عزلاء الهتان - الفصل السادس : نقطة اللاعودة - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: عزلاء الهتان
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس : نقطة اللاعودة

الفصل السادس : نقطة اللاعودة

في صباح اليوم التالي، ومع بزوغ أول خيوط الشمس فوق مضارب القبيلة، استيقظت جميع الفتيات للقيام بأعمالهن الصباحية كالمعتاد، إلا أن واحدة منهن كانت غائبة عن المشهد، غائبة بشكل لم يسبق له مثيل. توقفت الأم عند كل واحدة منهن على حدة، تحدق في وجوههن بعينين متملئتين بالقلق، وسألتهن بصوتٍ مشوب بالتوتر: "أين اختكم ثريا؟" أجابت الفتيات جميعهن بصوت متردد، متلعثماً بين الحقيقة والظن، قائلين: "ظننا… أنها استيقظت باكرًا وبدأت أعمالها قبلنا." لكن الحقيقة كانت مختلفة، فثريا لم تكن موجودة في أي مكان. تنهدت الأم ببطء، كتنهيدة تحاول تفسير ما يحدث، وعيناها تمتلئان بالحيرة: "ماذا يحدث معكِ يا ثريا…؟ لقد باتت أفعالكِ غريبة وغير مبررة…" وفي داخلها، كانت تدور ألف فكرة وسؤال: ماذا ستقول إذا سألها بن ناصر عن مكان ابنتها؟ كيف ستُبرر اختفاءها؟ كان عليها المماطلة، إطالة الوقت حتى تعود ثريا بأمان. همست الأم لنفسها، وكأنها تحادث روحها في صمت: "آه يا ثريا… ماذا يحصل معكِ يا ابنتي؟" كان الصمت يملأ المكان، يعكس القلق والارتباك، بينما كان صباح القبيلة يبدأ بهدوء عابر، غير مدركٍ لما ستجلبه تلك اللحظات من أحداث لاحقًا. _________ في ذلك الوقت، كانت تسير بخطوات متواصلة، تتوقف في كل مرة لتسأل أحد من أفراد القبيلة عن مكان حفظ الكتب والمخطوطات، فيدلها بعد نظرة استغراب أو استنكار. كانت ميس مصرّة، وعزمها واضح في كل حركة، كأنها تحدّت كل ما يوقفها عن الوصول إلى مبتغاها. حتى وصلت أخيرًا، لكن الصدمة كانت أكبر مما توقعت، إذ لم تتوقع أن يكون المكان ذا حراسة مشددة. أمام بوابة المكان كان فارسان يقفان، جسدهما شامخان، ووجوههما متجهمة، كل منهما يحمل صولجان الحراسة. نظرت إليهما ميس بعينين تحدّيتين، محاولة أن تستخدم كنيتها وتقول: «أنا ابنة رئيس القبيلة»، إلا أن القاعدة كانت واضحة وصارمة: لا تدخل النساء مكانًا كهذا. ميس لم تتراجع، بل شدّت على خطواتها ووقفت أمام الفارسين بعزم، محاوِلة أن تظهر أنها لا تهتز أمام أيّ عائق. الفارسان بدورهما حاولَا أن يثنّانها عن الدخول، فحذرها أحدهما قائلاً: «يجب أن تتراجعي، يا آنسة.» وفجأة سمعت صوتًا دافئًا وجامدًا في الوقت ذاته: "الآنسة ثريا." التفتت لتراه، وكان ذلك الحكيم أمنان واقفًا أمامها. عقدت حاجبيها بحيرة، وهي تحاول أن تفهم سبب ظهوره في هذا المكان. ابتسم أمنان قليلًا، وقال بعد أن فهم نهيتها عن الدخول: "إذن، لم تستطيعي الانتظار وجئتِ لتبحثي بنفسك." استراحت ملامح ميس، وكأنها تقول له ضمنيًا: «أنت محقّ»، لكنها لم تنطق. ثم تساءلت في نفسها: ماذا عنه؟ هل جاء ليبحث أيضًا؟ نظر أمنان إلى الحارسين وقال بهدوء حازم: " سأدخل." عرف الحارسان أمنان فورًا، فهو حكيم القبيلة ومن رجال علمها، وكان لهذا المكان صلة بعمله الدائم. فتنحيا على الفور، لكن المفاجأة لميس كانت أنه حتى بعد أن سمحا له بالدخول، عادا لمكانهما وكأنهما يبلغانها أنها لن تدخل مهما حصل. أمر أمنان الحارسين مرة أخرى بأن يدعوا ميس تدخل، لكن أحد الحراس اعترض قائلاً: "لا يمكن السماح لها بالدخول، يا سيدي." أجاب أمنان بصوت حازم لا يقبل النقاش: "دعها تدخل انها معي " سارت ميس بنظرة قاسية تجاههما، عيناها تحملان التحدي والإصرار، تساءلت في نفسها: «كيف انتهى بي الأمر إلى هذا الحال، أنا التي كانت كلمتي تنفذ دائمًا؟» لكن مارأته جعلها تقف مشدوهة، لم يسبق لها أن شعرت بمثل هذا الانبهار، وكل تفاصيل المكان تجعلها تعيش اللحظة كما قرأت في الكتب، ولكن الواقع أمام عينيها يفوق كل تخيلات. تقدمت بخطوات مترددة، ولكن عزمها واضح في كل حركة، والدهشة تتلألأ في عينيها كما لو كانت لم تصدق ما ترى. المكان كان واسعًا، ذا سقف مرتفع مزخرف بأقواس عربية دقيقة، والجدران مغطاة بنقوش هندسية متشابكة، وألوانها تتدرج بين الذهبي والفيروزي والأحمر الداكن، تعكس الفن العربي التقليدي في أبهى صوره. الأرضية كانت من البلاط المزخرف بزخارف هندسية متناسقة، تلمع تحت ضوء الشمس الذي كان يتسلل من نوافذ صغيرة مطعمة بزجاج ملون، فتنبعث أشعة ملونة على الرفوف المملوءة بالمخطوطات والكتب. كل رف من الرفوف الخشبية العالية كان محاطًا بزخارف نحاسية دقيقة، ويحمل كتبًا قديمة، بعضها ملفوف في أقمشة حريرية تحميه من الزمن، وبعضها الآخر ذو أغلفة جلدية مطرّزة بالذهب، كتب لا يُمكن لمسها إلا بعناية فائقة. في كل زاوية، كانت توجد مصابيح نحاسية معلقة، تتدلى من السقف بأشكال هندسية جميلة، تضفي على المكان شعورًا بالقداسة والسكينة، وكأن المكان مخصص للعلم والحكمة منذ قرون. رائحة الورق القديم والجلد كانت تختلط مع عبق البخور الخفيف، مما أعطى المكان هالة من الغموض والجلال. وقف الحارسان على جانبي المدخل، صامتين ومتجهمين، كما لو أن أي تحرك خاطئ قد يعرض المكان للخطر. ظلت تتأمل الرفوف، المخطوطات، الزخارف، ونوافذ الزجاج الملون، وكل زاوية من المكان كانت تبعث شعورًا بالرهبة والاحترام. لم تتحرك إلا بعد أن أدركت أنها في قلب عالم لم يكن يصدق أن تراه عيناها، عالم كتب عنه العلماء وفكر فيه الحكماء، والآن هي واقفة داخله، وسط حضارة وعراقة تمتزج فيها المعرفة والجمال. _______ لم تكن ميس تدري من أين تبدأ بحثها داخل هذا المكان المهيب، لكن ما إن رأت أمنان يتقدم بخطواته الهادئة حتى لحقت به دون تردد، كأن وجوده هو البوصلة الوحيدة التي تهديها وسط هذا العالم المزدحم بالمخطوطات. سار أمنان نحو أحد الرفوف الطويلة المكدّسة بالوثائق القديمة. كانت المخطوطات كثيرة، مصطفّة فوق بعضها، بلونٍ يميل إلى الصفرة، كأن الشمس طبعت عليها أعوامها، وبعضها بدا هشًّا لدرجة أن أطرافه تكاد تتفتت عند اللمس. الأغلفة كانت مختلفة: هناك أغلفة جلدية متشققة بخيوط سميكة تمتد عبر ظهر المخطوطة، وأخرى مربوطة بأشرطة قماش داكنة، وثالثة ملفوفة داخل غلاف خشبي دقيق الحفر يتزين بأشكال هندسية قديمة. أما الأوراق التي ظهرت أطرافها من بين الرُقُم، فكانت منحنية، محروقة قليلًا من الزمن، تحمل رائحة الورق