عزلاء الهتان - الفصل السابع : لقاء تحت الدم - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: عزلاء الهتان
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع : لقاء تحت الدم

الفصل السابع : لقاء تحت الدم

استيقظت ميس مع بزوغ الشمس، أو بالأحرى قبل أن تكتمل الشمس في بزوغها. لم تكن قد أغمضت عينيها سوى ساعة واحدة، ومع ذلك أحسّت بأن جسدها ثقيل، بينما عقلها مسرع، يقفز من فكرة إلى أخرى دون توقف. رفعت رأسها قليلًا نحو النافذة. كان الصباح لم يطلع بعد، والسماء بلونٍ يميل إلى البرتقالي الهادئ، كأن الليل يقاوم الرحيل، والنهار يتهيّأ للدخول دون استعجال. ذلك اللون هو لون البدايات… لكنه اليوم لون هروب. مدّت يدها إلى الغطاء الذي صارت تُلزم نفسها بارتدائه منذ سكنت جسد ثريا. غطّت شعرها بإحكام، ثم مسكت الكيس المربوط بخيوط سميكة، وربطته عند خصرها بقوة خشيت معها أن يسمع أحدٌ صوت الخيط. ثم بحثت بعينيها عن شيء آخر تلقيه فوق كتفيها ليخفي وجهها قدر المستطاع. قالت في نفسها: " إن تعرّف عليّ أحد… انتهى كل شيء." وضعت الوشاح الثقيل فوق ثيابها، وتنفسّت بعمق، ثم تحرّكت نحو الباب بخفةٍ وحذر. كل خطوة كانت محسوبة، وكل صوت محتمل كانت تتجنبه. البيت غارق في نوم العرس… ولا أحد يعلم أن العروس الحقيقية نائمة بينما ميس في جسدها تهرب. ______ كانت تسير بسرعة لكنها تخشى أن تركض. وما إن وصلت إلى باب الاصطبل وفتحته حتى استقبلها هواء معبّق برائحة التبن، وأصوات خفيفة من أنفاس الخيول. رفعت يدها تُشير لهم: " هُدُوء… أرجوكم… لا تُصدروا صوتًا…" وكأنها تتحدّث مع أطفالٍ تخاف أن يبكوا في وقتٍ لا يجب أن يسمعهم فيه أحد. تقدّمت بين الخيول، تتأمل كلّ حصان وتبحث عن واحد لا يثير الشبهة ولا يثير الرعب. لكن أغلبها كانت ضخمة، قوية، ذات أعراف طويلة، وعيون حادّة… خيول رجال حرب. حتى همست بضحكة ساخرة بلا صوت: " أنا طبيبة، ولستُ مقاتلة… لو ركبت أحد هؤلاء لطار بي قبل أن أصل إلى باب القبيلة. " ثم رأته. حصان صغير نسبيًا، بلونٍ رمليّ يميل إلى الفاتح، بعينين صافيتين لا غضب فيهما ولا فزع. يقف وحده في الزاوية، هادئًا، كأن وجوده تعهّدٌ مسبق بعدم التسبب بالمشاكل. اقتربت منه بخطوات بطيئة. مدّت يدها إلى عنقه تربت بخفة، فرفع رأسه للحظة ثم خفضه كأنه يطمئنها. " أنت… نعم، أنت مناسب. " همست وكأنها اختارت رفيق رحلتها. التقطت اللجام وسحبته بهدوء شديد، وهي تقول: " رجاءً… لا تُصدر صوتًا…" كانت خطواتهما معًا أبطأ من أن تُسمع. ومع ذلك ظلّ قلبها يخفق بقوة خوفًا من أن تستيقظ إحدى الأخوات أو تظهر الأم فجأة في الممر. وما إن خرجت من نطاق البيت قليلًا حتى أدركت أنها بحاجة إلى ركوبه قبل أن يراها أحد. وضعت قدمها تحاول رفع نفسها، لكن جسدها لم يستجب كما يجب. تعثّرت قليلًا، وكادت تسقط، وضغطت بأسنانها على شفتيها كي لا تصدر صوتًا. " يا إلهي… ليس هذا وقت الحماقة…" حاولت مرة أخرى… وفشلت. ثم