🗡️الفصل الثالث🗡️
الصمت والفراغ المظلم
بعد رحيل عثمان، لم يعد القصر هو القصر. تحوّلت قاعات الرخام الواسعة إلى أصداء، وبدا الدفء الذي صنعه الملك الأب في خطر التلاشي تحت وطأة الحزن. هذا الفصل هو عن قوة الشوق القاتلة التي تدفع البطلة لاتخاذ قرار متهور، وعن الخطوات الأولى نحو المجهول، وصولًا إلى أكثر الأماكن قتامة في المملكة: سجن القصر.
لم تستسلم الأميرة للحزن تمامًا. في النهار كانت تضحك بصوت عالٍ، تمزح مع الخدم وتفتعل المواقف المضحكة، وكأنها تريد أن تخدع نفسها قبل أن تخدع الآخرين بأن كل شيء على ما يرام. لكن في الليل، عندما يخيّم الصمت وتغلق الأبواب، كانت تغرق في حزنها. الدموع التي أخفتها عن الجميع تنهمر بصمت، وكأنها سرّ ثقيل تحمله وحدها، سر فراغ كبير لم يملأه أحد.
وبين ليلة وأخرى، نمت داخلها فكرة لم تستطع مقاومتها، فكرة كانت أقوى من المنطق ومن القواعد الملكية: لا بد أن تذهب إليه. لم يهمها كيف، ولا إلى أين، ولا متى. ما عرفته فقط أنها تشتاق له إلى حدّ يوجع القلب، وأن روحها لم تعد تحتمل المسافة الفاصلة بينهما.
في منتصف إحدى الليالي المقمرة، وبدون سابق إنذار، وجدت نفسها تنزل إلى الطابق السفلي، الطابق الذي كان الجميع يتجنّب الاقتراب منه. هناك حيث السجن، المكان المحظور، المظلم الذي لا يسكنه سوى المجرمين الخطرين. لم تفهم لماذا قادتها قدماها إلى هناك، وكأن قوة غامضة كانت تسحبها رغمًا عنها إلى قلب الظلام.
هواء بارد وضباب رطب لفّ المكان، والجدران المتهالكة تنزّ ماءً من الرطوبة والهموم المنسية، فيما أصوات بعيدة تشبه الهمسات تتردّد من خلف القضبان. ما إن لاحظ الحراس وجودها حتى ارتبكوا، فماذا تفعل ابنة الملك في هذا المكان؟ صاحوا بأصوات غاضبة، يطاردونها بين الممرات الضيقة. ركضت وهي تكاد تتعثر بثوبها الطويل، قلبها يخفق بعنف يكاد يسمعه كل من حولها. كانت لحظة هروب متهور، لا تعرف عواقبها.
وفجأة، لمحت فجوة صغيرة في الجدار الحجري، بالكاد تتّسع لجسدها النحيل. لم تفكر، بل زحفت خلالها بلهفة مجنونة، والأنفاس الغاضبة تلاحقها. لكن ما لم تعرفه أن أحد الحراس كان خبيرًا في دهاليز القصر، وكان يعرف تلك الفجوة جيّدًا كطريق سري قديم، فتبعها من ورائها ببطء وثقة.
الزحف في الممر كان أشبه بكابوس ضيق وخانق، وبرودة الأرض تلسع كفيها، لكن الضوء الخافت في آخره أعطاها أملًا بالنجاة. وصلت الأميرة إلى نهاية النفق الضيق، وحين خرجت من الفجوة وجدت نفسها في مكان لم تتوقعه أبدًا: منزل بسيط، بعيد تمامًا عن فخامة القصر. لم يكن هناك وقت لتساؤلاتها، لأن صوت الحارس ارتطم بأذنيها وهو يقترب. اختبأت سريعًا في إحدى الغرف، وقررت أن تقاوم العودة إلى القفص، لكن ما ينتظرها في تلك الغرفة ليس القبض عليها، بل اكتشاف صامت سيقلب كل ما تعرفه عن القصر وهذا السجن رأسًا على عقب.