المكتبة المقلوبة
سكون.
ليس سكونًا عاديًا، بل ذلك النوع الذي يُغلف الذاكرة قبل أن تنطفئ. لا صوت. لا نفس. لا حتى أثر لأثر.
فاليارا كانت أول من انتبه. كانت مستلقية فوق رف، وكأن الكتب لفظتها من أحشائها لتضعها هناك. رفٌ طويل مائل، يميل معها، والسماء تحتها تمطر أوراقًا... أوراقًا خفيفة تتطاير بلا وجهة، ثم تسقط على الأرض التي تعكسها. تشبه المرآة، لكنها باردة، وكأنها تذكّرها بأنها ليست حقيقية.
"آرلين؟"
نادت بصوت لم تسمعه حتى هي. نهضت بسرعة، تعثرت برف كتب كان يهمس كلمات غريبة.
ظهر من بين الرفوف.
هادئ. متماسك كعادته.
كأن هذا المكان يحترمه، أو يخشاه.
"أنتِ هنا"، قالها بهدوء، كمن تأكد من شيء كان يشك فيه.
اقترب منها.
"منذ متى ونحن هنا؟"
أجابت ببطء: "لا أعلم… أشعر أنني… أنني كنت أحلم وأنا مستيقظة."
هز رأسه ببطء. "أنا فقدت عدّ اللحظات. هناك فجوات… كأنني أغفو واقفًا ثم أعود لأجدك تختفين من المكان، وأعود لنفس الصفحة."
نظرت حولها. الكتب… الكتب كلها مقلوبة. عناوينها مكتوبة بلغات لا تعرفها، بعضها يتحرك، بعضها ينبض، وبعضها يبكي بصوت خافت.
مدّت يدها نحو أحد الكتب، كان يغلي كأنه يغلي من الداخل، وما إن فتحته حتى انفجرت منه صورة.
مشهد.
فيه هي. وطفل صغير يمسك يدها. في عالمٍ لا تعرفه، تمشي وسط أبنية رمادية، والناس ينحنون لها… ويسمّونها أم النور.
أغلقت الكتاب بسرعة، يدها ترتجف.
"هذا ليس أنا."
قالت، وكأنها تحاول تقنع نفسها.
"لكن ربما كان."
قال آرلين، وهو ينظر إلى كتاب آخر بين يديه، يظهر فيه ريان، لكن ليس كما عرفوه… بل شاب صغير يجلس على طاولة، يكتب رسالة ثم يحرقها، وتظهر في اللهب كلمة: الملكة.
رف الكتب الذي بجانبه اهتزّ فجأة، وسُمع صوت خافت، ليس من الكتب… بل من قلب المكان.
"فاليارا…"
التفتت.
الصوت أتاها من بين الرفوف. صوت رجل. مألوف أكثر مما ينبغي.
ركضت. تبعها آرلين.
الرفوف تتحرّك من تلقاء نفسها، تصنع ممرًا ثم تغلقه بعدهم، وكأن المكان يحاصرهم بحنانه الغامض.
ثم توقفت.
في المنتصف… كان هناك كتاب ضخم. ليس على رف، بل على منصة حجرية. الغبار عليه كثيف، لكن بين طبقاته كانت هناك علامة محفورة… توقيعٌ كانت قد رأته ذات يوم في حلم: ريان.
"لا تفتحيه!"
قال آرلين بسرعة، يضع يده على يدها.
"لكنه هنا… تركه لنا."
"أو لأحدٍ غيرنا."
"أو… تركه لنفسه."
صمت.
مدّت يدها، وفتحت الصفحة الأولى.
لكن لم يكن هناك حبر.
بل انعكاس… انعكاس لها وهي تنظر إلى وجه الملكة. كانت تحملها… لكنها لا تتذكر متى ولا كيف.
وعندما نظرت إلى آرلين…
كان يحدّق في الصفحة التالية…
حيث كان هو، يقف وحده…
وفي الخلف، كانت هناك صورة باهتة…
لقبرٍ صغير.
ارتعشت الصفحة. ارتجفت الأرض. بدأت السماء تمطر تمزيقات كتب، بدل الأوراق. وفجأة… صرخ أحد الرفوف:
"تأخرتم كثيرًا…"