثالث... الفصل الأول
🩸 “قُــبّـــة الــسّــيــطــرة”**
كانت رائحة الحديد والدم تملأ صدر "أن" قبل أن تفتح عينيها. الجدران حولها رمادية، باردة، تلمع عليها بقع سوداء لشيءٍ يشبه العفن… أو الحريق… أو اللحم المحترق.
كانت مربوطة إلى كرسيّ معدنيّ، ذراعاها مشدودتان خلف ظهرها بسلاسل غليظة جعلت مفاصلها تؤلمها كأنها تنفصل عن جسدها.
رفعت رأسها بصعوبة، وفجأة سمعت خطوات… خطواتٍ خفيفة، لكنها حادّة كأن الأرض نفسها تخاف من صاحبها.
ثم ظهرت بشرى.
كانت ترتدي معطفًا أسود طويلًا، عيناها باردتان مثل زجاجٍ مظلم، وابتسامة صغيرة تلوّث وجهها كأنها لا تعبّر عن سعادة… بل عن حكمٍ مؤجل بالإعدام.
قالت بشرى وهي تقترب: – "استيقظتِ باكرًا… جيد. هذا يعني أن دمك بدأ يستجيب."
حاولت “أن” أن تحرّك يديها… لكن السلاسل صلّبت من حولها وكأنها تُحكم قبضتها كلما قاومت.
– "لماذا… أنا هنا؟"
خرج صوتها متقطعًا، مرهقًا، لكنه حاد كالسهم.
ابتسمت بشرى، ورفعت إصبعها لتلمس جبين “أن” بخفة، وكأنها تقيس حرارة ضحية قبل ذبحها.
– "لأنكِ… الرقم 00.
أصل العصابة.
مفتاح الفوضى."
ثم اقتربت أكثر، حتى شعرت “أن” بأنفاسها الباردة على خدها.
– "و… لأنكِ ستقودين العالم لي."
وقبل أن ترد “أن”، سُمِع صوت ضربة معدنية يتردد في القاعة.
ظهر المهرّج (01) من الظلال خلف بشرى.
كان أطول مما تذكّرت.
وجهه الأبيض مشقق، كأن الطلاء أصبح جزءًا من جلده، وعلى فمه ابتسامة مشوهة، واسعة جدًا، لا ينتمي لها أي إنسان.
كان يحمل خنجرًا طويلًا يقطر منه دمٌ أسود كثيف، ووراءه كان يقف سبعة أتباع يتحركون بنفس الإيقاع، رؤوسهم منحنية، وجوههم بلا ملامح واضحة.
شعرت “أن” بدمها يتجمد.
الهواء تحوّل فجأة إلى ثقلٍ خانق.
المهرج انحنى نحوها، ثم رفع يدها المقيدة بين أصابعه الباردة الخشنة، وقال بصوتٍ مخنوقٍ متداخل، كأنه مصنوع من حناجر كثيرة:
– "00... أخيرًا عدتِ. لقد اشتقنا لكِ… كثيرًا."
بشرى صمتت للحظة، ثم التفتت نحو المهرج: – "لا تلمسها كثيرًا. دمها ليس لك بعد."
ضحك المهرج ضحكة عالية، متقطعة، كأن أحدًا يكسر زجاجًا بين أسنانه: – "أعلم… الزعيمة الجديدة… أو القديمة؟"
ثم نظر إليها فجأة وغمز:
– "لكن نهاية أمير كانت ممتعة."
تجمدت "أن".
قلبها سقط في حفرة بلا قاع.
أمير.
صوته، يده، محاولته لإنقاذها، تلك النظرة الأخيرة قبل أن يتلاشى في الظلام…
صرخت "أن" بكل غضبها: – "أين… هو؟"
اقتربت بشرى، أمسكت بوجه “أن” بقوة حتى شعرت بأظافرها تخترق جلدها. قالت ببرود: – "الميت لا يعود يا أن. لكن ذكراه… ستستعملينها أنتِ لتصبحين أقوى."
حاولت "أن" مقاومتها، لكنها شعرت بتيار كهربائي يعبر السلاسل ويصدم جسدها بالكامل. صرخت بعنف، وانحنت للأمام، ودموع الألم تسيل.
ضحك المهرج مجددًا.
بشرى ضغطت زرًا في جهاز صغير، فانطفأت الكهرباء.
اقتربت من “أن” وقالت ببطءٍ شديد، كلماتها تغرس في الذاكرة مثل خنجر:
– "إما أن تصبحين زعيمتي…
أو أدع 01 يمحوكِ من الوجود."
وفي تلك اللحظة…
سمع الجميع انفجارًا ضخمًا يهز القصر من الخارج.
ارتجت الجدران، وسقط الغبار من السقف.
صرخ أحد الأتباع: – "سيدتي! قوة مجهولة تقتحم المدخل الشرقي!"
ابتسمت بشرى دون أن تتحرك. – "أوه… يبدو أن أصدقاء أمير قرروا الانضمام للعرض."
فتحت “أن” عينيها على اتساعهما.
المخبرات…؟ فريق أمير…؟ هل كانوا أحياء؟
صرخ تابع آخر: – "إنهم يقتربون! خمس دقائق ويصلون للأروقة الداخلية!"
المهرج انحنى لبشرى بطريقة مسرحية، وقال: – "أتسمحين لي؟ حان وقت اللعب."
هزت رأسها: – "اذبحهم… لكن اترك واحدة فقط. أريدها حيّة."
قبل أن يغادر، حدق المهرج طويلًا في “أن”… ثم رفع الخنجر أمام وجهها وقال: – "سأعود لأخذكِ… صغيرتي، 00."
وانطلق هو وأتباعه، صراخه وضحكاته ترتد في الممرات مثل أصوات من الجحيم.
بقيت بشرى وحدها مع “أن”.
اقتربت، وضعت يدها على رأس “أن” بلطفٍ مزيف، وقالت: – "هل تسمعين ذلك؟"
صمتت لحظة ثم أضافت:
– "العالم يبدأ الآن بالتشكّل من جديد… وأنا أريده أن يتشكل بكِ."
خطت خطوة للوراء.
أمسكت بجهاز صغير وبدأت تدخل فيه رموزًا رقمية غريبة.
كل رمز ارتجف معه قلب “أن”.
كانت تعرف… أنها كلما تأخرت، سيفوت الأوان.
وأن دمها سيُستخدم في شيء لا يمكن لأحد إيقافه.
ثم في اللحظة الأخيرة…
فُتِح باب حديدي صغير خلف بشرى فجأة، واقتحم رجل مقنع، وجهه مغطى، يرتدي بدلة قتالية سوداء.
ركض مباشرة نحو "أن" وصرخ: – "أن! إبقي عينيك مفتوحتين! جايين نخرجوك!"
انصدمت بشرى: – "كيف دخلت؟!"
لكن الرجل لم يجب.
مد يده بسرعة نحو قيد “أن”، وبدأ يفك الشفرة الإلكترونية.
رفعت أن رأسها بصعوبة وقالت: – "م… من أنت؟"
اقترب الرجل منها وهمس بصوت خافت هز قلبها:
– "أنا… من واصل ما بدأه أمير."
تجمدت “أن”.
مستحيل… هل كان أمير…؟ هل ترك خلفه أحدًا…؟
وقبل أن تستوعب شيئًا…
صرخت بشرى بغضبٍ قاتل: – "اقتلــــوه!!!"
و…
تبدأ المعركة.
---
❗