ماضي المستقبل - نكهة الذاكرة - بقلم لولي | روايتك

اسم الرواية: ماضي المستقبل
المؤلف / الكاتب: لولي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: نكهة الذاكرة

نكهة الذاكرة

حدّقت إيليارا في المطعم المعلّق، وعيناها تتسعان بدهشة: "أ و كل شيء... يطير؟! ولماذا لا نطير نحن أيضًا؟" ضحك تاريس، وهو يشير إلى نقطة أعلى: "يبدو أن جملتك تحققت... انظري هناك!" رفعت بصرها، لتجد رجلًا يقف فوق الهواء، أو هكذا بدا. لم يكن يطير، بل يسير على مسار غير مرئي، هادئ الخطوات، كأن المدينة صنعت له طريقًا خاصًا لا يراه غيره. تبادلا نظرة مذهولة، قبل أن تهمس إيليارا: "هل هذا مكان... يقرأ الرغبات؟" رد تاريس بابتسامة جانبية: "أو ربما... يختبرها." دخل تاريس المطعم مسرعًا، صاعدًا السلالم الضوئية التي استجابت لخطواته كما لو كانت تعرفه. "إذا لم تكوني جائعة، فابقي هنا لطرح الأسئلة!" قالها وهو يلوّح لإيليارا دون أن يلتفت. رمقته بنظرة نصف ساخطة، نصف مندهشة، ثم تبعته وهي تتمتم: "الرجال... حتى في عالم لا يُفهم، يركضون خلف الطعام أولًا." ما إن دخلا المطعم حتى شعر كلاهما بشيء غريب... لم تكن هناك طاولات، ولا نُدُل، بل مساحات مفتوحة تحوم فيها أطباق بأشكال متغيرة، تطوف حول الزبائن وكأنها تختارهم بنفسها. كل طبق كان يتوهج بلون مختلف، وبعضها يهمس بلغات غريبة، خافتة، كأن الطعام ذاته يحكي قصة. وقف تاريس في مكانه، يراقب الأطباق الطائرة تقترب منه، حتى وقف أمامه طبق صغير يتوهج باللون الأزرق. انخفض بلطف حتى أصبح في مستوى عينيه، وكُتبت فوقه عبارة بلغة مفهومة، لكنها لم تكن على الطبق، بل داخل عقله: "هذا الطبق يحتوي على ما فقدته ذات يوم." تجمّد للحظة، ثم تمتم: "ما فقدته؟ ماذا يعني...؟" في تلك اللحظة، اقترب من إيليارا طبق مختلف، يتوهج بالأخضر، وهمس داخل رأسها: "هذا الطعم لن يُعجبك، لكنه سيذكّرك بمن أنتِ." تبادلا نظرة متوترة، وكأن المكان كله يعرف ما لا يعرفانه عن نفسيهما. قالت إيليارا، وهي تحدّق في الطبق بتردد: "هذا ليس مطعمًا... هذا أشبه بمواجهة." أجاب تاريس وهو يجلس على وسادة هوائية ظهرت فجأة خلفه: "لا بأس، سأواجه… بشيء يشبه الطعام على الأقل." ابتسمت إيليارا رغم الحذر، وجلست بجانبه، والطبق يطفو أمامها، ينتظر القرار. أكل تاريس أول لقمة... وفجأة، اتسعت عيناه كما لو أنه ابتلع مجرة كاملة من النكهات.