رؤيا الينابيع المكسورة
نامت إيليارا تحت سقف الكوخ الخشبي، لكن حلمها لم يبدأ هناك. لم يكن في الغابة، ولا حتى في عالمها.
بل بدأ بصوت ضحكة.
ضحكة مألوفة جدًا، تلتها ضحكة أخرى… ثم صرخة فرح.
ركضت إيليارا خلف الصوت، دون أن تفكر. قلبها قادها قبل عقلها.
ظهرت أمامها سهول واسعة، تتلألأ كأنها مغطاة بندى الأحلام. وفي وسطها… بيت الشجرة.
كبير، مزدهر، ينبض بالحياة كما لم يكن من قبل. على درجاته، جلست فاليارا تتمايل على قدميها، تضحك وهي ترمي حبات توت نحو آرلين الذي يحاول الإمساك بها بفمه دون أن يضحك — ويفشل، فيضحك.
صرخت إيليارا بصوت مشبع بالشوق:
"فاليارا!! آرلين!!"
التفت الاثنان. وجهاهما كانا كما تتذكر، لكن عيونهما… كانت تلمع بشيء أكثر من الدموع. بشيء يشبه الحنين ذاته.
قالت فاليارا، دون أن تتحرك شفتيها:
"أنتِ تتأخرين يا إيليارا… كما كنتِ دومًا."
قال آرلين، وهو ينهض بخفة لا تشبهه:
"لكننا لا نزال ننتظر. لن نغادر قبل أن تأتي."
ركضت إليهما، لكنها لم تصل. البيت ابتعد، أو ربما الأرض هي التي زحفت للخلف. السهل صار ضبابًا، والضحكات صارت صدى، والحنين تحول إلى برد.
ثم…
ضوء.
قصر. مهجور. سقفه محطم، وأروقته تمتلئ بالغبار. الورود الجافة تملأ الأرضية. في وسط القاعة، ريان يجلس بصمت، يداه على شيء صغير بين ذراعيه.
اقتربت، قلبها ينبض.
كان يحمل رضيعة.
شعرها أبيض كالثلج، وعيناها مغلقتان كأنها في سلام عميق.
ريان لم يكن كما تعرفه. شعره أطول، وجهه أكثر تعبًا، عيونه… لا تحمل تلك الشرارة القديمة.
همس:
"أعرف أنكِ ترينني. أعرف أن هذا مجرد حلم… لكنه ليس حلمي وحدي."
نظرت إليه، ثم إلى الطفلة. شيء فيها شدّها إليها، كأنها تعرفها. كأنها رأت تلك العينين من قبل، وهي مفتوحة في مستقبل لم يحدث بعد.
قال ريان، بصوت مجروح:
"هي الملكة… لكنها ليست ما يظنه الآخرون."
سألته بصوتها المرتجف:
"ما الذي يحدث؟ أين نحن؟"
ردّ، وهو يهدهد الصغيرة:
"نحن في قلب النسيان. والبوابة التالية لن تُفتح إلا حين تتذكّر من تكونين، إيليارا."
صوت فاليارا عاد من بعيد، لكن هذه المرة بدا كأنه يأتي من فوق، من السماء:
"احذري من الحنين… فهو طريق العودة، وطريق الضياع معًا."
كل شيء انهار.
ثم… ظهرت كرة بيضاء. ليس كما كانت أول مرة. هذه كانت مكسورة.
ومن بين شظاياها، خرجت أصوات.
أسماء.
ريان. إيليارا. فاليارا. آرلين. تاريس. نوفا.
وصوت آخر، لا يشبه أي صوت:
"المفتاح تم حمله. والبقية؟ إن نسوا… لن يعودوا."
استيقظت إيليارا وهي تجلس فجأة، تتصبب عرقًا.
الغابة لا تزال صامتة. نوفا يطفو بلا ضوء. تاريس يشخر بهدوء.
همست لنفسها:
"رأيتهم… سمعتهم… ورأيت الملكة… كانت طفلة بين ذراعيه."
ثم وضعت يدها على قلبها، الذي لا يزال ينبض بشدة.
هل كان حلمًا… أم شيء أكثر؟