فجأة سمعت صوتًا خفيفًا خلفها… صوت حركة… ربما حجر تحرّك، أو خطوات يوشك صاحبها أن يظهر. لم تفكر ثانية. جمعت كل قوتها، دفعت جسدها للأعلى، وتمكّنت أخيرًا من الجلوس على ظهر الحصان. مسكت اللجام بقوة، وضربت بقدمها الجانبين. فانطلق الحصان. هبّ الهواء فوق وجهها وهي تبتعد. كانت الأرض تتراجع تحت وقع حوافره، والبيت يصغر شيئًا فشيئًا خلف ظهرها. ومع كل متر تبتعده عنه، كانت تشعر كأن ثقلًا يسقط من صدرها، وكأن الحدود التي كانت تقيدها تتفكك. نظرت خلفها مرة أخيرة نحو المرجان… ذلك المكان الذي عاشت فيه ثريا، ووجدت فيه ميس جسدًا لا يخصّها، وقدرًا لا يليق بها. ثم شدّت اللجام قليلًا، وانحنت فوق ظهر الحصان كي تزيد سرعته. كانت الريح تضرب الخمار على وجهها، ويبدو أنها أول مرة تشعر فيها بالحرية منذ وطأت هذه الأرض. اليوم ليس فقط يوم العرس… بل يوم الرحلة. يوم البداية. _______ قادت ميس الحصان لساعات طويلة، تجاوزت الثلاث بلا شعور بالوقت، مع كل خطوة كان صوت الحافر على الأرض القاحلة يصدح في أذنيها كنبضٍ متسارع. كانت تتنفس بصعوبة، وقلبها يضخّ الأمل والخوف في آن واحد، يذكّرها بكل ما تخاطر به. في البداية، كان الطريق مألوفًا لها نوعًا ما وسهلا في التعامل معه الممرات الضيقة في المرجان، الأزقة التي تعلو فوق بعضها، والأنهار الصغيرة . استطاعت أن تتحرك بين الأشجار والحشائش، وتختبئ عن أعين المارة الذين بدأوا يستيقظون واحدًا تلو الآخر، يرتدون ملابسهم البسيطة ويتجهزون لأعمالهم اليومية. مرّوا دون أن يشكّوا في أمرها، وكأنها لم تكن موجودة. لكن كلما مضت أكثر، بدأت علامات الطريق تتلاشى. تفرعات الطرق ازدادت، والصخور والحشائش خفت إشاراتها المألوفة، حتى الخارطة التي كانت تحملها لم تعد نافعة، وأصبح كل شيء غريبًا وموحشًا. كلمات أمنان عن الطريق نحو الدهام ترددت في ذهنها مرارًا: "خذي اليمين… ثم اليسار… تجنبي الجبال الصغيرة…" لكنها سرعان ما أدركت أن الكلام ليس مثل الفعل، وأن المشهد الواقعي يختلف تمامًا عن التوجيه النظري. وقفت للحظة، ممسكة باللجام، تتنفس بعمق، وتنظر حولها. الطريق أصبح قاحلًا وموحشًا، وكأن الأرض نفسها تحاول أن تحجب عنها المسار الصحيح. الريح تعصف بين الصخور، تحمل أصواتًا خافتة كتحذير: صرير الأغصان، حفيف العشب اليابس، كل شيء يذكّرها بأنها وحيدة في هذا العالم الواسع. همست لنفسها: "يا إلهي… إلى أين أذهب؟ هل أنا على الطريق الصحيح؟ أم سأضلّ وأهلك؟" كل خطوة كانت تزيد شعورها بالضياع، وكل نظرة إلى الخارطة لم تُجدِ نفعًا. شعرت بالوحدة أكثر من أي وقت مضى، وكأن الأرض ابتلعتها مع الحصان، وتركتهما في فراغٍ لا حدود له. ________ في الوقت ذاته، كان البيت في قلب المرجان قد انقلب رأسًا على عقب. استيقظت الأخوات الواحدة تلو الأخرى، ولم يجدن ثريا في أماكنهن المعتادة. ارتفع القلق بينهن، وأسرعن لإخبار الأم. جلست الأم على الأرض، يديها على وجهها، تلطم خدّيها وهي تتمتم بلهفة ودموع: "إلى أين ذهبت مرة أخرى…؟ اليوم… يوم العرس… ماذا لو فعلت شيئًا بنفسها مرة أخرى؟" حاولت أن تهدأ، لكنها شعرت بأن قلبها يكاد يخرج من صدرها من شدة الخوف. تنفست بعمق، ثم وقفت، تحاول جمع أفكارها، وأمرتها بنبرة صارمة ممزوجة بالرعب: "ابحثن عنها في كل مكان… تفقدن كل زاوية، كل خزانة، كل غرفة… لا تدعن شيئًا دون تفتيشه!" كانت تدرك أن الوقت يمر بسرعة، وأن أي تأخير قد يؤدي إلى كشف الأمر أمام بن ناصر . ارتجفت يداها، وحاولت أن تبقي على مظهر القوة، بينما قلبها مملوء بالهلع والخوف على ابنتها. في هذه اللحظة، لم يكن أحد يعلم مكان ميس، أو أنها تقود الحصان بعيدًا عن المرجان . _______ بخطوات متباطئة، كأنها تحاول دراسة الطريق أمامها، لكن كيف لها أن تدرس شيئًا لم تره من قبل؟ كل شيء كان غريبًا، جديدًا، والأرض أمامها تتشعب بأزقة لم تعرفها، والأشجار الكثيفة تقيم جدرانًا من الظل، وكأنها تحاصرها. كانت تسير بعشوائية، على أمل الخروج إلى الدهام، لكن دون أن تدري، كانت الغابة تلتهم الطريق من حولها. الغابة كانت كثيفة، أشجارها متشابكة الأغصان، أوراقها متساقطة على الأرض كأنها سجادة طبيعية، والحشائش ترتفع حتى الركبتين، كل صوت أو حركة فيها يعلو صداه بين جذوع الأشجار. الطيور تحلق فوق رؤوسها، تصدر صرخات متقطعة تتردد بين الظلال، وكأن الغابة كلها تراقبها. مرت ساعتان إضافيتان، وميس فقدت طريقها فعلاً. أصبحت تتخبط بين الأشجار، وكلما حاولت التقدم، عادت بعض الممرات لتتكرر أمامها، وكأن الغابة نفسها تُضلل خطواتها. الحصان الذي كانت تركبه بدأ يتعب، لم يعد يريد الحركة، يقفز قليلًا ثم يتوقف، وتبدو عيناه متعبة وملامحه متوترة. الأنهار التي كانت تمر بها سابقًا اختفت، ولم تعد هناك علامات مألوفة، سوى الحشائش الخضراء والصمت المخيف المتخلل بصوت الطيور. همست ميس لنفسها، قلبها يرفرف بالخوف: "يا إلهي… إلى أين أنا ذاهبة؟ هل سأخرج من هنا؟" وفي الوقت ذاته، في البيت، بدأت الفوضى تنتشر. ظهر بن ناصر عند زوجته، صوته متردد ولكنه صارم: "أين ثريا؟ يجب أن تجهزيها… الأمسية ستقام هذا المساء على شرف زفاف الفارس الشجاع أبلج معها ابنة زعيم المرجان " لكن تعابير الأم الخائفة، والدموع التي تتلألأ في عيون البنات خلفها، جعلته يشك. وجهه صار أكثر حدة، وسأل مرة أخرى: "ما الأمر؟ أين ثريا؟" جاءه الصمت… كرر السؤال بصوت أعلى، وعندما أطرقت النسوة رؤوسهن، ركض بسرعة إلى غرفة الفتيات حيث تنام ثريا، فوجدها فارغة. صاح بعنف: "أين هي؟!" ثم أضاف، صوته مرتجف بالغضب: "تحدثوا! الآن!" الأم ارتجفت، كلماتها تخرج متقطعة، عاجزة عن تقديم أي إجابة واضحة: "لا… لا أعلم… لم أجدها هذا الصباح…" صمت بن ناصر، ثم صمت كصفعة قوية أسقطت الأم أرضًا. البنات تجمدن في أماكنهن، أصواتهن توقفت، ودموعهن جفت من شدة الرعب، لم يستطع أحد حتى تهدئة الأم. صراخ بن عامر ارتفع، صوته صارخ ومتوعد: "كيف لم تجديها ؟ الى أين ذهبت ؟ الى أين قد تذهب هذه الفتاة في يوم كهذا ! اسمعيني جيدا إذا لم تخبريني بمكانها، سأقتلك!" الأم، بخوفٍ عميق، أخذت تتوسل وتقسم له أنها لا تعلم شيئًا، وترجوه أن يصدقها، بينما قلبها يكاد ينفطر من الرعب. أما بن ناصر ، فغضبه امتد أكثر، تفكيره مشوش: ماذا سيقول لأبلج؟ ماذا سيقول لأهالي القبيلة؟ الرجل ينتظر أن يأخذ عروسه، فهل سيخبره أن العروس غير موجودة؟ هل ابتلعتها الأرض؟ _______ نزلت ميس من على الحصان بصعوبة بالغة، تتشبث باللجام وهي تحاول سحبه خطوة بخطوة، لكنه بالكاد كان يتحرك، وكل حركة منه كانت تثقل قلبها وتزيد من توترها. أحست بغضب يتصاعد في داخلها، فالطريق بعيد، والغابة كثيفة، والحصان الذي كان رفيقها أصبح عبئًا عليها. بدأت تبحث بعينيها عن ماء، شلال يتساقط من الصخور، بركة صغيرة، أي شيء يمكن أن يروي عطش الحصان ويمنحه راحة، لكنها لم تجد شيئًا سوى الحشائش الكثيفة والصخور المترامية. وفجأة، دون أي مقدمات، ضرب الحصان قوائمه في الأرض بعنف، وقفز بشكل مفاجئ، الأمر الذي أرعب ميس، فجعلها تفلت اللجام من يديها، ووقع جسدها على الأرض بقوة. قلبها خفق بشدة، وارتفع صوت دقاته في أذنيها. ثم، كما لو أن الغابة كلها قد تحولت ضده، انطلق الحصان يركض هاربًا، تاركًا ميس على الأرض دون أي مقدمات، دون أن يلتفت خلفه. صدمتها كانت كبيرة، ارتجف جسدها وهي تحاول اللحاق به، لكنها لم تتمكن إلا من خطوتين قبل أن يختفي من نظرها، محاطًا بالغابة الكثيفة . تساءلت بيأس " لماذا هرب ؟ مالذي اخافه ؟" ثم عادت تنظر إلى الطريق أمامها، الا أنه كان مخفيًا بالحشائش ، ولم تعد تستطيع التمييز بين ما هو ممر وما هو مجرد أرض متشابكة. مع كل خطوة كانت تتقدم فيها، تسللت رائحة غريبة إلى أنفها، كما انه كان عليها أن تدفع الحشائش بيديها ، لتمنع التصاقها بغطائها أو أطراف الفستان الذي ترتديه. وفجأة، كان الصدمة الكبرى: أمامها، مرمي على الأرض، جثث رجال… او بالاحرى فرسان مرميين من كل جهة على ظهورهم وعلى بطونهم كانوا قد قتلوا بوحشية بالسهوم . و كانت تلك الرائحة التي شعرت بها هي رائحة الدم رائحة الموت ! توقفت ميس، عيناها متسعتان، وجهها شاحب، يختلط فيه الرعب بالذهول. أصابها القشعريرة، وكانت يداها ترتجفان وهي تقترب بحذر من إحدى الجثث، تحس نبضه على أمل أن يكون حيًا، لكنها سرعان ما شعرت ببرودة جسده… فارق الحياة منذ وقت ليس بالقصير، إلا أن دفء قليل ما زال يحاكي النهاية القريبة لمأساة الفرسان. رفعت رأسها عن تلك الجثة، تتنفس بصعوبة، وعيونها تتسع أكثر من أي وقت مضى، وهناك… رأته. كان أول ما وقع عليه بصرها… ذلك الرجل المستند إلى صخرةٍ كبيرة، كأنما اتكأ عليها بعد معركة طاحنة أنهكته. كان يرتدي ثياب الفرسان، وثوبه ممزق في مواضع عدّة، وعلى جانبه سيف طويل ما زالت حافته ملطخة بلون داكن، وبجواره علبة سهام فارغة تقريبًا. نظرة واحدة كانت كافية لتدرك ميس أنّه هو… هو وحده الذي أسقط هؤلاء الرجال العشرين. لكن كيف؟ كيف لرجل واحد أن يهزم هذا العدد مجتمعين؟ رجلاه الممتدتان وأحد ركبتيه المرفوعة أظهرت حجم عضلاته، قوة لم تعهدها ميس في أي رجل رأتْه من قبل، حتى أولئك الذين يتباهون بأجسادهم في صالات الرياضة لم يقتربوا من ضخامته. كان يغطي وجهه بيده، كمن يصد ألمًا حادًا أو يخفي عن العالم شيئًا لا يريد إظهاره. غير أنّ المفاجأة أخذت منحى آخر حين شعرت ميس بشيء يمرّ حول قدميها. شهقت، تراجعت خطوة، وارتفع نبضها قليلًا… لتكتشف بعد لحظة أنها مجرد حشرة صغيرة من حشرات الغابة. لكن تلك الحركة الصغيرة كانت كافية لجعله يرفع رأسه. يده اتجهت فورًا إلى سيفه، كغريزة قاتل خبر الموت كثيرًا، ثم توقفت أصابعه عندما أدرك أنها امرأة. التقت نظراتهما. رأت وجهه… لم يكن أسمر كباقي رجال المرجان، بل كان ذا لون خفيف، مائل إلى البياض، بلون يشبه رماد الفجر. عيناه الرماديتان كانتا حادتين، لوزيتين، نافذتين حتى كأنهما تسألان بلا صوت: من أنتِ؟ ولماذا أنتِ هنا؟ لكن قبل أن تجيب هي بأي كلمة… حدث شيء لم تفهمه. قلبها ضرب ضربة واحدة قوية، موجعة، كأنها سهم اخترق صدرها من الداخل. وضعت يدها على قلبها، واتسعت عيناها من الألم. لماذا… لماذا تبكي؟ دموعها انهمرت بلا إذن، سالت على خديها المرتعشين، ويدها تلامس خدها غير مصدّقة. ما هذا؟ لماذا تخونها أنفاسها؟ لماذا تشعر ان جسدها وكأنه يعمل ضد إرادتها؟ وكأن قلبًا آخر استيقظ داخلها… وكأن قلب ثريّا، صاحبة الجسد قبلها، قد تحرّك فجأة. أما هو، فقد حاول النهوض. حاول مغادرة المكان من دون حتى أن يتفوه بكلمة إضافية. لكن ميس… لم تستطع أن تبعد عينيها عنه، مهما حاولت. كانت نظراتها تتبعه، ليس بإرادتها، كلا… بل كأن جسدها قد فقد خيوط السيطرة. حين تحرّك، لاحظت شيئًا مهمًا. كان يزحف قليلًا، يضغط بأسنانه، وكأن كل خطوة صغيرة تعني عبورًا فوق الجمر. ثم رأت الدماء… الدماء التي لطّخت الصخرة من خلفه. دماؤه هو. همست، كأن الكلمات خرجت من تلقاء نفسها: " أ… أنتَ جريح." لم يتوقع منها أن تتحدث. التفت إليها بنظرة باردة، قاسية كحدّ السيف، وقال بنبرة جليدية: "غادري… هذا المكان ليس آمنًا." لكنها تقدمت خطوة، وعيناها على جرحه، ثم قالت بصوتٍ مضطرب لكنه ثابت: "لقد فقدتَ الكثير من الدماء… وستنهار إن بقيت هكذا." للحظة… اتسعت عيناه الرماديتان قليلًا. لم يكن يتوقع منها الجرأة ولا التحليل. لكنها تابعت: "دعني أساعدك… أنا طبيبة." كأن كلماتها أعادتها إلى الواقع. وكأن قلبها، الذي كان يخونها قبل قليل، بدأ يهدأ رويدًا… بدأت تستعيد نفسها. استعادت ميس، ولم تعد ثريا التي كانت ترتجف في عمقها. ركعت قربه تتحسس حرارته، لون وجهه، شحوب شفتيه، أنفاسه. كانت تلك النظرات الرمادية تتابع كل حركة تقوم بها، لكنها لم تتوقف. قالت بصوت عملي: "يجب أن أوقف النزيف فورًا… وإلّا ستفقد الوعي " لكنها نظرت حولها، ولم تجد شيئًا… لا قطعة قماش، لا ماء، لا أداة تعقيم… الغابة خالية إلا من