العتيق. مدّ أمنان يده وبدأ يزيح المخطوطات واحدة تلو الأخرى. قلب صفحات، رفع أخرى، أعاد بعضها لمكانه، بينما كانت ميس تتابع كل حركة بعينيها، وتتحرك كظلٍّ له، تخشى أن تفوتها إشارة أو حرف قد يقودها إلى ما تبحث عنه. لكن كلما فتح مخطوطة ازداد اليأس في قلبها؛ فالأغلب كان يتحدث عن تاريخ المرجان، وتاريخ القبائل، وسجلات عن أجساد البشر وأمراضهم، ومخطوطات أخرى عن نباتات عتيقة اندثرت منذ زمن طويل. كلها كانت معلومات معروفة، لا تمتّ بصلة للغموض الذي جاءت تبحث عنه. شعر أمنان بما حلّ على ملامحها من أسى، فقال وهو يضع مخطوطة كبيرة جانبًا: "لقد أخبرتكِ من قبل… هذا النوع من المخطوطات نادرٌ جدًا. أُشكّ أن يكون موجودًا هنا. وإن وُجد، فمن المحتمل أنه تَلِف منذ زمن." لم تقل ميس شيئًا، لكنها أطرقت برأسها قليلًا ثم عادت تفتش بعينيها بين الرفوف. وبين مجموعة من الأوراق المبعثرة، برزت ورقة صغيرة، أقدم من كل ما رأته. مدّت يدها تلتقطها بحذر. كانت الورقة رقيقة للغاية، كأنها دُفنت تحت الرمال لسنوات طويلة ثم استُخرجت. حوافها ممزقة، والكتابة التي عليها ليست عربية، ولا تشبه أي لغة مرّت عليها. تناولها أمنان منها، حدّق بها طويلًا ثم قال بصوت منخفض: "هذه ليست عربية… إنها مكتوبة بلغة السَّبار. لغة قديمة جدًا… تعود إلى قومٍ عاشوا قبل آلاف السنين. لا يقرأها إلا عدد قليل من العلماء." تجمّدت ميس قليلًا، بينما تابع هو: "هذه الورقة تتحدث عن الأزمنة الغابرة… وعن الأزمنة القادمة." رفعت رأسها بحدة، وقد اتّسعت عيناها دهشةً. لكن أمنان أكمل وهو يقلبها بين يديه: "غير أنها غير مكتملة… كأن الجزء الثاني منها مفقود." سألته ميس بسرعة، دون أن تنتظر أن يكمل: "وهل… هناك تكملة؟ هل من الممكن أن نجد بقية الأوراق هنا؟" هزّ أمنان رأسه ببطء وقال: "هذه الورقة لم تكن وحدها. كانت داخل مجموعة أوراق أخرى… ربما توجد بقية الأوراق هنا. أو… ربما اختلطت بمخطوطات المكان خطأً وسقطت من مصدرها الحقيقي." أطلقت ميس تنهيدة يائسة، وكأن آمالها عادت تتلاشى من جديد. لكن أمنان نظر إلى باقي المخطوطات، ثم قال فجأة وكأنه وصل إلى قناعة نهائية: "أظنّ… أن ما تبحثين عنه ليس هنا." رفعت ميس رأسها إليه ببطء، بعينين تحملان بقايا أمل: "إن لم يكن هنا… فأين؟" قال بوضوح تام: "في المكتبة الكبرى." رددت الكلمة خلفه، تستوعب معناها: "المكتبة الكبرى…؟ إذًا… هذه ليست هي؟" هزّ أمنان رأسه: "هذه مكتبة تخص القبيلة فقط. أما المكتبة الكبرى… فهي أكبر مكتبة في هذه الأرض. الآن تقع في قبيلة بنو الرقاع. تلك القبيلة جمعت علوم الأرض كلها… من تواريخ، ومخطوطات، وعلوم قديمة وكتب نادرة." اتّسعت عينا ميس، وكأن الأمل عاد يضيء قلبها: "قبيلة بنو الرقاع…؟ وأين تقع؟ هل هي بعيدة عن هنا؟" نظر أمنان إليها بدهشة لم يخفها، لم يكن يتوقع منها هذا الإصرار ولا هذه الجرأة. ثم قال: "تقع بعد الدِّهام… إنها رحلة طويلة، وليست سهلة على الإطلاق." لكن ميس لم تتردد، لم تهتز، بل قالت وكأنها تحسم أمرها: "سأذهب إليها." توقف أمنان لثوانٍ، ثم نظر إليها نظرة رجل أدرك أن القدر قد بدأ يفتح بابًا جديدًا أمام هذه الفتاة… وأن طريقها لن يكون كأي طريق. _______ كانت ميس ما تزال شاردة الذهن حين غادرت المكتبة الصغيرة مع أمْنان، وما إن بلغت المدخل المؤدي إلى ساحة البيت حتى أحسّت بقبضة قوية تمسك بمعصمها فجأة، فاختلّ توازنها قليلًا. التفتت بسرعة، فإذا بالام تجرّها بعنف نحو الداخل، وقد ارتسم الغضب على ملامحها واضحًا كالشمس. حاولت ميس أن تسحب يدها، أن تفلت، أن تقول شيئًا، لكن الأم كانت أسرع، تدفعها دفعًا نحو الغرفة. دخلتا، وأغلقت الأم الباب خلفهما بقوة أحدثت ارتجافًا خفيفًا في الخشب. وقفت الأم أمامها، وجهها يكاد يشتعل، وصوتها يخرج متقطعًا بين الغضب والهلع: "ثُرَيّا! كيف تجرئين على الخروج دون علمي؟! كيف تفعلين شيئًا كهذا؟! ماذا لو عَلِمَ والدك؟! هل تدرين كم عانيتُ وأنا أُخفي خبر اختفائك عنه؟! حين سأل عنك، قلتُ له إنك مشغولة مع الحيوانات! ماذا لو ذهب ليتحقق؟ ماذا لو اكتشف كذبي؟!" كانت الكلمات تنهال على ميس كالسياط، لكن قلبها لم يرفّ. لم تكن كل تلك المخاوف تعني لها شيئًا في تلك اللحظة. كان ذهنها لا يزال عالقًا في الورقة القديمة، في الغموض، في الخطوط غير المفهومة، في الكلام عن الأزمان الغابرة. رفعت الأم صوتها أكثر، وقد بدا عليها أنها فقدت تمامًا قدرتها على ضبط انفعالها: "أجيبيني! إلى أين ذهبتِ؟!" لكن ميس لم تُجِب. بل رفعت رأسها ونطقت بسؤال بدا كأنه صاعقة: "ما الذي كان يريده ذلك الرجل؟" تجمّدت الأم في مكانها. شهقت وكأن الهواء قد فُقِد من صدرها، ووضعت يدها على جبينها كمن داهمه صداع مفاجئ. أخذت تدور في مكانها خطوة بعد خطوة، ترفع يدًا وتخفض الأخرى، تتمتم لنفسها: "يا إلهي… ما الذي يحدث لكِ؟ منذ متى تتحدثين هكذا؟ ما الذي أصاب عقلك؟ هل تنتقمين منا لأننا نريد تزويجك؟ هل هذا تمرّد آخر؟!" كانت الأم تبدو وكأنها على وشك الانهيار. أما ميس فبقيت صامتة، لا تنطق بكلمة، لا تتحرك، تنظر إلى أمها ببرود غريب لم تعتده الأم منها. وبعد لحظات من الانفعال الحاد، خفت صوت الأم شيئًا فشيئًا. انحنى كتفاها، وانطفأ ذلك اللهيب في عينيها، وقالت بإنهاك واضح: " لم يكن يريد شيئًا. فقط جاء ليتأكد… أنك لم تفعلي أمرًا خاطئًا مرة أخرى . هذا كل ما في الأمر." سكتت. هنا نظرت الى ميس وردت بنبرة لم تطمئن الأم بل زادتها توترا من الداخل : " لاتقلقي لن اجرح نفسي ثانية ..." _______ لم يستطع النوم أن يتسلّل إلى عيني ميس تلك الليلة. بقيت جالسة على طرف فراشها، والفانوس الصغير المعلّق قرب النافذة يلقي ضوءًا خافتًا يتراقص على الجدران الطينية. كانت يداها تقبضان على الورقة القديمة التي حصلت عليها من أمْنان، والهموم تتشابك في رأسها كخيوط معقّدة. فردت الورقة أمامها، ثم سحبت قطعة أخرى فارغة وبدأت تخطّ عليها بقلم خشبي رفيع، ترسم خطوطًا، دوائر، وتدوّن ملاحظات صغيرة بنبرة من يعيش صراعًا بين الخوف والعزم. همست لنفسها: "الذهاب إلى بني الرقاع… ليس أمرًا بسيطًا." فبعد خروجها من أرض المرجان، سيكون عليها أن تمرّ على قبيلة الدَّهام، القبيلة التي سمع عنها الجميع. قبيلة لا تسمح لمخلوق — مهما صغُر — أن يعبر حدودها