مطعم بلا وجوه
ساد الصمت بينهما لحظات. ثم عاد تاريس يلتقط شوكته ويكمل طعامه بصمت، بينما كانت ايليارا تراقب المكان بنظرات مملوءة بالقلق والترقب.
بعد قليل، أشار للنادل بأنه يريد الحساب. انتظرا… لكن لم يأتِ أحد.
نظر تاريس حوله، ثم مال ناحيتها وقال بصوت خافت:
"تعالي، اتبعيني… سنخرج بهدوء."
حدّقت فيه باندهاش:
"ماذا؟! نخرج دون دفع؟!"
ابتسم بخفة، ثم تمتم:
"لا يوجد أحد لنخبره. لا صندوق، ولا نادل، ولا حتى زبائن. كأن المطعم… فارغ عن قصد."
لم يعجبها الأمر أبدًا. شعرت أن هناك شيئًا غير طبيعي. ترددت، لكن قبل أن تتخذ قرارها، أمسك بيدها برفق وسحبها نحوه:
"هيا، ثقي بي."
خرج الاثنان من المطعم بهدوء، ينتظران أن يصرخ أحد خلفهما، أن يركض شخص ما مطالبًا بالحساب… لكن لا أحد لحق بهما.
توقفت إيليارا فجأة عند الباب، نظرت خلفها، ثم إلى وجهه:
"هذا غريب... ألم تقل إن أصحاب المطعم سيلاحقوننا؟"
نظر تاريس للباب، ثم للشارع، وقال بصوت منخفض:
"كنت أظن ذلك… لكن يبدو أن هناك شيئًا آخر يحدث. وكأن أحدهم… سمح لنا بالخروج."
توقفت إيليارا في مكانها، ويداها لا تزال في يد تاريس، لكن عيناها كانتا على شيء آخر...
المطعم خلفها بدأ يبهت، لا يختفي، بل يتحول تدريجيًا إلى خطوط من الضوء المتكسّر، كما لو أنه لم يكن موجودًا أصلًا.
قالت بصوت مرتجف:
"تاريس... هل تراه؟"
أومأ برأسه دون أن ينبس، وعيناه تراقبان تلاشي المكان الذي كان قبل لحظات يحتضن وجبة غيّرت شيئًا في أعماقهما.
ثم فجأة، ظهر عند مدخل المطعم رمز صغير، كان يلمع بخفوت... نفس الرمز الذي رأوه عند بداية المتاهة، بلون مختلف هذه المرة. كان أقرب إلى اللون البنفسجي المتداخل مع الذهبي، وكأن الزمان نفسه يُوشِك على النُطق.
قالت إيليارا:
"ما معنى هذه الرموز؟ لقد بدأنا نراها أكثر... لكنها لم تُشرح لنا أبدًا."
قال تاريس وهو يتقدم نحو الرمز، يمد يده كمن يلمس فكرة لا مادة: "أعتقد أننا بدأنا نفهمها دون أن تُشرح... ربما لأنها ليست لغة تُقرأ، بل تُحس."
ما إن لامس الرمز، حتى ومض ضوء خفيف، وتغيّر الشارع أمامهما.
السماء التي كانت شفافة، امتلأت بخطوط ملتفة من الضوء، والمباني العائمة بدأت تنحني نحو الداخل، كأنها تطوي نفسها على شكل حلزوني.
لكن ما كان مخيفًا بحق، هو الصوت...
كان هناك همس، يقترب ببطء، كما لو أن المدينة نفسها بدأت تتحرك.
قالت إيليارا، وقد ضاق صدرها فجأة:
"هل... هل المتاهة تتغيّر؟"
رد تاريس دون أن يلتفت:
"أو ربما... تُعيد تشكيل نفسها بعد كل قرار نتخذه."
ثم توقّف فجأة، والتفت إليها، عيناه تلمعان بالقلق:
"إيليارا... ماذا لو كان هذا كله اختبار؟
وليس لنكتشف المكان... بل لنكتشف أنفسنا؟"
تقدمت إيليارا بخطوة، ووضعت يدها على كتفه، ثم قالت بابتسامة خافتة: "في هذه الحالة... دعنا ننجح في الامتحان. معًا."
في تلك اللحظة، انشق الطريق أمامهما، وبرز سلم حلزوني، يتحرك ككائن حيّ، كأنّه ينتظر خطواتهما.
على حافته، كتب بخط مضيء:
"ما تم أكلُه، لن يُهضم إلا بالصدق."
نظر تاريس إلى العبارة، ثم إلى إيليارا، وقال: "أعتقد أن رحلة الطعام انتهت... وبدأت رحلة الإجابات."
أومأت برأسها، ثم قالت:
"فلنأخذ الخطوة القادمة... مهما كانت."
وخطيا معًا على السلم الذي بدأ ينزل ببطء، وسط همسات المدينة التي لا تُشبه صوت أحد… سوى الذاكرة.