بوابة الذاكرة
غادروا القصر بصمت، لكن خطواتهم لم تكن تطأ أرض المدينة بعد الآن. لا مبانٍ، لا جدران معدنية، لا شاشات ولا أضواء متراقصة. كل ما حولهم صار أشجارًا ضخمة وأغصانًا ملتفة وضوء شمس ناعم يخترق الأغصان... كأنهم خرجوا من باب القصر إلى عالم آخر بالكامل.
توقف تاريس لوهلة، نظر حوله بذهول وقال:
"إيليارا... هل ترين ما أراه؟"
هزّت رأسها ببطء:
"غابة؟! كأننا عبرنا بوابة إلى عالم جديد تمامًا… هذا... هذا ليس عالمنا."
قال تاريس وهو يتقدّم ببطء:
"حتى الهواء مختلف… والرائحة… والطبيعة… لا أثر للمدينة."
أخذت إيليارا نفسًا عميقًا وهمست بصوت فيه شيء من الشوق:
"اشتقت إلى بيت الشجرة… إلى ريان، وفاليارا، وآرلين…"
ثم عضّت على شفتها، كأنها ندمت على الإفصاح.
قاطعها تاريس:
"نوفا لم يخبرنا بعد عن القصة الطويلة تلك التي تحدّث عنها... ربما حان الوقت، خصوصًا أننا سنقضي وقتًا في المشي. أليس كذلك؟"
رفعت إيليارا عينيها بسرعة وردّت بحماس متوتر:
"نعم! نعم، تاريس على حق! نوفا، هيا، أخبرنا... ما الذي كنت تقصده؟ من أين أتت تلك الكلمات؟ وما هذا العالم؟"
نوفا، الذي كان يطفو بصمت بين الأشجار، أطلق ومضة خافتة. ثم دوّى صوته برفق:
"ما سأقوله... لن يريحكما. لكنه ضروري."
أطلق نوفا صوتًا خافتًا يشبه تنفّسًا آليًا، ثم قال بصوت بدا أكثر وضوحًا من أي وقت مضى:
"أنا لست ما تظنانه... لم أُصنع لأكون دليلًا، ولا حتى كائنًا مساعدًا. وُجدت قبل أن توجد مدينتكما… قبل أن توجد حتى الأسماء التي تعرفانها. كنت... عينًا في الظلال. أراقب، وأسجّل. وأحيانًا... أتذكّر."
قال تاريس بشك:
"تتذكّر؟ كيف يتذكّر شيء مثلك؟"
رد نوفا، وصوته هذه المرة يحمل نبرة بشرية غريبة:
"لا أعرف من أنا تمامًا… لكني أحمل شظايا من ذكريات شخص... أو ربما أكثر من شخص. تلك الكلمات التي خرجت منّي عن ريان والملكة والكرة… لم أخترها. كانت محفورة داخلي، وكأن أحدًا زرعها فيّ."
قالت إيليارا، وقد عقدت حاجبيها:
"لكن لماذا تظهر الآن؟ لماذا معنا؟"
ومض نوفا بنور أخضر صغير، ثم أجاب:
"لأن هذا المكان… الغابة… هذا العالم الذي دخلتموه، يُحرّر الذكريات القديمة. هذه الأرض ليست جزءًا من زمنكم، بل من زمن آخر… زمن الملكة، وزمن الحرب التي لم تعرفوها بعد."
قال تاريس ببطء، كما لو كان يربط خيوطًا متفرقة:
"إذًا... القصر الذي دخلناه، لم يكن مجرد مكان مهجور… كان بوابة؟"
أومض نوفا مرة أخرى، وقال بصوت غامض:
"ليس كل البوابات تُفتح بالمفاتيح… بعضها يُفتح بالقدر."