🍂الفصل الاول 🍂
في محالز الفرز
كانت الحياة في ساريل لا تُقاس بالزمن، بل بـ تناغم الخيوط. وبالنسبة لمييرا، كانت تُقاس بـ الجمود المطلق.
كانت تقف في قلب محالز الفرز، وهو متاهة من الآلات الضخمة التي تلفظ الخيوط البالية والممزقة من نسيج المدينة. عملها كان يتلخص في فصل خيوط الحزن (الأسود) عن بقايا خيوط الحب المتقطعة (الأحمر الباهت) وخيوط النجاح (الذهبي الصدئ)، لإعادة تدويرها. لكن بالنسبة لمييرا، لم تكن تفصل شيئًا عن شيء؛ فكل نسيجها الداخلي كان أسود داكنًا.
لم تكن مييرا "حزينة" بالمعنى البشري؛ بل كانت مُفرغة. لم يُزرع فيها خيط أحمر ليمنحها الدفء، ولا ذهبي ليغرس فيها الطموح. نسيجها، الذي يمكن رؤيته على شكل شبكة دقيقة تغطي جلدها، كان بلا تباين؛ مجرد سحابة من السواد الذي يمتص الضوء. الناس يبتعدون عنها غريزيًا. ففي ساريل، نسيجها الأسود لم يكن علامة على معاناة، بل على غياب الوجود الكامل. كان الآخرون ينظرون إليها وكأنها ظِل ثقيل بين الأنسجة الملونة الزاهية.
في تلك اللحظة، كانت يداها، المغطّاتان بطبقة رقيقة من خيوطها السوداء، تتفحصان خيطًا طويلاً وسميكًا باللون الأزرق الداكن – خيط الموت. كان هذا الخيط دائمًا الأكثر إثارة للريبة؛ يُربط في نهاية نسيج كل كائن، لكنه لا يُقطع أبدًا، وهو الضمان الوحيد للثبات. حاولت مييرا "قراءة" الخيط (عبر غرزة نولاسا خفيفة في الهواء): "ما الذي يجعلك دائمًا أخيرًا؟" لكن الخيط الأزرق لم يرد إلا بنمط "إيقاع صامت ومُطلق"، كأنه يهمس بـ "اللا مفر".