صمت نوفا وظلال الكوخ
كان الغروب قد بدأ يكسو السماء بلونٍ ذهبيٍّ خافت، والضباب يتسلّل بين الأشجار، حين توقفت إيليارا فجأة وقالت، بصوتٍ حاد:
"نوفا... لم تُكمل حديثك. ماذا كنت تقصد بكلماتك السابقة؟ ماذا تعرف؟ وماذا عن ريان؟ وعن آرلين وفاليارا؟"
لكن نوفا، الذي كان يطفو أمامهم بهدوء، لم يُجِب مباشرة. كانت عيناه اللامعتان تلمعان بضوءٍ خافت، كأنها تعكس غروب عالمٍ لا يُشبه هذا العالم. ثم قال، بنبرة هادئة ثابتة، دون تردد:
"ليس الآن. ليس الوقت المناسب لتُقال الحقيقة."
نظرت إيليارا إليه بحدة، وأوشكت أن تصرخ، لكن صوته سبقها:
"ريان بخير. يمكنني أن أؤكد ذلك. إنه في مكان... آمن. أما البقية..."
وسكت.
لم تتحمّل إيليارا صمته، فتقدّمت خطوة وقالت:
"فاليارا؟ آرلين؟ هل هما بخير؟!"
لكن نوفا، للمرة الأولى، أدار وجهه عنها، كما لو أن السؤال لا يمكن أن يُجاب عليه. وكأن السكوت وحده يحمل الإجابة التي لا يريدون سماعها.
تاريس، الذي كان يراقب الصمت الثقيل، قرّر التدخل:
"دعيه. لو أراد قول شيء، لقاله. ليس الآن، على ما يبدو."
ساد صمتٌ بين الأشجار، لا يُسمع فيه سوى صوت خطى الأقدام على أوراق الخريف المتساقطة. مرّت دقائق طويلة قبل أن يظهر أمامهم كوخ صغير، متهالك البنية، تعلوه الأعشاب والزوايا المكسورة.
قال نوفا:
"هنا. يمكننا البقاء هذه الليلة. الجدران متعبة، لكن الطاقة هنا... هادئة."
دخلا إلى الداخل بحذر، ووجدا رائحة الرطوبة تعبق في الهواء، وأصوات الخشب المتهالك تئن تحت أقدامهم. جلسوا حول مدفأة قديمة، حاولوا إشعالها ببعض الأغصان اليابسة.
مدّت إيليارا يدها إلى شعلة نار صغيرة، ثم تمتمت:
"لم نعد نعرف إن كنا نحلم أم نعيش واقعًا مكسورًا... كل شيء تغيّر، وتبعثرنا كأوراقٍ في ريح عاتية."
قال تاريس وهو يتفحص السقف:
"ربما التبعثر كان جزءًا من الخطة. ربما... نحن قطع في لوحة لا نراها كاملة."
نوفا كان صامتًا، يطفو بجانب النافذة المكسورة، يُراقب السماء بصمتٍ كمن يبحث عن شيء ضائع.
همست إيليارا، وهي تُغلق عينيها:
"أريد فقط أن نعود... كلنا. جميعنا. مهما كلف الأمر."
لم يُجِب أحد. لكن الحلم، تلك الليلة، كان مختلفًا...