دون علمها. كانوا يُعرفون بأنهم يراقبون كل شيء. وكل شيء يعني: الغلام، الحيوان، بل وحتى الحشرة. كتبت ميس اسم القبيلة على الورقة، ثم رسمت سهمًا طويلًا يؤدي إلى المكان التالي: "ومن الدهام… إلى بني الرقاع." كانت تعرف أن الرحلة تحتاج إلى وسيلة نقل. وفي هذا الزمن، لم يكن هناك سوى الخيل. لحسن حظها، كانت تعرف ركوب الخيل وإن لم تكن بارعة، لكنها تستطيع الثبات على السرج. ثم كتبت كلمة أخرى بحجم واضح على الورقة: "المال." توقفت لحظة، وضغطت شفتَيها بتوتر. من أين ستحصل على المال؟ كيف يحصل أهل هذا الزمن على عمل سريع؟ هي غريبة… لا يعرفها أحد… ولا تملك مهارة يمكن أن تعرضها على القبيلة. وبينما كانت تفكر، التفت بصرها دون إرادة منها نحو الصناديق الموضوعة عند الجدار المقابل. تلك الصناديق التي جاء بها أبلج كهدايا للعروس… عطرها… وحريرها… وهدايا الزواج التي كانت الأخوات يحلمن بامتلاك مثلها. توقّف قلبها لحظة. هل يمكن أن تجد شيئًا ثمينًا فيها؟ هل يمكن… أن تأخذ؟ وهل... يُعدّ ذلك سرقة؟ اجتاحها تأنيبُ ضمير حاد، كالسوط. لكن صوتًا داخليًا آخر همس لها، صوتًا يحمل رجاءً وحقيقة: "أنت بحاجة لهذا المال… تحتاجينه لتعرفي الحقيقة… الحقيقة التي قد تعيدك إلى جسدك… وتعيد ثريّا إلى جسدها هي الأخرى." زفرت بعمق، ثم نهضت من مكانها ببطء شديد. مشت على أطراف أصابعها كي لا توقظ أيًّا من الأخوات النائمات بالقرب منها كانت تسمع أنفاسهن المتقطعة، وواحدة منهن تقلب جسدها على الفراش بصوت خفيف. وقفت أمام الصناديق الثلاثة. كانت كبيرة، مزينة بنقوشٍ خشبية، ومربوطة بأشرطة حريرية. مدّت يدها ببطء ورفعت الغطاء الأول. حرير. طبقات حرير بألوان دافئة. أقمشة فساتين لم تُرتدَ بعد. روائح عطور، وعلب صغيرة مغطاة بالزهور المجففة. أغلقت الصندوق الأول، ثم فتحت الثاني. كان يشبه الأول كثيرًا، وإن احتوى على المزيد من الفساتين والقطع المطرزة. ثم وصلت إلى الثالث. وفور أن رفعت الغطاء، لمع شيء ذهبي خافت تحت ضوء الفانوس. كتمت أنفاسها واقتربت أكثر. كانت هناك حزمة من المال — قطع ذهبية مصفوفة داخل كيس من القماش الخشن. ارتجفت أناملها لحظة، وتقاتل في داخلها صوتان: صوت يصرخ بالرفض: "لا تفعلي! إنها سرقة!" وصوت آخر، أقسى، لكنه أصدق: "لن تنجو… لن تعرف الحقيقة… لن تعودي… إن بقيتِ بلا مال." مدّت يدها ببطء، بينما قلبها يخفق كطائر مذعور. وفجأة… سمعت حركة خلفها. التفتت بسرعة، فرأت ظلّ إحدى الأخوات تتحرك قليلًا في نومها، ربما حلمٌ عابر… لكنه كاد يقلب كل شيء. حبست ميس أنفاسها، تجمدت في مكانها، وبقيت هكذا حتى هدأت الأنفاس من جديد. ثم أغلقت الصندوق ببطء… ومدت يدها بقوة هذه المرة… وأمسكت كيس المال. رفعت رأسها، وكأنها اتخذت قرارًا نهائيًا: "سأخذ هذا… أنا بحاجة إليه… لأعرف الحقيقة. الحقيقة التي ستعيدني… وتعيد ثريّا." وأخفت الكيس تحت ثيابها بعناية، ثم عادت إلى فراشها على أطراف أصابعها. جلست قرب الفانوس مرة أخرى، وضوءه يتراقص على وجهها الذي صار أكثر صلابة. كانت يدها ترتعش… لكن عينيها كانتا تحملان شيئًا جديدًا: عزمًا… وإصرارًا… وطريقًا قد بدأ فعلاً.