مدينة بين الغيم
سألت إيليارا تاريس بصوت حذر:
"هل لا تزال الكرة معك؟"
أومأ تاريس وهو يضع يده في جيبه قائلاً:
"أكيد... إنها هنا. أتريدينها؟"
أخرج الكرة وسلّمها لها. بدأت إيليارا تتفحصها بتركيز، تبحث عن أي نقش، أي إشارة، أي شيء قد يساعدهما على الفهم. وفجأة، لاحظت زرًا صغيرًا في جانبها. بدون تفكير، ضغطت عليه.
تكلمت الكرة فجأة بصوت آلي، واثق:
"استعد... واحد... اثنان... ثلاثة."
ولم تمضِ سوى لحظات، حتى شعر الاثنان بذبذبة خفيفة تمرّ عبر جسديهما، كأن الهواء نفسه انكمش وابتلعهم...
ثم—انقشع الضباب.
ووجدوا أنفسهم وسط مدينة عائمة بين السحب. كانوا يقفون على جسر عتيق، يربط بين أبراج زجاجية شاهقة تتصاعد نحو السماء. الجبال المحيطة بدت وكأنها تراقبهم بصمت، ضبابها يلتف كالأذرع حول المدينة. الضوء كان غريبًا—شبه شمسي، لكنه بارد.
الأسطح اللامعة للمباني تعكس لون السماء المتغير، والهواء محمّل برائحةٍ تشبه المعدن والضوء... مزيج بين الحلم والتكنولوجيا.
لكن وسط كل هذا التقدّم، كان هناك شعور لا يمكن إنكاره...
شعور بالعزلة.
الأرض تحتهم خالية، لا وجود لحركة، لا أصوات، فقط المدينة... والمجهول ينتظر.
تقدّم تاريس خطوة على الجسر، فأصدر تحته صوتًا معدنيًا خافتًا، كأنّ المدينة تنبض بهدوء في أعماقها. نظر إلى إيليارا التي كانت تمسك بالكرة، لا تزال متوهجة بعد انتقالهما.
"هل نحن... في المستقبل مرة أخرى؟" سألها، لكن صوته بدا ضائعًا وسط الصمت الذي يغلف المكان.
هزّت إيليارا رأسها: "لا أعلم... هذا المكان مختلف. ليس صاخبًا كالسابق. كأن المدينة... نائمة."
راحا يتقدمان على الجسر، بخطى بطيئة. الجسور الأخرى تتقاطع في الأفق، وتلوح في السماء مبانٍ بأشكال هندسية لا تشبه شيئًا رأوه من قبل—دوائر، أشباه نجوم، أبراج تنحني كأنها تستمع لهم.
قال تاريس، وهو يراقب برجًا يدور ببطء حول نفسه:
"أتعرفين ما يُخيفني؟ ليست التكنولوجيا... بل هذا الصمت."
بينما كانا يسيران عبر الجسر المعدني، لاحظ تاريس أن المباني القريبة بدأت تعكس وجهيهما في زوايا غير ممكنة، كأنها تراقب كل حركة. همس:
"أظن أننا لسنا وحدنا هنا..."
أدارت إيليارا الكرة بين يديها ببطء، وأخذت تحدّق في الضوء الذي لا يزال يشع من سطحها. شعرت بحرارة خفيفة تنبعث منها، لكنها لم تكن مؤذية—بل كانت أشبه بلمسة دافئة.
قالت:
"أعتقد أن هذه المدينة... تعرف هذه الكرة. أو تعرفنا."
اقترب تاريس منها، ومدّ يده ليلمس النقش الذي ظهر فجأة على سطح الكرة. وبمجرد أن لامسه، انبعثت نبضة من الضوء كأنها نبض قلب، ارتدّت إلى كفي إيليارا.