الدم، والهواء البارد، وصوت صمتٍ ثقيل. رفعت عينيها إليه بتفكير… وهو لا يزال يحدّق بها، كأنه يحاول فهمها قبل أن يسمح لها بالاقتراب أكثر. ______ كان مستلقيًا على ظهره فوق الصخرة، صدره العاري يعلو ويهبط بصعوبة، وقطرات العرق امتزجت بتراب المعركة. اقتربت ميس حتى رأت الجرح بوضوح… طعنة عميقة بالقرب من الجانب الأيسر من بطنه، تحيط بها آثار طعنات أخرى أقل عمقًا، كأن جسده تلقّى أكثر من ثلاث ضربات متتالية. كانت الدماء قد تجمّعت حول الجرح المفتوح، بعضها جفّ وبعضها لا يزال ينساب ببطء، يلوّن جلده بلون قاتم. مدّت يدها إلى غطائها دون تفكير، وخلعته عن شعرها بسرعة، فانحدرت خصلات شعرها المربوطة سابقًا على كتفيها ثم على وجهها. انحنت عليه تربط الغطاء حول بطنه، تشدّه بقوة ليحبس ما تبقّى من النزيف. نظر هتّان إليها بدهشة لم يتمكن من إخفائها. شعرها تحرر بالكامل، وانسدلت خصلاته الناعمة على وجهه ورقبته، تلامس جلده وكأنها لمسة غير مقصودة، لكنها تركت فيه أثراً لم يفهمه. رفعت رأسها فجأة، فالتقت نظراتهما. كانت قريبة… قريبة جدًا. وشعرها ما يزال على جانب وجهه، يمرّ على جلده مع كل حركة خفيفة تقوم بها. لم تكن المسافة بينهما إلا إنشات قليلة، كفيلة بأن تجعل نبضه يتباطأ لحظة، ثم يعود أقوى. وظهرت تلك اللمعة في عيني هتّان. لمحة ذهول… إعجاب… وربما شيء لم يعهده من قبل. لم يرَ جمالًا كهذا قط. لم يكن يعلم أنها من المرجان، والمرجان تُعرف بجمال نسائها، لكن ملامحها كانت شيئًا آخر… جمالًا هادئًا، طاهرًا، لا يشبه تكلف نساء القصر ولا كبرياء بنات الشيوخ. ابتعدت ميس بسرعة وقد استعادت جديتها. قال هتّان بصوت خافت: "شكرًا…" لكنها هزّت رأسها ببرود الطبيبة وقالت: "لم أفعل شيئًا. هذه إسعافات أولية فقط، ولن تدوم فعاليتها طويلًا." ردّ بتجهم بسيط: "إسعافات… أوليّة؟" لم تجب. ركّزت على تقييم حالته بدلًا من الشرح. "لقد أوقفتُ النزيف مؤقتًا فقط. لكن جرحك يحتاج إلى خياطة وعناية، وإلا ستتدهور حالتك. ألا يوجد أحد يأخذك؟ أين حصانك؟" قال بصوت مُجهد: "بَرْق… سيعود قريبًا." تجمدت ميس لحظة. برق… رأت الاسم شيخًا أو فارسًا ذهب ليجلب المساعدة. لكن فجأة سمعَت ضحكة قصيرة خرجت من هتّان، ضحكة هادئة رغم ألمه… ضحكة هزّت صدرها بنبضة مفاجئة—نبضة ليست ميس من أطلقها، بل قلب ثريا الذي تحمله داخلها… قلب لا تسيطر عليه، ولا تنسجم نبضاته مع خوفها. قال هتّان وهو يعاود التقاط أنفاسه: "برق ليس رجلًا… إنه حصاني." حدّقت به ميس بضيق: "وكيف تثق بحصان ليذهب ويعود؟ حصاني هرب مني بمجرد أن شمّ رائحة الدماء! لا يمكن الوثوق بالحيوانات." هزّ رأسه بثبات رغم التعب: "ليس كل الخيل سواء. الخيل تعرف فارسها… وتعود له حتى لو نافسها الموت." لم تستطع الرد. وفي داخلها، ظلّ قلب ثريا يخفق بقوة، بينما كانت ميس تحاول كبحه… وتحاول أن تظلّ فقط ميس، لا المرأة التي يستيقظ قلب غيرها في صدرها كلما نظر إليها هذا الرجل الغريب.