الحقلة الرابعـــــة
––– الحلــقــة الــرابــعــة: الامتحان… والصدفة اللي تغيّر العمر –––
بعد أسابيع طويلة من التوبة، حسّ سيف إن الطريق بدأ يستقر.
مو سهل… بس أقل ظلام.
كان يروح للشغل، يصلي، يقرأ قرآن، ويسأل رب العالمين كل ليلة:
“يا رب قوّيني… وأصلح قلبي.”
لكن ما يعرف إن الله لما يصلّح قلب إنسان، يهيّئ له باب جديد بحياته.
باب ما يخطر على باله.
---
يوم من الأيام، كان سيف راجع من السوق محمّل أغراض كهرباء للشغل.
الجو حار، والناس متكدسة، والسوق مليان صياح وباعة وريحة خبز طالع من الفرن اللي بالزاوية.
وهو يمشي، شاف وحدة توقفت يم سيارة وتريد تشيل كيس ثقيل، واضح إنه فوق قدرتها.
حاولت مرتين، والكيس ينزلق من يدها.
من غير تفكير، سيف مشى نحوها:
“اسمحيلي… أخلي أشيله يمچ.”
رفعت راسها… كانت بنت بملامح هادئة، حجاب مرتب، عيونها بيها وقار غريب، كأنها جاية من تربية نظيفة.
كالت بخجل:
“إذا ما تضوج… شكراً.”
رفع الكيس، وحطّه بالسيارة.
كلشي طبيعي…
بس اللي مو طبيعي إنه قلبه انضرب ضربة ما حس بيها من سنين.
مو حب… لا.
إعجاب طاهر، بسيط، يحترم.
هزّت راسها:
“ممنونة… جزاك الله خير.”
والجملة الحلوة؟
هي أول مرة يسمع أحد يدعي له دعاء صادق من مدة طويلة.
ردّ عليها بصوت خجول:
“وياچ.”
وراح.
بس وهو يمشي، حسّ إنه ترك وراه شي ثقيل… كأن روحه بقت يم السيارة.
---
مر يوم… يومين… أسبوع.
وبقلبه سؤال مزعج: “هي منه؟ وين أشوفها؟”
لحد ما يوم جمعة، راح للجامع قبل الصلاة بشوي… وشاف عائلة داخلة.
أم، وأب، والبنت نفسها وراهم.
وقف مكانه…
حس إن الدنيا توقفت ثواني.
مو فيلم… صدفة من النوع اللي الله يكتبها لما يريد يمتحن نية الإنسان.
ظل يتردد: يحجي؟ ما يحجي؟
بس داخله صوت قرأ آية واضحة:
﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾
جمع شجاعته…
راح على باب الجامع حيث الأب واقف، وسلّم:
“عمي… أريد أحچي وياك بموضوع… إذا تسمح.”
الأب شافه بتركيز:
“خير يا ولَد؟”
سيف حس قلبه يريد يطلع من صدره، بس گالها:
“أريد أتقدّم لبنتك… على سنة الله ورسوله.”
صمت…
صمت طويل خلّاه يحس إن جسمه يتجمد.
الأب ما رد فوراً.
سيف وقف مستقيم، نظيف، صادق، حتى لو ماضيه ملطّخ.
الأب سأله:
“اسمك؟ وشغلك؟ وشكد عمرك؟”
جاوب بكل وضوح.
بعد ثواني، الأب ابتسم ابتسامة خفيفة:
“سمعت الناس تقول إنك تغيّرت… وإنك رجال تبت.
أريد أعرف أكثر… تعال لبيتنا العصر، خلّنه نحچي.”
سيف من الصدمة حس الدمعة تريد تطلع.
حس إن الباب انفتح… بجهد، بدعاء، بآيات الله.
---
دخل بيتهم العصر.
حچى عن نفسه بصدق.
ما كذب… ما سوّى نفسه ملاك.
گال عن ماضيه، وعن توبته، وعن خوفه من الله.
البنت كانت تسمع من وراء الباب.
ولما خلّص… الأم سألتها:
“رضاي؟”
صوتها كان هادي وهو يجاوب:
“إي… أقبَل. واضح قلبه نظيف.”
وبهل لحظة…
الله جمع بين اثنين على نية طيبة.
---
مرت أسابيع قصيرة…
كتبوا كتابهم.
تزوجوا.
وانقلبت حياة سيف 180 درجة.
كان يصحى مع زوجته على صلاة الفجر، يقرأ معاها آيتين أو ثلاثة، البيت يصير بيه نور، مو نور كهرباء… نور قلب.
كان يكول لنفسه كل ليلة:
“يا رب… شكد أنت كريم، وأنا كنت غرقان وما أستاهل.”
زوجته كانت تقول له:
“المهم إنك يا سيف تغيرت… مو لأن الناس شافوك، لأن الله قبل توبتك.”
وهذا الكلام يغسل روحه كل يوم.
---
وبعد شهور، صار سيف يعيش أجمل أيام عمره:
طمأنينة، بيت هادئ، زوجة صالحة، وسكينة ما ذاقها بحياته كلها.
لأول مرة…
حس إنه إنسان يستحق حياة نظيفة.